ــ اذا ذكرت كلمة الموسيقى تبادر إلى الأذهان ذلك الصوت الذي تصدره الآلات الموسيقية المختلفة التي توجد في كل بلاد العالم, وتعزف حسب عادات وتقاليد كل بلد. ويقال ان من خلال الايقاعات الموسيقية هذه يدرك مدى رقي أي شعب من الشعوب. ــ وانني ذكرت لفظ الموسيقى, وأردت به ذلك اللحن الجميل الذي عرف به المسلم أينما وجد في بلاد الله الواسعة من العالم, عندما يغدو تالياً للقرآن الكريم. ــ اقول حاشا أن نشبه القرآن الكريم بالغناء, و حاشا ان نشبه قارئ القرآن بالمغني, اذ شتان بين من يتعبد ومن يلهو ويلعب. لكن الحديث النبوي المروي عن ابي هريرة استخدم عبارة ليس منا من لم يتغن بالقرآن (رواه البخاري وأبو داود واحمد والحاكم). ــ وورد أيضا لله أشد أذنا (ميلا بأذنه الى جهة من يسمعه) الى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة الى قينته. ويقول القسطلاني ان التطريب بالقرآن مسموح به لما له من أثر في رقة القلب واجراء الدموع, واثارة الخشية, واقبال النفوس على استماعه, ولكن بشرط الا يخل القارئ بشيء من الحروف عن مخرجه. ــ اذن فان التغني بالقرآن جائز, والتغني هو تحسين الصوت وتزيينه بحيث يتشوق المستمع الى سماعه, وهذا هو المطلوب. ــ ومما يروى ان ابا موسى الاشعري رضي الله عنه كان يصلي بالليل صلاة الليل فمر الرسول صلى الله عليه وسلم فسمع تلاوته وكم سر بها. وعندما رآه في اليوم التالي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم من باب الاعجاب بتلاوته وحسن صوته ومن باب التشجيع له: انك اعطيت مزمارا من مزامير آل داود, فقال أبو موسى رضي الله عنه اما انني لو علمت بوجودك عندك وأنت تسمعني لحبرت لك تحبيرا, أي زينت صوتي بالقرآن اكثر. ــ اقول ان شهر رمضان هو شهر القرآن, فيه نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه كان جبريل عليه السلام يتدارس معه القرآن, وفيه اكتمل بأجزائه الثلاثين, حيث أخبره جبريل بأن هذه المرة هي المرة الاخيرة له, وبعدها لن تلتقي السماء بالارض. ــ منذ أن رحل الرسول الى ربه الأعلى والصحابة يتدارسون هذا القرآن في رمضان وغير رمضان, ولكن في رمضان أشد, وقد جرت العادة عند السلف ان يقرأوا.. القرآن في بيوتهم, ويعلموا أولادهم ان يختموا عدة ختمات في هذا الشهر الفضيل في ثواب أمواتهم, من باب اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث عمل ينتفع به, أو صدقة جارية, أو ولد صالح يدعو له بالخير. ــ هذا عن الأمس, فيا ترى هل بقي الناس على العهود أم أنهم كما قال الشاعر: تغيرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبر قبيح ــ نعلم لا تزال بقية منهم باقية فيصومون نهارهم, ولكن سامحهم الله انهم عن لغوهم لا يعرضون, ويصلون التراويح بالليل, ولكنهم عن لهوهم لا يتوبون. في الواقع أني اعذرهم ولا أعذرهم, اعذرهم عندما أرى ان المحيط الرمضاني الذي يعيشون فيه غير مهيأ للنسك, فالمغريات من حولهم, ووسائل الاغواء متعددة. ــ ولا اعذرهم لأن الله تعالى يقول: (كل نفس بما كسبت رهينة), ويقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). اذن فان الناس اذا فسدوا من حولي وجب علي الا افسد, بل أتمسك بديني ولا علي منهم. ــ ان شهر رمضان يجب ان نحترمه, وان موسيقى هذا الشهر هو صوت قارئ القرآن الشجي, لا صوت المزمار والطنبور, فهل يا ترى آن لنا ان نستفيق من رقدة مضت عليها قرون, فنوجه أولادنا الى تلاوة القرآن, على الأقل في شهر رمضان؟ ــ بالمناسبة لقد احسنت اذاعة وتلفزيون العرب حين خصصت قناة خاصة باسم مناجاة, حيث لا تعرض فيها الا الدعاء والذكر, فكم هي مناسبة لرمضان وغير رمضان. ــ نعم وكانت في البلاد العربية, وبالاخص في بلاد الخليج مجالس قرآنية في رمضان يوم كان الناس يجلسون تحت ضوء القمر, ويشربون من (الحليب), ويلبسون ثياب الململ المبال في القيظ الحار. ــ اما اليوم وقد اصبحت مجالسنا قصورا, واجواؤها مكيفة بالتكييف المركزي الذي لم يخطر ببال أجدادنا, وصرنا نشرب أنواعا من العصير الطازج المحفوظ في الثلاجات, فاننا صرنا نقضي ليالي رمضان في لعب الورق, ومتابعة المسلسلات الكوميدية. ــ انني اقول هذا وقلبي مملوء بالأسى والأسف, كيف يمن الله علينا بهذه النعم ثم لا نقوم بشكرها؟ والشاعر يقول: اذا كنت في نعمة فارعها فان المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشكر الاله فان الاله سريع النقم ــ نعم لقد مرت بلاد ودول بما نمر به اليوم, حيث كانت خربة فأحياها الله, ثم تجبر أهلها وكفروا بأنعم الله وظنوا ان النعمة تدوم مع العصيان فاتاهم الغضب فبدل الله نعمتهم الى نقمة مما جعل شاعرهم يقف على اطلالهم ويقول: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بل نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر ــ انني مازلت أتأمل في هذه الأمة الخير, لانهم مازالوا يقولون لا اله الا الله محمد رسول الله, ومازالوا يصلون, ومازالوا يصومون ويحجون. انني اتمنى ان يستثمروا شهر رمضان لصالحهم, ويهجروا كل أنواع الموسيقى الا التي اباحها الله في هذا الشهر وهي التغني بالقرآن الكريم. انهم ان فعلوا ذلك لربما شملتهم الآية الكريمة التي تقول (ان الحسنات يذهبن السيئات). ــ عليهم ان يفعلوا ذلك, ويربوا أولادهم على ذلك, لأن الخطر الأكبر هو الخطر القادم الذي يلحق جيل الأولاد, فجيلنا الحاضر صحيح انه اسوأ من الجيل الماضي الا انه افضل من الجيل القادم, والشاعر يقول: رب يوم بكيت منه ولما صرت في غيره بكيت عليه ــ ان ابناءنا وبناتنا امانة في عنقنا فلنشنف اذانهم بموسيقى القرآن الكريم قبل أن تلوث بالموسيقى الصاخبة التي تصب في اذن المستمعين اليها الآنك يوم القيامة والآنك هو الرصاص المذاب. ــ ربما تقولون ان التربية في هذا العصر صعبة فأقول لكم ذلك صحيح, لكن الاجر على قدر المشقة, ومطلوب منا الجهاد, اليس كذلك؟؟ د. عارف الشيخ