اكدت دراسة علمية لشرطة دبي على دور الام الكبير في حماية ابنائها من الانحراف, واشارت الدراسة التي اعدها الدكتور محمد مراد عبدالله مدير مركز البحوث والدراسات بشرطة دبي الى وجوب تعزيز هذا الدور من خلال تيسير كافة السبل التي تشجع الام على القيام بهذا الدور بفعالية. وعرضت الدراسة لمفهوم الانحراف مشيرة الى انه يعني جميع انماط السلوك التي لا تتفق مع المعايير الاجتماعية حتى لو لم يكن هذا السلوك مجرما قانونا, وبالتالي فإن الانحراف اوسع نطاقا من مفهوم الجناح, ذلك انه ليست كل مخالفة للقيم المجتمعية السائدة والاعراف المتبعة تعد مخالفة للقوانين السارية, والعكس اغلب الاحيان ليس صحيحا. والانحراف قد يكون خفيفا يمكن معالجته والتصدي له بسهولة مثل الهروب من المدرسة او الكذب المتكرر, وقد يبلغ درجة كبيرة ويصل الى مرحلة خطيرة, مثل الممارسات السيكوباتية الانفصالية او الاكتئاب دون سبب ظاهر, ومن الاهمية بمكان التعرف على مقدمات الانحراف حتى يتسنى التدخل في الوقت المناسب وبالاسلوب الملائم لوقف التدهور الذي قد يؤدي الى الانزلاق لهاوية الاجرام وعرضت الدراسة اهم الملامح التي تعكس مقدمات انحراف الابناء وتتمثل في الكذب المتكرر, التمرد على السلطة الابوية, المشاغبة المدرسية, الميل الى السيطرة, الشراسة في التعامل مع الاطفال الأخرين او مع الحيوانات الاليفة والضالة, الميل الى التخريب وعدم الشعور بالمسئولية, التخلف الدراسي وكراهية المدرسة, الاهتمام الزائد بالنشاط الجنسي او اللواطي, عدم الشعور بالذنب تجاه سلوكه السيىء, الهروب من المنزل او المدرسة, الميل للسرقة حيث تعتبر ابرز صور الانحراف, الارتباط القوي بالشللية المنحرفة. ويتعين على الأم ان ترصد وتلاحظ التغيرات التي تطرأ على سلوكيات الابناء وذلك لتحفيز دورها التحصيني وتنشيط دورها التحجيمي, اي تفعيل دورها الوقائي لمنع ابنائها من الانحراف والسعي للحصول على المعاونة اللازمة لتقوية او تصحيح مسار دورها الوقائي لاحتواء بوادر الانحراف التي ظهرت على الابناء وردهم الى السلوك القويم. الظروف الاسرية والانحراف وأوضحت الدراسة ان الطفل يولد ولديه خليط من النزاعات الخيرة والشريرة, وتعمل الظروف التربوية والنفسية التي يعيش الطفل في كنفها على اظهار احد الجانبين وتغلبه على الجانب الآخر. وتشير الدراسات الميدانية التي اجريت على الاحداث الجانحين في مصر الى ان اثر البيئة الاسرية يفوق بكثير ما عداه من العوامل الاخرى فقد بلغت الحالات المدروسة التي ترجع الى ظروف البيئة الاسرية 76% وحالات الانحراف التي ترجع الى اثر البيئة الخارجية 14% والحالات التي ترجع الى العوامل الذاتية 8% اضافة الى عوامل مختلفة ورواسب متعددة من الصعب تغليب انتسابها الى احد العوامل المشار اليها والتي تبلغ في مجموعها حوالي 2%. وعلى ذلك فإن الظروف البيئية وخاصة الاسرية تلعب الدور الاكبر المسبب لانحراف الابناء ومن ابرز هذه الظروف: ـ التفكك الاسري. ـ كبر سن الوالدين. ـ تركز السلطة المنزلية في يد الام, حيث اثبتت العديد من الدراسات ان البيوت التي تكون فيها السيطرة للنساء, تزيد فيها معدلات انحراف الابناء. ـ التفرقة في معاملة الابناء. ـ القدوة السيئة. ـ كبر حجم الاسرة. ـ ادمان الاب على المخدرات او المسكرات. ـ ضيق المسكن وارتفاع متوسط الكثافة للغرفة الواحدة. ومن الدراسات المتعمقة التي بحثت تأثير الظروف الاسرية على انحراف الابناء يمكن استخلاص النتائج الآتية: ـ احتمال انحراف الابناء يرتفع كثيرا في الاسرة المفككة. ـ نسبة الانحراف بين ابناء الام التي تتزوج بعد طلاقها تزيد كثيرا عن النسبة المناظرة بين الابناء الذين يعيشون في كنف الاب الذي تزوج مرة اخرى بعد طلاقه لام هؤلاء الابناء. ـ احتمال انحراف ابناء الاسر المطلقة يبلغ خمسة اضعاف الاسر غير المطلقة. ـ احتمال انحراف ابناء الام المتوفاة يبلغ ضعف معدلات انحراف ابناء الامة التي على قيد الحياة. ـ الاسر التي يجتمع فيها اخوة غير اشقاء يزيد فيها احتمال انحراف ابنائها عن الاسر التي بها اخوة اشقاء. ولاشك ان الاسر المتصدعة او المتوترة تفرز ابناء غير مستقرين عاطفيا وبالتالي تزداد احتمالات الانحراف بينهم لذا فإن من اهم دعائم الامن الاسري تعزيز التماسك الاسري والتضامن الاجتماعي بين افراد الاسرة الواحدة, ويظل التمسك بأهداب الدين الاسلامي وتعاليمه هو السند الاكبر والحافز الاعظم في وفاء كل فرد من افراد الاسرة بواجباته والتزاماته تجاه بقية افراد اسرته. التفكك الاسري وأوضحت الدراسة ان التفكك الاسري يعتبر احد اهم العوامل المسببة لجناح الاحداث في البلاد المتقدمة والنامية على السواء, فقد اثبتت دراسات ريلي وشو عن المجتمع الامريكي و(جان شازال) عن المجتمع الفرنسي وباج عن المجتمع الهندي وعبدالمتعال عن المجتمعات العربية.. ان التفكك الاسري والذي يتمثل في الطلاق والوفاة وتعدد الزوجات والانفصال وزواج الام او الاب مرة اخرى وغياب الاب او سفره للعمل لمدد طويلة, يعد من اهم العوامل المؤثرة في جناح الاحداث في معظم المجتمعات. وقد حاول البعض تشخيص السمات العامة للبيوت المتصدعة والتي غالبا ما ترتبط بجناح الاحداث بشكل او بآخر حيث خلصت الى انها تلك التي تتسم بسمة او اكثر من السمات الآتية: أ ـ البيوت التي يغيب عنها الاب أو الام او كلاهما. ب ـ البيوت التي تتميز بسيطرة شخص واحد (الأب, او الام, او الجد) عليها سيطرة مطلقة. ج ـ البيوت التي يشيع فيها التمييز في المعاملة وعدم التوافق. د ـ البيوت التي تنعدم او يضعف فيها الضبط الاجتماعي. وتشير الدراسات في دولة الامارات العربية المتحدة الى ان نسبة الزواج من آخريات غير الام بين اسر الاحداث الجانحين تزيد عن النسبة المقابلة لها بين اسر الاحداث الاسوياء, كذلك فإن نسبة الاحداث الجانحين الذين لديهم اخوة غير اشقاء تبلغ حوالي الضعف مقارنة بالاحداث الجانحين الذين ليس لديهم اخوة غير اشقاء. وبصفة عامة اتضح ان نسبة حالات زواج امهات الاحداث الجانحين من غير الاب, تفوق نسبة الحالات المماثلة لامهات الاحداث الاسوياء, وبالتالي فإنه يمكن اعتبار ان مشكلة تفكك الاسرة واضطراب الحياة الاجتماعية تلقي بظلالها بقوة على مشكلة جناح الاحداث في المجتمع الاماراتي. وتشير دراسات ميدانية اجراها خبراء مركز البحوث والدراسات بشرطة دبي, ان من ابرز الاسباب التي تؤدي الى انحراف الابناء ما يلي: ـ الأب الغائب, حيث اللامبالاة الشديدة من رب الاسرة تجاه اسرته وغيابه معظم الاوقات خارج منزله وعدم معرفته بأحوال ابنائه الدراسية وربما يصل الامر الى الجهل بأسماء المدارس التي يدرس فيها ابناؤه او الصفوف الدراسية التي وصلوا اليها او التقديرات والدرجات التي يحصلون عليها. ـ تصدع البناء الاسري حيث ترتفع نسبة الطلاق وتعدد الزوجات بين اسر الاحداث الجانحين. ـ الانحراف من الداخل حيث تنعدم القدوة نتيجة ادمان الاب على معاقرة الخمر, او تعاطي المخدرات, كذا تعليم الاحداث الاكبر سنا لاقاربهم الاصغر سنا استنشاق الغراء والغازات المتطايرة وتدخين السجائر. ـ معظيم جرائم السرقات تتم بدافع المغامرة وتمثل انعكاسا للنزعة العدوانية والحرمان العاطفي وليس الحاجة المادية. ـ متوسط دخل الاسر التي ينتمي اليها الاحداث الجانحون يبلغ شهريا حوالي 7000 درهم للاسر المواطنة, وحوالي 3000 درهم للاسر الوافدة وهي متوسطات دخل جيدة تسمح لهذه الاسر بالعيش فوق خط الفقر. ـ متوسط المصروف اليومي الذي يتقاضاه الحدث الجانح المواطن 8 دراهم يوميا, وهو مقدار يفوق بكثير ما يحصل عليه في المتوسط نظيره السوي 3.5 دراهم. ـ نادرا ما ينحرف الحدث الذكر الذي يكون ترتيبه الاول او الاخير في الاسر المواطنة وغالبا ما يتركز الانحراف في الابناء الاواسط ويمكن تفسير ذلك بأن الطفل الاول غالبا ما يأتي من الزواج الاول حيث لا يعاني هذا الطفل ـ حتى يشب ـ من الاضطرابات العاطفية الناجمة عن مشكلات الطلاق او تعدد الزوجات او وجود الاخوة غير الاشقاء, اما الطفل الاخير فغالبا ما يحظى باهتمام ورعاية مضاعفة, حيث يكون محل اهتمام الوالدين كذا اخوته الكبار بعكس الحدث الانثى حيث غالبا ما تكون الانثى الحدث الجانحة تحتل الترتيب الاول بين اخواتها وربما يرجع ذلك الى تدليلها, اضافة الى ضعف رقابة اخوتها الذكور الاصغر منها. وتشير دراسة ميدانية اجراها الباحث حول الظروف المصاحبة لتناول الحدث (الجرعة الاولى) من المخدرات ان الاهل لا يكتشفون ادمان ابنائهم للمخدرات إلا بالصدفة المحضة, مثل العثور على ادوات التعاطي, او استدعائهم من قبل الشرطة حال القبض على ابنهم, بل ان بعض الابناء يتعاطون المخدرات مع اصدقائهم في غرفهم داخل المنزل دون ان يشعر بهم احد, كما ان بعض الصبية يستنشقون الغاز وهم جالسون وسط اهلهم او بالقرب منهم دون ان يكتشف الاهل ذلك, وذلك بوضع المادة المتطايرة داخل علب المياه الغازية التي يفترض انها تكون داخل العلبة الفارغة, واستنشاقها بالايحاء للآخرين بأنهم يشربون المياه الغازية وربما يضفي ذلك عليه سعادة اضافية لتحديهم السافر للسلطة الوالدية, وللقيود او الرقابة المفروضة عليهم من قبل الاهل. وخلصت الدراسة الى عدد من التوصيات التي تأمل في ان تساهم في تعزيز الامن الاسري وتقليل احتمالات انحراف الابناء اهمها ما يلي: دعوة مراكز البحوث الشرطية والاجتماعية للتعاون والتكامل وتبادل الخبرات والتجارب في صدد تحليل المشكلات المجتمعية التي افرزتها التطورات التقنية الهائلة لمواجهتها واحتواء تأثيراتها الضارة على الاسرة العربية, تعزيز الدور الحيوي الذي تلعبه الام في تحصين ابنائها ضد الاخطار ووقايتهم من الانحراف, بتعريفها بأنسب سبل تفعيل هذا الدور, وبالاساليب المثلى للتعامل مع ابنائها المتشبعين بروح العصر وشطحاته, حث اجهزة الشرطة على الاهتمام بالامن الاسري باعتباره دعامة الامن الاجتماعي, والذي يعد احد مكونات الامن العام بمفهومه الشامل والمتكامل, اعادة النظر في عمليات تخطيط وتنفيذ حملات التوعية الامنية لتتناسب مع عقلية الاجيال الجديدة لتلقي قبولهم, ولتؤتي بعوائدها المرجوة في تحصينهم من الاخطار المحيطة بهم والتي تستهدفهم, تشجيع البحوث والدراسات التي تبرز وتبلور الاخطار المحتملة والمشكلات المتوقعة التي تهدد الامن الاسري لتعزيز القدرة على المبادأة والوقاية والمواجهة.