يعتبر مرض الثلاسيميا الذي ينتشر في دولة الامارات العربية المتحدة وغيرها من دول الشرق الاوسط أحد اشهر الامراض الوراثية التي عرفتها البشرية, وهو يؤدى الى انيميا حادة ومضاعفات اخرى على المدى البعيد. ويتطلب نقلا منظما للدم وأدوية اخرى مدى الحياة. وتشير الاحصائيات الى ان نسبة كبيرة من المواطنين يحملون الصفات المورثة لهذا المرض, وتبلغ نسبة المواطنين الحاملين لاثر الثلاسيميا 17%, وهناك حالة بين كل عشرين شخصا داخل الدولة يحملون اثر الثلاسيميا وما زال العدد في تزايد مستمر. ويسبب مرض الثلاسيميا للمصابين به معاناة دائمة مدى الحياة حيث يتطلب البقاء على قيد الحياة نقلا للدم مرة واحد بين كل 30 و40 يوما, مع ما يسببه ذلك من آلام للمريض ومعاناة كبيرة للأهل, فضلا عن ان نقل الدم المتواصل يؤدي الى تراكم الحديد في الاعضاء المهمة من الجسم كالكبد والقلب وهو ما يؤدي الى مضاعفات خطيرة, ومما يتوجب معه تناول دواء (الديسفرال) عن طريق الحقن اليومي بمضخة تحت الجلد لمدة 10 ــ 12 ساعة يوميا. ولا تنتهي معاناة مرضى الثلاسيميا عند هذا الحد, بل ان هؤلاء المرضى يواجهون رفضا من قبل افراد اسرهم بسبب ما يسببونه لهم من هم ومعاناة دائمة مدى الحياة, فضلا عن رفضهم من قبل الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة والوزارات وعدم توفير فرص عمل لهم بحجة اصابتهم بمرض الثلاسيميا, وعدم منحهم شهادة اللياقة الطبية اللازمة للحصول على وظيفة تؤمن لهم حياة كريمة كغيرهم من افراد المجتمع الأصحاء. ولالقاء مزيد من الضوء على المشاكل التي يعاني منها مرضى الثلاسيميا قامت (البيان) بزيارة الى مركز الثلاسيميا وعلم الوراثة بمستشفى الوصل التابع لدائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي الذي يعتبر افضل مركز في منطقة الشرق الاوسط حسب اعتراف رسمي من رابطة الثلاسيميا العالمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية للاستماع الى شكاوى ومتطلبات المرضى والتعرف عن قرب على حجم معاناتهم واخذ رأي الاطباء في هذه المشكلة الصحية الخطيرة التي تتزايد يوما بعد يوم. 700 مريض يقول الدكتور عصام ضهير اخصائي مرض الثلاسيميا بمستشفى الوصل ان عدد المرضى الذين يعالجون حاليا في المركز بلغ 700 مريض كان عددهم عند افتتاح المركز عام 1989 حوالي 75 مريضا فقط, فضلا عن وجود 450 مريضا يتلقون العلاج في أقسام الاطفال والباطنية في مستشفيات الامارات الاخرى. ويؤكد أن الزيادة الكبيرة في عدد المرضى ترجع الى قلة الوعي وعدم اجراء فحوصات ما قبل الزواج. وبسبب تطور اساليب التشخيص والعلاج داخل الدولة التي اسهمت في الكشف عن عدد كبير من الحالات بشكل مبكر, فضلا عن ان المركز استقطب عددا كبيرا من الحالات المرضية من مناطق اخرى من داخل الدولة وخارجها, مشيرا الى ان هذا لا يعني عدم وجود حالات جديدة تولد من أب وأم حاملين للمرض. نقل الدم ويشير الى ان الوسيلة الوحيدة لبقاء مرضى الثلاسيميا على قيد الحياة هي نقل الدم واستعمال بعض انواع الادوية والفحوصات المستمرة لمتابعة المرض مع اجراء فحوصات البلوغ والنمو الهرموني لدى المصابين, حيث اسهمت هذه الوسائل في اطالة عمر المصابين بالمرض وجعلهم يعيشون حياة طبيعية بعد أن كان مصيرهم الوفاة قبل سنوات. كما يقوم المركز بمتابعة الحالة الصحية للمرضى الذين يقومون بعملية نقي (زرع النخاع) وهي الوسيلة التي تمثل بارقة الامل لهؤلاء المرضى للتغلب على مرضهم, وتستمر المتابعة لمدة تتراوح بين سنة وسنتين بعد عملية الزرع التي تجري في مراكز عالمية وتستمر فترة العلاج لمدة تتراوح بين اربعة الى ستة اشهر خارج الدولة. ويقول الدكتور عصام ضهير انه تمت متابعة 14 مريضا اجريت لهم عمليات زرع النخاع خارج الدولة في ايطاليا والولايات المتحدة الامريكية والهند وسلطنة عمان بواسطة اخصائيين عالميين, وتتكلف العملية ما بين 150 الى 200 الف دولار, مشيرا الى ان نسب النجاح في هذه العمليات كانت مرتفعة جدا. ويؤكد اخصائي مرض الثلاسيميا انه تجرى حاليا دراسة لانشاء مركز لزراعة النخاع العظمي لتوفير هذه الوسيلة العلاجية لمرضى الثلاسيميا ومرض السرطان بشكل خاص داخل الدولة. 60% مواطنون ويضيف ان المركز ينسق مع المستشفيات الاخرى داخل الدولة حيث يتم تشخيص المرض وتحديد طرق العلاج وارسال المريض مرة اخرى الى نفس المستشفى لمتابعة العلاج هناك, مما يقلل من الضغط الشديد على مركز الثلاسيميا ويخفف مشقة التنقل على المرضى وذويهم, مشيرا الى ان اكثر من 60% من المرضى هم من مواطني الدولة ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي وحوالي 40% من المقيمين, وان 60% من هذه الحالات ناتج عن زواج الاقارب. ويؤكد ان مرضى الثلاسيميا يعيشون حياة طبيعية اذا ما اكتشف المرض مبكرا وتم علاجه بصورة منتظمة مشيرة الى ان هناك سبعة من المرضى تزوجوا بعد اجراء الفحوصات اللازمة وانجبوا اطفالا سليمين, كما ان منهم من واصل دراسته الجامعية وتخرج وللأسف يواجهون مشكلة في الحصول على فرصة للعمل مما يسبب لهم معاناة ونكسة نفسية تؤدي الى تدهور حالتهم الصحية بسبب احساسهم بالرفض من المجتمع وبالتالي اهمالهم في مواصلة العلاج. احدث طرق العلاج ويقول الدكتور عصام ضهير ان العلاج الشافي الوحيد الذي اصبح بارقة الأمل الوحيدة في حياة طبيعية هو زرع النخاع وهو غير متوفر داخل الدولة, حيث يتم ارسال المريض الى المراكز العالمية المتخصصة بشرط توفر متبرع من اخوة واخوات المريض تتاطبق انسجته مع انسجة المريض, وهو نسبة لا تتعدى 33% مما يعني ان هناك عددا كبيرا من المرضى لا يتمكنون من اجراء هذه العملية. ويشير الى انه بدأ حاليا في مراكز عالمية متخصصة اجراء عمليات تخزين للانسجة المطابقة عند المتبرعين على مستوى العالم, مؤكدا ان دولة الامارات لم تنضم بعد الى هذه المراكز المتواجدة في الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا, ويدرس المركز حاليا الانضمام والمشاركة بهذا البرنامج. استخدام دم الحبل السري ويؤكد الدكتور عصام ضهير انه يتم حاليا بالمشاركة مع قسم النساء والتوليد بمستشفى الوصل دراسة امكانية الاستفادة من تقنية حديثة لعلاج مرضى الثلاسيميا تعتمد على استخدام دم الحبل السري من خلال انشاء بنك لدم الحبل السري وزراعته لمرضى الثلاسيميا, مشيرا الى ان هذه الوسيلة العلاجية بدأ استخدامها في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا, واجريت لأكثر من الف حالة واثبتت نجاحها, وحيث يؤخذ الدم من الحبل السري والمشيمة بعد ولادة الجنين مباشرة ويتم تخزينه في بنوك خاصة وتتم زراعته للمرضى بعد ذلك دون اشتراط مطابقة الانسجة, حيث ان هذا الدم يتكيف مع الجسم المزروع فيه بعد ذلك. ويوضح ان هذه الوسيلة اجريت لحالة مرضية من دبي ومازال يواصل العلاج في الولايات المتحدة الامريكية. جمعية الامارات للثلاسيميا من جهته يقول جمعة الخاطري رئيس جمعية الامارات للثلاسيميا ان الاستشارة الطبية والفحوصات المخبرية قبل الزواج هما الحل الأمثل لتجنب الاصابة بالمرض, اما المتزوجون من حاملي اثر المرض فيمكنهم عمل فحص في الاسابيع الأولى من الحملة لمعرفة حالة الجنين هل هو مصاب أم لا. ويضيف ان الجمعية تقوم بمساعدة الاشخاص المصابين بمرض الثلاسيميا الوراثي معنويا واجتماعيا وتقدم المشورة لهم, والاتصال بالجمعيات والمؤسسات العالمية المشابهة بغرض تبادل المعلومات والخبرات واعداد برامج للتوعية والتثقيف الصحي وتوفير الدعم المعنوي وتشجيع التبرع بالدم وتوعية توجيه المقبلين على الزواج بأهمية اجراء الفحوصات الطبية المسبقة وتشجيع مرضى الثلاسيميا ان يكونوا عناصر منتجة في المجتمع ومشاركتهم في بناء الوطن وذلك بتوفير فرص التعليم والعمل لهم, ودعوة الجمعيات والمؤسسات الكبرى بالدولة لتقديم المساعدات المادية والمعنوية للجمعية وفقا لاحكام القانون. دعم نفسي واجتماعي وتقول خالدة خماس الاخصائية الاجتماعية بمركز الثلاسيميا بمستشفى الوصل والتي تقوم بجهود كبيرة في مساعدة مرضى الثلاسيميا ان الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى يمثل عنصرا مهما في عملية العلاج. وتشير الى ان دورها يتمثل في تنظيم الانشطة والفعاليات الخاصة بمرض الثلاسيميا في المهرجانات والمناسبات الاخرى والمشاركة في الاسابيع الاجتماعية والانشطة المدرسية واصدار الكتيبات التثقيفية عن الثلاسيميا. كما تقوم بالقاء المحاضرات وتنظيم الندوات عن مرض الثلاسيميا وعمل دورات كمبيوتر, وانهاء اجراءات السفر للمرضى وايجاد فرص عمل لهم, فضلا عن انها تسهم في اقامة تجمعات لاطفال الثلاسيميا وعائلاتهم وتنظيم ماراثون في اليوم العالمي للمرض وادراج نشاط اليوم العالمي للثلاسيميا في خطة وزارة التربية والتعليم مشيرة الى انها اسهمت في ادخال مرض الثلاسيميا كمادة علمية في كتاب الاحياء لمرحلة الثانوية العامة. تحقيق ــ بسام فهمي
