اكد الباحث المستشار فتيحة محمود قرة القاضي بمحكمة تمييز دبي ان من حق المشرع اصدار قوانين او تعليمات توضع موضع التشريع لمجابهة مشكلة او ظاهرة معينة كلما دعت الحاجة لذلك. واكد ضرورة اصدار قانون الوصية الواجبة حيث اصبح من الامور المهمة بمجتمع الامارات. جاء ذلك في بحث للمستشار حول (القانون الواجب التطبيق عند عدم وجود نص تشريعي مكتوب في الدولة حيث ان هناك ظاهرة فجرها الواقع الملموس استلزم القيام بهذا البحث وهي ظاهرة الابناء الصغار الذين يتوفى والدهم في حياة جدهم ووفاة الجد بعد ذلك تاركا اياهم مع ابناء آخرين له (اعمامهم) يقومون بحجب ميراث الجد عن الابناء الصغار حجب حرمان. واضاف الباحث ان البحث يتناول بيان ما اذا كان القانون الواجب التطبيق في دولة الامارات العربية المتحدة قد جابه هذه الظاهرة وموقف مشروع قانون الدولة في هذا الخصوص وكذا مشروع تنفيذ احكام الشريعة الاسلامية الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي. وقال المستشار فتيحة قرة ان ظاهرة حجب ميراث الابناء الذين يتوفى والدهم في حياة ابناء آخرين للجد المذكور ظاهرة موجودة مشيرا الى ان الواقع في دولة الامارات فجر ظاهرة خطيرة من شأنها لو تكررت لادت الى تشريد وضياع بعض النشء من المواطنين والمواطنات. واشار الباحث الى ان وقائع هذه المشكلة بدأت من خلال احدى القضايا التي طرحت على بساط البحث امام المحاكم بامارة دبي وما نتج عن الحكم الصادر فيها من اثار خطيرة من شأنها لو تكررت لهزت كيان الاسرة التي هي عماد المجتمع ولبنته الاساسية. وقال المستشار فتيحة قرة ان القضايا المطروحة في ساحات المحاكم هي المرآة الصادقة للواقع الحي الملموس الذي يدور في المجتمع وان القاضى وهو يحكم انما يعبر عن ضمير الجماعة في اي مجتمع من المجتمعات بأمر من ولي الامر, فاذا ما وجد ما يهدر كيان الاسرة ويقوض اركانها كان لزاما عليه ان يفصح عما يلحظه وإلا ارتكب في حق نفسه وحق المجتمع جريمة انكار العدالة. واضاف ان وقائع القضية التي فجرت الظاهرة تكشفت اثناء اقامة احدى الزوجات دعواها على اشقاء زوجها المتوفى ووالدته بطلب الحكم بالزامهم بتمكينها من حضانة ولديها واعمارهما (8, 9 سنوات) وبالزامهم بالنفقة الشهرية للولدين لجميع لوازمهما. وتوفير مسكن ملائم لها وللصغيرين وتسليمها جوازي سفرهما. وقالت المدعية بأنها كانت زوجة بصحيح العقد الشرعي لشقيق المدعى عليهم وانها بعد وفاة زوجها قام المدعى عليهم بطردها من مسكن الزوجية ومنع ولديها عنها رغم انه قد قضي لصالحها بموجب اتفاق الصلح الصادر من المحكمة بينها وبين زوجها وبين والد زوجها المتوفى وذلك باقامتها وولديها في منزل الاخير (الجد) مع تولي الانفاق عليها وعلى ابنائها وقد استمرهذا الوضع لحين وفاة الجد حيث تم حجب كل الامتيازات عن الزوجة وابنائها الامر الذي ادى لرفع قضية على ابناء الجد وقد قضت محكمة اولى درجة بدبي برفض دعوى الزوجة لعدم الثبوت, فاستأنفت ذلك الحكم مستندة الى حكم الصلح المشار اليه والذي ينص على بقاء الزوجة كحاضنة وولديها بمنزل والدهما المتوفى مع تعهد والد زوجها قبل وفاته بالانفاق عليهم. وقضت المحكمة بتمكين الزوجة من حضانتها لولديها ومنع تعرض اشقاء زوجها. ورفضت المحكمة طلب نفقة الصغيرين وتوفير المسكن الملائم والمستقل لها ولولديها استنادا للفقه المالكي الواجب التطبيق على واقعة النزاع والتي تشتمل على ان نفقة الصغير او الصغيرة الفقيرين واجبة على ابيهما شرعا دون غيره من الاقارب لا يشاركه فيها احد وان عناصر تلك النفقة تشمل المأكل والملبس والمسكن وتعد نفقة سكن الصغير او توفيره لحضانتهما من عناصر تلك النفقة ويسرى عليها حكم وجوبها من عدمه على من يلتزم بها. ويتوجب على الابناء الكبار في فقه المالكية نفقة زوجة الاب ونفقة من يلتزم الاب بالانفاق عليه كأبنائه الصغار. وأوضح الباحث ان فقه المذهب المالكي رقم (7) المعمول به في دولة الامارات قد واجه حالة الوصية بنصيب الابن او ما يسمى (بالتنزيل) مأخوذ من قول الموصي (قد نزلته منزلة احد ابنائي, او قوله (نزلوه منزلة احدهم) ومثال ذلك قول الجد في وصيته (ابن ابني فلان نزلوه او نزلته منزلة ابيه لو كان حيا. فإن الحالة المماثلة والتي نجمت عن القضية المطروحة مع عدم وجود وصية من الجد لابن ابنه الذي توفي في حياته وبنت الابن الذي توفي ابوها في حياة جدها, لم تحظ باهتمام فقه المذهب ومن ثم بات لزاما طرح هذه القضية على بساط البحث. وقال الباحث ان اولياء الامور والمؤسسات الاجتماعية في الامارات سعوا لحماية الاطفال وابناء هذا المجتمع بحكم انهم مستقبل هذا الوطن ومن ثم وجب البحث من مخرج تشريعي فقهي لحل هذه القضية سواء بالاطلاع على آراء مذاهب اخرى غير الفقه المالكي حماية لاركان هذا المجتمع وإلا سيكون هناك فجوة تشريعية واختلافا فقهيا واضحا يؤدي الى خلل ارثي واضح واشار الباحث الى ان القول الارجح ان الوصية فرضت على كل من ترك مالا للوالدين والاقربين غير الوارثين واذا لم يفعل في حياته استوجب فرضها في ماله بعد موته بالقدر الذي يراه الموصي او الورثة. واضاف الباحث ان وجوب الوصية للاقربين غير الوارثين ضروري عند جمع كبير من الفقهاء التابعين ومن بعدهم من ائمة الفقه والحديث حيث استدلوا على ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة (كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) وفي بيان وجه الاستدلال بالآية قال الامام الجصاص في كتابه (احكام القرآن) ودلالة الاية ظاهرة في ايجاب الوصية وتأكيد فرضها وعند هؤلاء العلماء ان هذه الاية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب على الوارث لأنها بعمومها تدل على وجوب الوصية للقريب مطلقا وارثا كان او غير وارث وترك العمل بها في حق القريب الوارث. وازاء ما تقدم فإن هناك من الفقهاء والمحدثين من يقول بعدم النسخ في الاية بالنسبة للقريب غير الوارث ويذهب الى بقاء الحكم في وجوب الوصية له, وفي ذلك تحقيق مصالح لكثير من الناس وابقاء حسن الصلات بين الاسر والقضاء على ما قد يتولد في نفوس افرادها من حقد وبغضاء اذا لم يشاركوا في الميراث وتعويض لاولاد الأولاد عما فاتهم بسبب موت ابيهم أو امهم. ومن اجل ذلك فإنه يتعين الاخذ بهذا الرأي وهو ما ذهب اليه دول اسلامية عربية حيث اوجبت الوصية لأولاد الاولاد بقانون يطبق منذ زمن ليس بالقليل اعتمادا على الرأي المذكور وعلى ما ذهب اليه ابن حزم الظاهري من ان الموروث اذا مات ولم يوص للاقارب غير الوارثين قام القاضي مقامه بإعطاء جزء من تركته لهم على ان الوصية لهم من مال المورث. والجدير بالذكر ان الاحكام الواجبة في القانون مجتمعة تمثل حكما لمسألة من مسائل تقسيم التركات لا يتجافى مع الاصول العامة في التشريع الاسلامي لانها ليست ميراثا محصنا وليست وصية خالصة فهي تشبه الميراث من وجوه وتخالفه من وجوه ولها بعض خصائص الوصية وهي تشبه الميراث في انها توجد وان لم ينشئها المتوفي والوصية الاختيارية لا توجد إلا بانشاء الموصي حيث انها لا تحتاج الى قبول ولو كانت وصية خالصة لتوقفت على القبول شأن الوصية المعينة وفي انها لا ترتد بالرد بخلاف الوصية ويمكن تقسيمها قسمة الميراث. وقال الباحث ان على الجهات المسئولة التعجيل باصدار تشريع يعالج هذا الامر كما حدث بالنسبة لقانون تحديد المهور وكذلك قانون انشاء صندوق الزواج باصدار اجراءات عاجلة تحكم هذه المسألة. كتب ـ خالد بن هويدي