عند قراءة المرء لتضاريس خريطة تطوير التعليم تبرز امامه مساعي التوسع الكمي والتطور النوعي ويبدو التفاوت بينهما واضحا جليا, ويدرك بكل بساطة مساحة التفاوت بينهما, اذ يجد اننا قد بلغنا في مجال التوسع الكمي مالم، نبلغه في مجال التطوير النوعي, وتنتابه الدهشة والاستغراب لمساحة الفجوة التي تفصل بينهما, ويدرك بالتالي اننا امام قضية غاية في الاهمية نظرا لما تحمله من خطورة الامر الذي يدعونا لمراجعة حساباتنا وخططنا وتوجيهها لتضيق هذه الفجوة الى اقصى حد ممكن حتى يكون لخدماتنا التعليمية معابر سالكة نحو اهدافها. واغلب الظن ان هذا التوسع الكمي في التعليم مقارنة بالتطور النوعي, قد حدث بصورة عشوائية بعيدا عن الدراسات والخطط وكان نتيجة عوامل اخرى تأتي في مقدمتها تقليد الآخرين والتفاخر بكثرة عدد المتعلمين والتي لم تعد على الاطلاق معيارا للدلالة على رقي المجتمع وتطوره, والا لما كان هذا البون الشاسع بين التوسع الكمي والتطور النوعي في التعليم. ومما لاشك فيه ان هذا التوسع الكمي الذي تقدم على التطور النوعي تقدما مضطردا قد حدث على حساب النوعية الامر الذي يجعل مهمة تحقيق التوازن بينهما امرا ليس سهل المنال. وفي ظل هذا الواقع نجد الاصوات تتواصل منادية بتحسين نوعية التعليم ومواجهة تدني مستواه وهذه في اعتقادي اصوات صادقة ومدفوعة بدوافع وطنية مخلصة, ولكن ما يعرقل جهودها يتمثل في عدم اعتماد الدراسات ونتائجها كموجهات لجهودهم المبذولة في اتجاه تطوير نوعية التعليم وبالتالي تجسير الهوة بين الكم والنوع وتحقيق التوازن المعقول بينهما. ولعل من اسباب ذلك ايضا عدم وضوح مفهوم النوعية ومتطلباتها او لان مفهومها ليس واضحا الوضوح الكافي الامر الذي يتيح الفرصة لمجموعة من التساؤلات التي تملأ الافواه فهل نعني بالنوعية كم المعلومات التي يقوم المتعلم بتخزينها في الذاكرة؟ ام ان المقصود بها قدرة المتعلم على توظيف المعلومات التي يحصلها في حياته لتساعده في مواجهة ما يتعرض حياته من مشكلات, وبالتالي تمكينه من اختيار السلوك المناسب لذلك؟ اما اذا كان تطوير التوعية يعني تبني طرق واساليب تعليمية جديدة ومتطورة وتدريس مواد بمقدورها صياغة المواطن الصالح الذي يتسلح بقيم امته ومثلها, ويمارس عاداتها الاصيلة فان الواقع يشير بوضوح الى بعدنا عن تطوير النوعية بدليل مانشاهده على ارض الواقع من ممارسات للمتعلمين. من هنا يمكن القول ان اي تعليم او تحصيل دراسي لايؤدي بالنتيجة الى تغيير سلوك المتعلم نحو الافضل قياسا على ما يسود المجتمع من قيم هو تعليم لا فائدة ترتجى منه ذلك لافتقاده الى المضمون فالمعلومات والمعارف ليست هدفا بحد ذاتها بقدر ماهي وسيلة تقود الى اكتساب مفاهيم ومهارات عقلية وعملية ومثل وقيم وعادات كلها تتفق وما نؤمن به وبالتالي يكون توظيفها في الحياة العملية امرا ممكنا. واذا لم نتمكن من تحقيق ذلك وفي اسرع وقت ممكن تظل وظيفة التعليم محصورة في اضافة بطالة متعلمة الى اخرى.