وفي كلمته التي القاها خلال الحفل اكد فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي ان هذه الجائزة التي حصل عليها من فضل الله تبارك وتعالى عليه (ومن نعم الله التي لا احصيها واحسانه الذي صحبني طوال حياتي فهو الذي منح واعطى وهو الذي وفق وهدى) وقال: (ان هذه الجائزة وامثالها مما يكافأ به الانسان من الناس في الدنيا وتعتبر من عاجل بشرى المؤمن في دنياه وتعبر عن ثقة اخواني المسلمين بي خصوصا اهل العلم والفضل منهم), مشيرا الى ان التكريم هو (تكريم لتيار الوسطية الاسلامية الذي امثله واتبناه وادعو اليه والدفاع عنه وازاحة العقبات من طريقة). ونوه فضيلته الى ان الامة لا تنهض ولا ترقى ولا تسعد الا بحفظ القرآن مع حسن الفهم والفقه وحسن العمل والتطبيق. (احييكم ايها الاخوة الكرام بتحية الاسلام, فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, واهنئكم في هذه الليلة المباركة التي نستقبل فيها العشر الاواخر من رمضان بما وفقكم الله اليه من حسن الصيام والقيام, واسأله تعالى ان يجعل حظنا من هذا الشهر الكريم الرحمة والمغفرة والعتق من النار, وان يجعلنا ممن صامه وقامه ايمانا واحتسابا فغفر له ما تقدم من ذنبه. واهنئ ابنائي الفائزين في المسابقة الدولية للقرآن الكريم داعيا الله تعالى ان يجعلهم من أهل القرآن حقا حفظا وعلما وعملا فقد جاء في الحديث (ان لله اهلين وخاصة قالوا من هم يارسول الله؟ قال: اهل القرآن هم اهل الله وخاصته). فهذا مقام الحمد والشكر لله جل ثناؤه وتباركت اسماؤه فهو الذي خلق فسوى, والذي قدر فهدى, والذي اعطى فأجزل والذي وفق فأجمل, ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك لك, فلك الحمد ولك الشكر, اللهم انا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب اليك, ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك, ونخلع ونترك من يفجرك اللهم اياك نعبد, ولك نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد, نرجو رحمتك ونخشى عذابك حقق لنا ما نرجوه, وامنا مما نخشاه. واناجي ربي هنا بما ناجى به سليمان ربه حين سمع النملة تخاطب اخواتها: (فتبسم ضاحكا من قولها وقال: رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين) النمل: 19. وبعد الشكر لله تعالى واهب النعم كلها (وما بكم من نعمة فمن الله) النحل: 53 اشكر لمن كان سببا وواسطة في وصول هذه النعم الينا من خلقه, وقد علمنا رسولنا الكريم, صاحب الخلق العظيم, ان نشكر لكل من اسدى الينا معروفا, فقال صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لايشكر الناس) رواه احمد, وقال: (من اسدى اليكم معروفا فكافئوه, فان لم تجدوا فادعوا له, حتى تعلموا ان قد كافأتموه) رواه ابو داود والنسائي وابن حبان, وقال: (من صنع اليه معروف فقال لفاعله: (جزاك الله خيرا, فقد ابلغ في الثناء) رواه الترمذي. واني لايسعني الا ان اشكر للاخوة الاحبة الذين احسنوا الظن بي, فرشحوني لهذه الجائزة الاسلامية العالمية الجليلة, التي اعتز بها لا لمقدارها المادي, بل لما تمثله من معنى ادبي, ومضمون اجتماعي. كما اشكر لمن رصد هذه الجائزة الكبرى ورعاها وهي تتويج لجملة جوائز لحفظة كتاب الله عز وجل, اشكر للأخ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, ولي عهد دبي, ووزير دفاع دولة الامارات العربية المتحدة والذي يلمس فيه كل من يتابع نشاطه المتنوع على مختلف الاصعدة انه جمع بين رقة الشاعر, شجاعة المقاتل, وعقلية المخطط, وحنكة السياسي وروح المصلح والتزام المسلم والذي اسأل الله تعالى ان يسدد خطاه وينور طريقه, ويهديه للتي هي اقوم, وان يعزه بالاسلام, ويعز به الاسلام, ويجزيه واخوانه الاكرمين في امارة دبي وفي دولة الامارات العربية المتحدة ــ عنا وعن الاسلام والمسلمين ــ خير الجزاء وان يوفقهم لما يحب ويرضى من الاقوال والاعمال والنيات. شعوري عقب اعلان الجائزة ولقد سألني عدد من الصحفيين عن شعوري بعد الاعلان عن الجائزة فقلت لهم: اولا: اشعر ان هذه الجائزة واخواتها من قبل من فضل الله تبارك وتعالى علي ونعمه التي لا احصيها واحسانه الذي صحبني طوال حياتي فهو الذي منح واعطى وهوالذي وفق وهدى وهو الذي يسر وقضى فالخير كله منه, والفضل كله اليه والتوفيق كله به فله الحمد, وله الشكر وله الفضل والمنة وكما قال الشاعر: اذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وكما قال سيدنا شعيب: (وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب) هود: 88. فلا غرو ان يفرح المرء بفضل الله تعالى عليه, ورحمته به وتوفيقه له, كما قال تعالى لرسوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) يونس: 58. ثانيا: ان هذه الجائزة وامثالها مما يكافأ به الانسان من الناس في الدنيا تعتبر من (عاجل بشرى المؤمن) في دنياه, فقد روى مسلم عن ابي ذر رضى الله عنه انه قال: يا رسول الله: الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به قال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) وهو يشير الى قول الله تعالى في شأن المؤمنين (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) يونس: 64 واني لأرجو من الله ألا يكون نصيبي في الدنيا وحدها, وادعوه ان اكون ممن قال الله فيهم: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) آل عمران: 148. ثالثا: اشعر بأن هذه الجائزة تعبر عن ثقة اخواني المسلمين بي ــ وخصوصا اهل العلم والفضل منهم وحسن ظنهم بي وهذه نعمة لا تقدر بثمن. وان هذه الثقة الغالية تزيدني شعورا بثقل المسئولية علي فان ثقة المسلمين بي وتقديرهم لجهدي المتواضع يطوق عنقي ويلزمني المزيد من العطاء والوقوف مع الحق فكل نعمة تستوجب شكرا وان كان الشكر ذاته نعمة تستحق شكرا جديدا كما قال الشاعر المؤمن: لك الحمد مولانا على كل نعمة ومن جملة النعماء قولي: لك الحمد! وشكر هذه النعمة ان اقول ما قاله سيدنا موسى عليه السلام: (رب بما انعمت علي فلن اكون ظهيرا للمجرمين) القصص: 17. ايها الاخوة الكرام: اجل, إني لاشعر والله بالعجز كل العجز عن الوفاء ببعض حق ربي علي ولو اني سجدت على الجمر, فهو وحده صاحب المنة. من كان يظن ــ لولا فضل الله تعالى وتوفيقه ــ ان هذا الصبي الذي نشأ في قرية ريفية من قرى مصر, وفي ظل اسرة مستورة رقيقة الحال, وقد مات ابوه وهو في الثانية من عمره فاجتمعت عليه اسباب الضعف: ضعف القروية وضعف الفقر, وضعف اليتم من كان يظن ان هذا الصبي القروي الفقير اليتيم سيصبح في يوم ما (الشخصية الاسلامية العالمية) ويحتفي به الامراء والكبراء والوزراء ووجوه الناس. من كان يظن ذلك لولا فضل الله عز وجل الذي يهبه لمن يشاء من عباده, كما قال تعالى: (قل ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء, والله واسع عليم. يختص برحمته من يشاء, والله ذو الفضل العظيم) ال عمران: 73, 74. ولقد حدثتكم ايها الاخوة منذ ثلاث سنوات في مناسبة تكريم شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي عن اول جائزة حصلت عليها في حياتي وهي جائزة احفظ صبي للقرآن في مديرية الغربية, وكان مقدارها جنيها مصريا وربعا, 125 قرشا وقد اخذ محفظي للقرآن ربع الجنيه واخذت انا الجنيه! وكان ثروة كبيرة لي في ذلك الوقت. اما اول احتفال تكريمي اقيم لي, فقد كان في كتاب الشيخ حامد, حين ختمت القرآن الكريم, وانا دون العاشرة, وكان الحضور هم تلاميذ الكتاب وبعض الاقارب وبعض مشايخ القرية وقرائها وقد كتبت اللوح الاخير من سورة الضحى الى سورة الناس, وتلوته على الحضور سورة سورة, وبعد ختام كل سورة اقول: لا اله الا الله, والله اكبر ولله الحمد يرددها معي تلاميذ الكتاب والحضور جميعا بصوت ملحن مؤثر وبعد ذلك وزعت اكواب الشربات, والحلوى واطلقت النساء الزغاريد واصبحت بعد ذلك في نظر اهل القرية (الشيخ يوسف). أذكر فضل كل ذي فضل: واسمحوا لي ايها السادة ان اذكر في هذا المقام كل من كان له فضل علي في مسيرتي الطويلة حتى وصلت الى هذا اليوم المشهود. اذكر اول ما اذكر والدتي ــ رحمها الله ــ التي كانت اول من دفعني وصحبني الى الكتاب وانا في الخامسة من عمري. اذكر عمي أحمد, الذي كفلني بعد موت أبي وأنا رضيع في الثانية من عمري, فكان لي خيرا من كثير من الآباء لأبنائهم, وكان يعاملني كما يعامل أولاده, بل أفضل, وكنت أناديه دائما: يا أبي. اذكر أبناء عمي الذين كانوا لي افضل من كثير من الاخوة لاخوانهم, وكانوا لا يدخرون وسعا لمساعدتي حتى أكمل مشواري في الازهر. اذكر خالي عبدالحميد الذي كان يعتز بي, ويملأ نفسي بالامل والطموح. أذكر جدتي وخالاتي اللاتي كن أمهات لي بعد أمي التي لقيت ربها وأنا في الخامسة عشر من عمري. اذكر اقاربي الذين اعطوني من حبهم ما نسيت به يتمي المبكر. اذكر الشيخ حامد أبو زويل معلمي في الكتاب, ومحفظي للقرآن, الذي كان يعاملني معاملة خاصة, ويسامحني اذا عجزت عن دفع نصف القرش الاسبوعي. اذكر ابناء قريتي صفط تراب الذين احبوني وشيخوني منذ صباي, وقدموني لأصلي بهم اماما في مسجد (المتولي). اذكر مشايخي في الازهر, الذين تعلمت على أيديهم علوم الدين واللغة, والذين لم يضيقوا ذرعا بالفتى الذي يكثر النقاش, ولا يمل السؤال. اذكر مشايخي في جماعة الاخوان المسلمين, الذين وسعوا آفاقي, وعمقوا اهدافي, ونقلوني من تدين القرية الفردي, الى دعوة الاسلام العالمية, فحددت غايتي, وعرفت طريقي, وعرفت أمتي الكبرى, واهتممت بقضاياها, وعشت همومها. اذكر اخواني وابنائي في قطر, التي قضيت في رحابها اكثر سني عمري, واخصب ايامها وانضجها, واصبحت لي وطنا ثانيا, وغدا أهلها أهلي. اذكر اخوتي من أبناء الخليج العربي, الذين فتحوا لي صدورهم وعقولهم, وها هم اليوم يكرمونني, وأنا واحد منهم. اذكر اسرتي الصغيرة: زوجتي وأبنائي وبناتي, الذين طالما جرت على حقوقهم الخاصة, لاشتغالي بهموم الأمة العامة, وأسألهم ان يسامحوني فيما قصرت في شأنهم. اذكر اخواني واخواتي, وابنائي وبناتي, من المسلمين والمسلمات, في العالم الاسلامي وخارجه, من قراء مقالاتي وكتبي, ومستمعي محاضراتي وخطبي, ومشاهدي برامجي الفضائية, الذين غمروني بعواطفهم, و طوقوا عنقي بهذه الكلمة النفيسة, التي اعتبرها نعمة كبرى لا أقدر على شكرها, وهي كلمة (نحبك في الله). اما الفئة القليلة التي حاولت في المدة الأخيرة ان تقذفني بالحجارة من يمين وشمال, وأن تشوش على مسيرتي, فلا يسعني الا أن ادعو الله لهم ان يهدينا واياهم, ويصلح بالنا وبالهم, وقد قالوا قديما: رضا الناس غاية لا تدرك, وقال الشاعر: ومن في الناس يرضي كل نفس وبين هوى النفوس مدى بعيد؟ وفي الآثار الاسرائيلية: ان موسى سأل ربه فقال: يا رب, كف عني ألسنة الناس! فقال: يا موسى, ذلك شيء لم أختصه لنفسي, فكيف أجعله لك؟! وفي الحديث القدسي: (كذبني ابن آدم, ولم يكن له ذلك, وشتمني ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه اياي, فزعم أني لا أقدر ان أعيده كما كان, واما شتمه اياي, فقوله: لي ولد!, فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا) رواه البخاري عن ابن عباس. وقد أوذي الامام احمد وادخل السجن, واصابه ما أصابه من فتنة (خلق القرآن) المعروفة, فلما انكشفت المحنة, وسألوه عمن آذوه, فسامح فيما كان من حقه هو, لا ما كان من حق الله عز وجل, وقال كلمته المعبرة: ماذا ينفعك أن يدخل أخوك النار؟ فهو يريد أن يسامحهم حتى لا يدخلوا النار بسببه. وقال الامام الشافعي: عداتي لهم على فضل ومنة فلا باعد الرحمن عني الاعاديا فهم بحثوا عن زلاتي فاجتنبتها وهم نافسوني, فارتكبت المعاليا وقد نشأت في رحاب دعوة كان مؤسسها حسن البنا عليه رحمة الله يدعو الى الحب, ويقول: سنقاتل الناس بالحب! واريد أن اؤكد هنا أنه ليس في حياتي ولا في قلبي متسع للضغائن والاحقاد على المسلمين, ولا اشغل نفسي بمعاداة مسلم, وان خالفني في الاتجاه او في الرأي, فأنا مشغول القلب والفكر والجهد والوقت, باعداء الدين, وأعداء الأمة, وما أكثرهم. اما قومي, فهم مني وأنا منهم, وما أنا معهم إلا كما قال الشاعر: قومي هم قتلوا أميم اخي فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا ولئن رميت لأوهنن عظمي ولكني اعفو ان شاء الله واصفح, كما انزل الله في شأن ابي بكر حين آلى ألا يعطي بعض اقاربه الذين خاضوا في حديث الافك, ومسوا بألسنة السوء ابنته عائشة أم المؤمنين, فأنزل الله تعالى قوله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله, وليعفوا وليصفحوا, ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) النور: 22 وانا متصدق بعرضي على من آذاني من المسلمين, يغفر الله لي ولهم, وادعو بدعاء التابعين الذين جاءوا من بعد المهاجرين والانصار يقولون: (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا, ربنا إنك رؤوف رحيم) الحشر 10. الا ما كان من حق الله تعالى, وحق الاسلام, فليس من شأني أن اسامح فيه, فمن كان يعمل لحساب خصوم الاسلام, فاني استعدي عليه سهام القدر, ودعاء السحر, وكل اشعث اغبر لو اقسم على الله لأبره. أشواك محببة في الطريق: ايها الاخوة الاحبة: لا اريد ان اشغلكم بمسيرتي خلال ثلاثة ارباع قرن. ولكني أريد ان اعطي بعض الملامح لشبابنا الصاعد الذين يريد بعضهم الحياة وردا بلا شوك. لعله يجد فيها اسوة تتبع, او عبرة تلتمس. لقد كانت المسيرة في عقودها الاولى صعبة, ولكن الله ذللها, عسيرة ولكن الله يسرها, ضنكة, ولكن الله وسعها. أذكر اننا ونحن طلاب في المعهد الديني بمدينة طنطا, كثيرا ما كانت تنفد منا النقود, قبل أوانها المحدود, فنعيش على الخبز والملح أياما. وفي مرة من المرات نفد الخبز نفسه, ولم يبق من (الزوادة) الا (الفرافيت). فظللنا نأكل منها أياما, وكنا مجموعة نسكن متجاورين, وكلنا عاش على هذه الفرافيت, واذكر اني بعد ان اعرت الى قطر بعدة سنوات, ارسل الي احد هؤلاء الاخوة, يريد ان يستعين بي ليتعاقد في الخليج, ويقول لي: أنسيت ايام الفرافيت؟ وكثيرا ما كنا نقطع الطريق من طنطا الى قريتنا مشاة على أقدامنا. اذ لا نجد قرشين نركب بهما القطار أو الاوتوبيس, وكانت المسافة أكثر من عشرين كيلو مترا, وكنا نحمل سلة فيها ملابسنا, ولكن لم نكن نحس بأي تعب, وخصوصا اننا عائدون إلى أهلنا. لم تكن الطريق مفروشة بالأزهار والرياحين, بل كانت مفروشة بالاشواك, ولكن المهم أن معاناة هذه الأشواك لم تكن تجرح, وان جرحت كان جرحها غير مؤلم, فقد كانت محببة الى النفس, ولم أضق بها صدرا, ووجدت في هذه المعاناة لذة, وفي مرارة الابتلاء حلاوة, وعرفت من قراءاتي الادبية ان هذا هو الطريق الى العلا, وكان مما نحفظه في عهد الصبا: بقدر الجد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي ومن طلب العلا من غير كد اضاع العمر في طلب المحال ولقد يسر الله علينا كثيرا مما كان عسيرا على من قبلنا, فقد كان أحدهم يسير الليالي والايام في طلب الحديث الواحد, ويرحل من بلد الى بلد, ليطلب العلم من أهله وشيوخه, والآن وفرت لنا المطابع هذه المتاعب, وستجد الأجيال القادمة العلم ايسر سبيلا من جيلنا, بما توفره الآليات الحديثة: الكمبيوتر والانترنت وغيرهما, فبلمسة من جهاز يجد ما ينشده أمامه مسطورا. ولا اخفي عليكم معاناة اخرى لم تكن في طلب العلم, ولكن كانت في سبيل الدعوة الى الاسلام, في زمن غربة الاسلام الذي يشكو الى الله ابناء عقوه, وانصاراً خذلوه, حتى اصبح هذا الدين غريبا في كثير من أوطانه, واصبح دعاته غرباء, ولا غرو ان يصطدموا في أحيان كثيرة بأصحاب السلطان , الذين اتخذوا (العلمانية) منهاجا لهم, وجعلوا (الغرب) قبلة لهم, ورفضوا شريعة الله حاكمة لهم (أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوما يوقنون) المائدة: 50 لقد كانت ثمرة هذا الصدام ألوانا من الأذى في المعتقلات والسجون, نحتسبها عند الله, ولا نمن بها على الله تعالى, ولا على أحد من عباده (بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ان كنتم صادقين) الحجرات: 17 مصارحة: واني ــ ايها السادة والسيدات ـ لأصدقكم القول: اني ــ والله ــ أعلم من نفسي علم اليقين أني لست أهلا للمنزلة التي أنزلتمونيها, ورقيتموني اليها اليوم, وأحفظ في هذا ما قال الرجل الرباني, ابن عطاء الله السكندري في حكمه: الناس يمدحونك لما يظنونه فيك, فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها. أجهل الناس من ترك يقين ما عنده, لظن ما عند الناس. وقال فضيلته اني لأنظر الى ما قدمت لديني ولأمتي, فأجد شيئا قليلا أو أقل من القليل. اجل والله اجده قليلا, وقليلا جدا بالنسبة لمستويات أخرى: بالنسبة لمستوى الدين العظيم الذي أكرمنا الله به, وأتم به النعمة علينا, وما يتطلبه منا من بذل وعطاء. وبالنسبة لما قدمه اسلافنا العظام لدينهم من الصحابة والتابعين لهم باحسان, ومن الائمة المتبوعين ومن رجال اعلام نذروا حياتهم لدينهم امثال الغزالي وابن عبدالسلام وابن تيمية وابن القيم. وبالنسبة لما قدمه رجال مسلمون في عصرنا, صدقوا ما عاهدوا الله عليه, فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا, منهم من قدم عنقه في سبيل الله الى حبل المشنقة, ومنهم من اغتيل في الطريق, ومنهم من عاش حياته معافى صابرا مصابرا مرابطا, في ايام سماها الحديث الشريف (ايام الصبر, القابض على دينه كقابض على الجمر). وبالنسبة لما يقدمه الآخرون لدينهم, فلقد رأينا اليهود يبذلون لدينهم, حتى أقاموا له دولة في قلب ديارنا تتحدى امتنا الكبرى, ورأينا النصارى يبذلون لدينهم حتى كانت لهم جيوش من المنصرين والمنصرات في انحاء العالم بلغت نحو اربعة ملايين وثلاثمئة ارباع المليون. تكريم لتيار الوسطية واني اؤكد هنا ما قلته في جوائز اخرى اكرمني الله بها, وهي اني اعتبر هذه الجائزة ليست مجرد تكريم لشخصي بل هي تكريم لتيار امثله واتبناه وادعو اليه, تيار نذرت فكري وجهدي, ولساني وقلمي للتعريف به, والدعوة اليه, والدفاع عنه, وازاحة العقبات من طريقه, ورد الشبهات والمفتريات عنه, انه التيار الذي عرف منذ مدة باسم (تيار الوسطية الاسلامية). وهو التيار الذي يعبر عن وسطية هذا الدين الذي سماه الله في كتابه (الصراط المستقيم) ويعبر عن وسطية هذه الامة التي زكاها الله تعالى بقوله (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) البقرة 143 وعن وسطية (الخلف العدول) الذين يحملون الى الاجيال علم النبوة, وميراث الرسالة, وهم الذين بشر بهم الحديث الشريف (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين, وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). وهو الذي روي عن علي كرم الله وجهه الوصية باتباع منهجه اذ قال: عليكم بالنمط الاوسط, الذي يلحق به التالي, ويرد اليه الغالي! وتتميز وسطية هذا التيار في موقفه المعتدل من قضايا كبيرة مهمة, جنح فيها الكثيرون الى الافراط او التفريط, ولكنه حرص دائما ان يكون كما امر الله تعالى في كتابه, حين قال (والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) الرحمن: 7 ـ 9 . فهذا هو موقفه الثابت في قضايا الفكر والعمل: لا طغيان ولا اخسار في الميزان, فهو وسط بين دعاة المذهبية الضيقة ودعاة اللا مذهبية المنفرطة. واضاف فضيلته ايها الاخوة الاحبة: قبل ان اختم كلمتي هذه اود ان اؤكد حقيقتين: اما الحقيقة الاولى: اننا نحن المسلمين ـ وحدنا ـ نملك الوثيقة السماوية الوحيدة التي تتضمن كلمات الله الهادية للبشرية محفوظة من كل تبديل او تحريف لفظي او معنوي, ممثلة في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, والذي تولى الله تعالى حفظه بنفسه, حتى اننا لنقرأه كما كان يقرأه الرسول واصحابه بحركاته وسكناته, وغنه ومده, ونكتبه كما كتبه الصحابة في زمن عثمان رضي الله عنه ونحن الليلة نحتفل بالحفاظ المتقنين له, ونكرمهم من اجله, ولا يوجد كتاب في العالم يحفظه الالوف وعشرات الالوف بل مئات الالوف غير القرآن الكريم. والحقيقة الثانية: اننا لا ننهض ولا نرقى ولا نسعد بحفظ القرآن وحده بل لابد مع حسن الحفظ, من حسن الفهم والفقه, وحسن العمل والتطبيق, ولقد كان الصحابة اقل حفظا للقرآن, حتى ان الذين جمعوا القرآن حفظا واستظهارا كانوا عددا محدودا ولكنهم كانوا (قرآنيين) في فكرهم وفي سلوكهم في عبادتهم وفي معاملاتهم. اقتداء برسولهم الكريم الذي وصفته ام المؤمنين عائشة فقالت: كان خلقه القرآن. يجب ان يكون القرآن منهاجا لحياة هذه الامة, فيحيي عقولها بالمعرفة, ويحيي قلوبها بالايمان, ويحيي انفسها بالعزيمة على الرشد, والثبات في الامر, واستباق الخيرات. وما اصدق ما قاله امام دار الهجرة مالك بن انس رضي الله عنه: لا يصلح آخر هذه الامة إلا بما صلح به اولها. ولم يصلح اولها إلا بالاهتداء بالقرآن, واتباع من انزل عليه القرآن (وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون) الانعام: 155 . واسمحوا لي هنا ان اتقدم باقتراح وهو: ألا تقتصر الجوائز على الحفاظ وحدهم, بل أرى ان تتسع لكل من يخدم القرآن وعلومه بمؤلفات قيمة اصيلة, تضيف الى العلم جديدا يقدره اهل العلم, فليس بالحفظ وحده يخدم القرآن. اضع هذا الاقتراح امام سمو الاخ الكبير الشيخ محمد بن راشد حفظه الله وسدد خطاه, وامام اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم, ليوضع تحت الدراسة, عسى ان يجد السبيل الى حيز التنفيذ. (سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين).