يعتقد الناس ان الرياضة بدعة حديثة ابتكرها الغرب, ثم تفنن في استخداماتها في بقاع العالم. اما الاسلام فهو دين الصلاة والصيام والجلوس في اروقة المساجد, وهو دين الترهل والخمول والكسل. اقول ان ديننا الحنيف فيه اوامر وفيه نواه, فالاوامر تروضنا على ممارسة العبادات والعادات الطيبة, والنواهي تروضنا على الكف عن المحارم والعادات الضارة بالعقل والنفس. اذن فان ديننا الحنيف هو دين التهذيب يدعونا الى بناء النفس بناء ايمانيا مطمئنا وبناء اجتماعيا سليما, وبناء عقليا متزنا, وبناء جسديا قويا, وبناء نفسيا صحيحا, وبناء جنسيا عفيفا. هذه البناءات تحتاج الى معلم مرشد, وتحتاج الى ممارسة مستمرة من المتعلم ومتابعة جادة من المعلم المرشد الذي اخذ بيده في المرة الاولى. وبما ان دين الاسلام يختلف عن الديانات الاخرى التي عرفت بطقوسها فانه دائم الممارسة والمتابعة لان اعماله اما عبادات يتعبد بها الانسان, فيؤديها كتابا موقوتا, واما سلوكات يتمسك بها المؤمن مثلها مثل العبادات التي يتعبد بها الا انه يثاب عليها ولا يعاقب على تركها مالم يترتب على تركه اثم بين. ثم ان المهم في الاسلام انه دين التربية والسلوك لذلك فانه يهتم بالطفل منذ ولادته حتى شيخوخته, وهو دين الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة. والاسلام ايضا دين الاعتدال, الا انه يلبي مطالب الروح والجسد معا؟ ومن هنا نقول انه يهتم بالرياضة عموما رياضة الفكر ورياضة النفس ورياضة الجسم. ومن حملة رياضاته فرضية الصوم التي جاءت في السنة الثانية من الهجرة اي بعد فرضية الصلاة, ففي الصوم حقيقة تجتمع رياضة النفس ورياضة الجسم, ولعلك تقول لي كيف ذلك؟ اقول لك انظر الى الصوم حيث انه امساك عن الطعام والشراب والكلام. بالله عليك هل هناك يصعب على الانسان مثل امتناعه عن الطعام والشراب والكلام؟ بالطبع لا, ولكننا نرى ان المسلم يمتنع عن هذه الثلاث في نهار رمضان, وطول شهر كامل, يفعل ذلك رغم انفه, ولماذا كان رغم انفه؟ لان ربه يريد ان يمتحنه ويكسر شهوته, فلو كان يوما واحدا لربما صام من غير ارغام, لكن عندما يستمر شهرا فان ذلك فيه مشقة, واي مشقة؟ قد يصادف رمضان فصل الصيف الحار, وقد يصادف انه في حاجة ان يطيل لسانه في جدال او خصام, ومع ذلك لايستطيع لان الصوم ألجمه بلجام من الايمان والاسلام والاحسان. اذن فان الصيام من ناحية ودعوته الى الاقلال من الاكل والشرب عند الافطار من ناحية اخرى لماذا؟ لان الله يريد ان يروض نفسه على الطاعة وعدم العصيان فبالطعام يرضي الشيطان الذي يأمره بأن يعصي الله. وبالصوم يرضي الرحمن الذي يأمره بأن يخالف النفس الامارة بالسوء. لم يكتف رب العالمين برياضة النهار التي كانت تكفه عن الطعام والشراب والكلام فدعاه الى رياضة الليل في رمضان ايضا. اذ ربما جوع نفسه في نهار رمضان ولكن عندما جاء الليل اسرف في الطعام والشراب والكلام فأفسد تلك الرياضة الجميلة التي مارسها بالنهار وعندئذ يكون كما قال الشاعر: متى يصلح البنيان يوما تمامه اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم لذلك نرى انه شرع له قيام الليل بالتراويح والتهجد, وقراءة القرآن والدعاء فما اجمل عبادة النهار عندما تلتقي بعبادة الليل. وبما ان النفس امارة بالسوء وقد اعتادت على المعاصي على امتداد احد عشر شهرا فانه ليس من السهل ان تقلع عن المعاصي بالسهولة واليسر, لذا لابد من مساعدته حتى يقدر على مقاومة الشر. وهذه المساعدة تجلت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (في رمضان تغلق ابواب النار وتفتح ابواب الجنة, وتصفد فيه الشياطين, قال وينادي فيه ملك: يا باغي الخير ابشر ويا باغي الشر اقصر حتى ينقضي رمضان) رواه احمد والنسائي. اقول ان هذا المفهوم تغير الآن بكل اسف, حيث اننا نرى الدول العربية تستعد لرمضان ببرامج خاصة فيها كل شيء الا ما اراده الله منا, فترى ليالي رمضان تستمر سهراته حتى الفجر لكن ليس على القرآن, وترى نهاره يقضيه بعض الناس في صوم لكن ليس الصوم الذي اراده الرحمن, وترى من يجاهر بمخالفة الله ايضا وكأنه يعيش في بلد غير اسلامي, وفي شهر غير رمضان. ترى ذلك واذا قلت شيئا قيل لك دع الخلق للخالق. نعم ادع الخلق للخالق, واشهد الله على ان الدين هو الدين نفسه الذي جاء به محمد بن عبدالله قبل 15 قرنا, لكننا لسنا اولئك الاصحاب الذين نزل عليهم هذا القرآن. اعود فأقول ان شهر رمضان صيدلية رياضية لو استغلها المسلم, ففيها علاج للمصاب بالمرض في جهازه الهضمي, وفيها علاج للمصاب بالمرض في الجهاز العصبي, وفيها علاج للمصاب بالمرض في جهازه العضلي. انظر الى الصلوات التي يؤديها المسلم في ليالي رمضان أليست رياضة لاعصابه وعضلاته. ثم انظر الى صومه بالنهار, أليس فيه حمية عن الطعام, والحمية رأس كل دواء, كما ان البطنة اصل كل داء. وانظر الى امساكه عن اللغو وهو صائم, أليس في ذلك راحة للجهاز التنفسي, بحباله الصوتية التي تقطعت من كثرة الكلام؟ هذه الفوائد العديدة تتجلى في العبادات التي فرضها الله علينا في اليوم والليلة والعجيب ان الناس ينظرون اليها بأنها تكاليف من غير فائدة فاذا ارادوا ان يمارسوا رياضة ذهبوا والتحقوا بالنوادي ودفعوا مبلغا من المال نظير اشتراكهم فيها . اقول يا سبحان الله. دواؤك فيك ولا تبصر وداؤك منك ولا تشعر وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ان الله يوجب على الفقير ان يشتري اجهزة الرياضة الغالية, فلو حافظ على صلواته وصيامه وكف عما نهى الله عنه لما احتاج الى طبيب ولا الى علاج ولا الى اجهزة. يقول الدكتور يوري نيكولا بيف مدير وحدة الصوم بمعهد الطب النفسي بموسكو سابقا: من خلال تعامله على مدى 30 عاما مع اكثر من عشرة الاف حالة صوم عن الطعام لاحظ ان اجهزة المناعة في الجسم كانت تنشط وتتحرك اثناء الصوم وتقضي على كثير من الامراض. ويقول الدكتور جاك فروموزاك وهو طبيب عالمي ان الصوم هو عملية غسيل للاحشاء فنحن نلاحظ في بداية الصوم ان لساننا قد اصبح مقسما ويتفصد العرق من جسمنا, وكثيرا ما يفرز مادته المخاطية, وكل هذا دليل على ان الجسم قد بدأ يقوم بعملية غسيل كاملة, ثم بعد ثلاثة او اربعة ايام يصبح نفسا لا رائحة له, وتنخفض نسبة الحمض البولي, ثم نشعر بخفة ونشاط وراحة. اقول وبخفة الجسم هذه كان الرسول واصحابه يغزون وهم صائمون, ولا يشكون من اعياء او تعب وصدق الله اذ يقول: (وان تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون). د. عارف الشيخ