التسول يأخذ اليوم أبعادا جديدة وطرقا مغايرة وعلم الاجتماع يؤكد أهمية الدراسة العلمية للظاهرة فربما تكون الحاجة وضيق ذات اليد او العجز الجسدي او العقلي دفعت بالانسان الى التسول, ولكن المتتبع لتلك الحالات، يجد أن الغالبية العظمى منها غير ذلك. فالعاجز قد يدفعه عجزه الى البحث عن عمل سعيا لاثبات ذاته وتأكيده أن عجزه لم يكن ذا تأثير أو تقليل من قدرته على العطاء. ومع حلول شهر رمضان يلاحظ تزايد تلك الظاهرة وانتشارها بشكل واسع في الاماكن العامة وأمام المساجد والتجمعات البشرية في محاولة من هؤلاء المتسولين لاستغلال فرصة الحصول على كثرة الصدقات في هذا الشهر الفضيل. والجمهور مدعو للتعاون مع السلطات المختصة للقضاء على هذه الظاهرة في مجتمعنا. وبالرغم من ملاحقة الجهات المختصة لهؤلاء ومعرفتهم بأن هناك جهات خيرية تقدم المساعدة للمحتاج الا ان الملاحظ وجود اصرار من هذه الفئة على التسول وذلك لما فيه من منافع مادية جمة دون عناء. (البيان) قامت برصد تلك الظاهرة مرة اخرى للوقوف على أسبابها والمساعدة في البحث عن الحلول اللازمة لها فقد تم رصد الظاهرة في تحقيق مشابه قبل رمضان للتحذير من تمادي هذه الفئة واستغلالها لهذا الشهر الفضيل. ذهبنا إلى أحد مواقعهم محاولين التقرب منهم والحديث معهم وكانت المفاجآت وجود عدد من النسوة في احد الشوارع شهدناهن من بعيد اقتربنا وكأننا نقدم لهن صدقة الى جانب عرض مساعدتهن فرفضن ذلك فالمساعدة الوحيدة اعطاؤهن المال. وعند سؤالهن عن سبب تواجدهن بهذه الطريقة كانت الاجابة ان الاولاد لا يجدون الطعام والشراب والكساء بسبب اصابة الاب بمرض مزمن أو وفاته لسبب من الأسباب. فالكذب واضح عليهن خاصة بعد عدم استجابتهن للمساعدة التي قدمناها في البداية فالهدف الأساسي الحصول على المال دون طلب مساعدة اخرى في الحصول على عمل شريف يمكن من خلاله الاستغناء عن هذه المهنة الوضيعة وليس أدل على كذبهم القيام بتغيير هواتفهن بمجرد ذهابنا خوفا من الابلاغ عنهن. موقع آخر وجدنا امرأة تبدو عليها الرشاقة والحيوية وكأنها تؤدي عملها باتقان ومهارة فائقة اقتربنا منها وحاولنا الحديث معها فأشارت بيدها الى انها بكماء لا تتكلم, ولكن لسان حالها يقول غير ذلك. فقد اكد احد المواطنين ان جاءته امرأتان وهو جالس بأحد المقاهي تتدعيان انهما لا يتكلمان ويطلبان صدقة ومساعدة فأعطاهما ما تجود به اليد وفي نفس اليوم وبينما هو يتبضع من أحد المراكز التجارية وجدهما يتحدثان سويا فأشارت احداهما الى الاخرى بالامتناع عن الحديث عندما شاهدته. أكاذيب ومسلسلات موقع ثالث وجدنا امرأة تجلس وقد جمعت حولها من الاطفال أربعة مدعية انها تسعى عليهم في سبيل تربيتهم فعرضنا عليها أن نذهب بها الى احدى الجهات الخيرية فرفضت متعللة أن هناك من ذهبن قبلها ولم يحصلن على شيء ولكن كان كذبها افصح من صدقها عندما اشارت الى ان هذا الوقت هو موسم بالنسبة لها مدعية ان هناك من يشاركها في هذا المال رافضة الادلاء بأي معلومات اخرى. مضايقات واحراج لقد أكد الحديث مع هؤلاء المتسولين ان الغالبية العظمى منهن تلجأ لهذه الطريقة في سبيل الحصول على المال والكسب دون بذل جهد أو تعب وخاصة ان حال البعض منهن يشير الى انه يتم استئجار النساء والاطفال للقيام بهذا الدور. لذلك اصبحت الحاجة ملحة وضرورية الى ملاحقتهم ومعرفة دوافعهم واسبابهم. عاطف سلام يقول لقد انتشرت ظاهرة التسول بشكل واضح فأصبح الانسان يجدهم أينما يكون وخاصة في الأماكن العامة وتكمن المشكلة فيما يسببونه من احراج ومضايقات مما يضطر بالإنسان الى اعطائهم مبلغا من المال للتخلص منهم. اما عبدالله احمد فيرى ان الاسلام يحثنا على العطاء والتصدق وعدم نهر الآخرين لكن ما يحدث ان يجد المرء هذه الشخصيات والوجوه أينما ذهب مما يؤكد على احترافها لهذا العمل لجمع اكبر قدر من المال فالمتسول المحتاج حقا قد يأتي مرة ويذهب لقضاء حاجته ولكن هؤلاء تجدهم اينما ذهبت وخاصة في شهر رمضان. محمد كامل يقول دائما نجد متسولين اثناء جلوسنا في احد المقاهي او المطعم او حتى اثناء السير في السوق يتوسلون الى الانسان لدفع بعض المال لهم بحجة انهم من مكان ما ولا يستطيعون العودة اليه حتى انه جاءتني امرأة ذات يوم تطلب مني ان اعطيها خمسين درهما من اجل الذهاب الى احدى امارات الدولة, بحجة انها لم تعد تملك من المال شيئا وتريد العودة الى اقربائها فاقترحت عليها أن تأخذ تاكسي وتحاسبه عند الوصول الى المكان الذي يعيش به اقرباؤها الا انها ثارت في وجهي قائلة الا تريد ان تتصدق من اجل مالك وصحتك فقدمت لها ما يمكن ان تجود به اليد ولكن اتضح انها تتحايل في اساليبها للحصول على المال بأي شكل. يسكن بأحد الفنادق ويتسول رضا مدكور يقول اصبح للتسول أنواع وحيل عديدة فبينما نحن نسير بأحد الشوارع استوقفني شخص من احدى الدول الشقيقة ادعى انه لم يعد يملك من المال شيئا وفي حاجة الى مبلغ ما للحصول على جواز سفره الذي يحتجزه الفندق من اجل دفع اجرة الاقامة به وعرض علينا اعطاءنا رقم هاتفه في دولته من اجل الاتصال به ووعدنا بأنه سوف يقوم باسترجاع هذا المبلغ فقمت بتسجيل هذا الرقم على هاتفي والاتصال به وهو جالس معنا فاذا به رقم خطأ وهنا اكتشفت حيلته في النصب والتسول, فكيف يسكن هذا الشخص بأحد الفنادق ولا يملك المال ولكنه يتخذ هذه الطريقة للحصول على اكبر قدر من المال, وهنا قام بالمغادرة معتذرا بأن رقم هاتفه في دولته لا يعمل, ربما ولكنها في النهاية محاولة للتسول بطريقة اكثر تطورا. عطاء الصدقة واجب ولكن لمن جلال مبروك يقول بالفعل تكثر هذه الايام ظاهرة التسول وخاصة في شهر رمضان ولكن الانسان بطبيعته وبفطرة الاسلام السمحة التي فطرنا عليها تدفعنا الى ان نقوم باعطاء هؤلاء صدقة ولا نسأل اذا كان هذا الشخص يستحقها أم لا لأن الله سبحانه وتعالى يكافئ الانسان على حسب نيته واخلاصه ولكن السؤال الذي يجب ان يطرح هو ضرورة توجيه هؤلاء المتسولين الى ان هناك جمعيات خيرية متخصصة في هذا المجال تعطي الصدقة لمن يستحقها وتساعد كل محتاج. لكن يظل عطاء الصدقة واجبا على كل مسلم وان كان يجب ان يعطيها لمن يستحقها قدر استطاعته. حيل جديدة رضا المنجي يقول للاسف الشديد اصبحت هذه المسألة ظاهرة توجد في كل مكان وليس امام المساجد او السوق وانما في الاماكن العامة وداخل المراكز التجارية فبينما نحن جالسين في احد المطاعم فاذا بشخص يضع امامك ورقة ومعها ميدالية أو بعض الألعاب الاخرى مكتوب على هذه الورقة ان هذا الشخص لا يسمع او مصاب بمرض ما وفي حاجة الى مساعدة. طريقة ذكية حيث يقوم بتوزيع تلك الاوراق على جميع الموجودين ثم يعود ليجمعها ويجمع معها المال ولكن كانت المفاجأة أن احد هؤلاء الاشخاص شوهد وهو يقود سيارة من افخم السيارات وأكد بعض الجالسين بالمطعم انه يسكن بمنطقة تعد من أرقى الأماكن. هنا يكمن السؤال كيف يعطى شخص مثل هذا صدقة لذلك نتمنى أن يتم ضبط كل تلك الحالات والنشر عنها بالصحف حتى تكون رادعا لكل من يفكر في القيام بمثل هذا العمل. التسول يصل الى البيوت أما علاء احمد يقول لم يعد التسول في الشارع او حتى الاماكن العامة فقط ولكنه وصل الى البيت ايضا فمنذ حوالي اسبوعين تقريبا دق جرس الباب وعندما ذهبت لكي افتح للطارق فاذا بامرأة ومعها ثلاثة اطفال تمد يدها تطلب المساعدة مدعية ان اطفالها في حاجة الى طعام وشراب وعندما سألتها لماذا أتت إلى هنا ادعت انها لا تتكلم وانها مصابة بالبكم ورغم انني قمت بمساعدتها الا انني تخوفت من مثل هذه الحالات فقد تكون مدفوعة بغرض السرقة او ارتكاب جريمة أو غيرها وهنا اقول ان الامر اصبح يحتاج الى وقفة وايجاد حل عاجل لمثل هذه الحالات نظرا لما تشكله من خطر على الجميع. حق الفقراء اذا كان المتسول يلجأ الى تنوع اساليبه واختلاف حيله الا انه يظل مستغلا في كل طرقه الشعور الديني لدى الناس وخاصة في ظل شريعة الدين الاسلامي السمحة التي تدعو إلى التكافل والتراحم بين الناس. ولمعرفة رأي الدين في قضية التسول اشار د. علي احمد مشاعل الى أن الدين الاسلامي دين كامل وشامل فعندما يعالج مشكلة كمشكلة التسول فانه يعالجها من كافة الجوانب حيث يقول المولى: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها...) في هذه الآية يحدد الله الفئات التي يجب ان تقدم لهم زكاة الأموال وتغنيهم عن السؤال. ففي الوقت الذي يوجب الاسلام الزكاة على الأغنياء يحض القادرين على الصدقات ويرغب المنفقين بمضاعفة الاجر والثواب نجد أن الاسلام في الوقت ذاته يمنع التسول والسؤال ويحرم ذلك الا في حالات الضرورة فقد بين عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الشريفة ان المساءلة لا تجوز الا لذي فقر مدقع أو غرم مفجع او دم موجع وان الذي يسأل من غير حاجة يأتي يوم القيامة وليس في وجهه لحم. فالتسول أمر يأباه الاسلام ويرفضه كل الرفض مع العلم ان كل مجتمعات الدنيا يكون بها فقراء ومساكين ولكن الدين الاسلامي يضع الحلول الكافية والشاملة فيؤكد على ضرورة اخراج الزكاة وحث على الصدقات والضمان والتكافل الاجتماعي لذا أوجب على المجتمع ان يوفي هؤلاء الفقراء حقوقهم حتى اذا كان ذلك من خزينة الدولة فهو حق مشروع لهم. الاسلام يحث على العمل ومنع التسول اذا كان الامر كذلك بالنسبة للسائلين فان المسئولين وهم كل شخص تمتد اليه يد السائل يجب عليهم ان يقدموا يد العطاء لمساعدة هذا المحتاج اذا اتضح انه بالفعل بحاجة الى مساعدة ولكن اذا كان عالما بكذبه مدركا انه يهدف الى جمع الاموال فعليه ان يقوم بتوجيهه واسداء النصح والارشاد اليه وبدعوته الى البحث عن عمل وتبيان خطورة مهنة التسول ومدى تحريم الاسلام لها واذا اختلط على الانسان الامر فلم يعد يدرك صدق السائل من كذبه فعليه ان يعطيه ولو قليلا فان كان محتاجا حقا كفاه ذلك القليل وان لم يكن صادق وليس بحاجة فلن يكون ذلك القليل مستحقا للاسف والندم. وفي اطار حث الاسلام على العمل يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه مر رجل شاب على النبي يحمل فأسه منطلقاً إلى عمله فقال أحد الصحابة لو كان هذا في سبيل الله فقال النبي عليه السلام ان كان خرج يسعى على ابوين كبيرين فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على صغار فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على نفسه فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى رياء وسمعة فهو في سبيل الشيطان. اذا كان الاسلام وضع الحل الشامل والعلاج اللازم لهذه القضية مثل غيرها من القضايا الا ان اصرار هؤلاء على التسول لاعتباره احد مصادر الدخل السريع والكسب دون عناء يحتاج الى متابعة واجراءات أمنية لملاحقتهم ووضع حد لانتشار تلك الظاهرة. المقدم خميس الزينة أكد قيام شرطة دبي باتخاذ الاجراءات اللازمة والمتعلقة بضبط هؤلاء المتسولين وخاصة في ظل زيادة اعدادهم بمناسبة شهر رمضان وبناء على تعليمات القائد العام لشرطة دبي فقد تم تشكيل فرق خاصة بمراكز الشرطة لمتابعة وملاحقة المتسولين وتتخذ بحقهم الاجراءات القانونية اللازمة. خاصة ان هذه الافعال دخيلة على مجتمعنا والغالبية العظمى ان لم تكن جميعها ليسوا من أبناء الدولة. وانما هم وافدون يقومون باستغلال صلة التراحم والتكافل والتسامح الذي نحياه في ظل الدين الاسلامي السمح مؤكدا ان الدولة لا تقصر في مثل هذه الحالات والتي يثبت بالفعل انها محتاجة حيث توجد بالامارات العديد من المؤسسات الخيرية والجمعيات المختصة التي تستطيع ان تقدم يد العون والمساعدة لكل محتاج حتى لو كان من خارج الدولة. وفي الوقت نفسه ادعو الاخوة المواطنين والمقيمين الى التعاون مع الجهات المختصة في توجيه هؤلاء المتسولين التوجيه الصحيح واسداء النصح والارشاد اليهم او الابلاغ عنهم لضبطهم وملاحقتهم قانونيا. اذا كان الدين الاسلامي قد حرم التسول والقانون نص على ملاحقة هؤلاء المتسولين فان علم الاجتماع والطب النفسي يؤكدان على ضرورة دراسة الظاهرة دراسة علمية ميدانية. ويؤكد الدكتور حسن اسماعيل عبيد استاذ علم الاجتماع والمستشار بصندوق الزواج ان القوانين تمنع التسول لاعتبارات اجتماعية وشرعية ومظهرية وخاصة في ظل تزايد تلك الاعداد في شهر رمضان. الا ان علم الاجتماع يدعو الى دراسة الظاهرة دراسة علمية للوقوف على الأسباب والدوافع الحقيقية لتلك الحالات سواء كانت اسبابا اجتماعية أو اقتصادية او حتى دوافع دينية, في الوقت نفسه ضرورة تفعيل دور الجمعيات والمؤسسات الخيرية من خلال دراساتها الميدانية وتحديث بياناتها للوصول الى الفقراء والمحتاجين في كل أرجاء الدولة. فالدراسات الاجتماعية تشير الى أن هناك فئة من المتسولين يمارسون هذا العمل غير عابئين بما هو حولهم من تأثيرات نفسية واجتماعية نتيجة لاصاباتهم بمرض الحرمان في الطفولة او مرحلة سنية ما, لذلك فالمتسول تولدت لديه غريزة مرضية تلح عليه دائما للقيام باشباع رغباته من حب الامتلاك والتعويض عن الحرمان الذي عاشه قبل ذلك وتأتي ممارسة بعض الناس لعملية السرقة من المحلات او غيرها مثل ظاهرة التسول ففي الوقت الذي يمارس فيه السرقة نجد انه يملك الكثير من المال لكنه لا يمارسه من اجل السرقة نفسها وانما لاشباع رغبات كامنة في عقله الباطني تلح عليه للقيام بمثل هذا العمل. لذلك تظهر اهمية الدراسة العلمية حتى لا يؤخذ بعض الفقراء والمحتاجين بجريمة غيرهم. كما ان البحث العلمي هو القادر على اعطاء مؤشرات حقيقية لمعرفة اسباب الظاهرة من كافة جوانبها من خلال التعرض لدراسة العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. فهناك كثير من الفقراء والمحتاجين يحول الحياء والخجل دون قيامهم بمثل هذا العمل رغم حاجتهم الشديدة الى المال. على العكس من ذلك نجد المتسولين الآخرين يمارسون هذا العمل غير عابئين بالحصول على المال ولكن الهدف هو اشباع رغباتهم نتيجة لاصابتهم بأمراض اجتماعية في الصغر.