أكد الدكتور ابراهيم الخولي استاذ اللغة العربية بجامعة الأزهر ان جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم مظهر كريم لعناية كبيرة مشيرا الى أن الأمة الاسلامية في أمن وخير اذا اعتصمت بكتاب الله وتحصنت به. وقال ان زيارتي للامارات جاءت على غير اعداد مني ولكن شاء الله ان أزورها حيث غيرت كثيرا من الصورة التي يريد الاعلام المغرض أن يرسخها في الأذهان. وقال ان الاعلام يخفي من جوهر هذه الأمة ما ينبغي ان يعلن هذا في الاعلام العادي أما في الاعلام المغرض فيشوه الصورة ويفسدها ويهيئ للمتربصين بالاسلام وبالمسلمين فرصا كاذبة, كانت الصورة التي قلت انها كادت تنطبع في نفسي أن الخليج وخاصة الشباب قد تأمرك وانسلخ من هويته الاسلامية والعربية لكن ما شاهدته على أرض الواقع غير هذه الصورة تماما قد يكون هناك من تأثر وتأمرك وقد تختلف الدرجة من بلد الى آخر لكن تبقى الصورة العامة مبشرة بخير كثير ناطقة بنقاء معدن هذه الأمة وأصالتها ورعاية الله لها. شدني أكثر ما شدني ما بدا من العناية بالشباب وما ظهر من حرص على ربطه بدينه وأمته وعلى حمايته من مضلات الفتن من غزو فكري واخلاقي سلبي وما شاهدته من عناية بالقرآن الكريم على كل المستويات وفي جميع الميادين أثلج صدري وطمأنني على مستقبل هذه الأمة فهي بخير ما اعتصمت بكتاب الله وتحصنت به في رد عاديات الزمن وشوائب الحياة, وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم مظهر كريم لعناية صادقة بكتاب الله واهتمام بأمره وأمر كل ما يتصل به وأنا أعد العناية بالقرآن الكريم سلبا وايجابا مؤشرا اساسيا يدلني على مدى تمسك هذا المجتمع او ذاك باسلامه ودينه واعتقد انه مؤشر لا يخطئ فقد خطط الاستعمار من زمن طويل لاحداث انفصام بين المسلمين وبين القرآن العظيم مصدر هدايتهم ومنبع توجيههم الى التي هي أقوم في هذه الحياة عقيدة وشريعة واخلاقا ومنهاج سلوك. وكان المخطط الاستعماري يوجه سهامه بالتحديد إلى منابع تحفيظ القرآن الكريم والى معاهد تعليم العربية وهو يدرك جيدا التلازم بين القرآن العظيم واللغة العربية فاذا كان القرآن مصدر التوجيه لهذه الأمة فاللغة العربية هي مفتاحه ومن هنا ندرك لماذا اهتمت المخططات الاستعمارية باغلاق الكتاتيب ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم وفي نفس الوقت وبنفس القدر اتجهت الى اضعاف اللغة العربية تدرجا الى القضاء عليها والدعوة الى العاميات وما اليها ومحاولات اقتحام الازهر الشريف بوضعه مؤسسة الاسلام الكبرى التي حملت رسالة الحفاظ على رسالة الاسلام من خلال العناية بالقرآن الكريم وعلومه وباللغة العربية وآدابها, وفي مذكرات سالون لويد الوزير البريطاني المختص بشئون المستعمرات كتب يقول وهو يتحدث عن مصر: ما يحول بين المصريين وبين التعامل مع الانجليز بروح التعاطف وتقبل الاستعمار هذا الازهر, هذا المعهد المتعصب وهكذا يصفه وأبناؤه وعلماؤه المتعصبون. واضح ان التعصب هنا في كلامه تمسك الازهر وعلمائه بدينهم ولغتهم ورفضهم أي محاولة للنيل منهم. وقال فيما وضع من مخطط لكي يبقى الاستعمار في هذا البلد ويتم هذا التعاون المنشود وهذا القبول من جانب المصريين لابد من تغيير هذا المعهد وهذا يقتضي خطة طويلة المدى وخطة عاجلة. ويقول الدكتور ابراهيم الخولي: اما الخطة بعيدة المدى فهي تطوير الازهر عن طريق اقتحامه من داخله, فاقتحامه من الخارج أمر مستحيل وهذا يعني ان يتم الاقتحام والتطوير في الاتجاه المنشود, ولكن لا بد من خطة عاجلة وهي اقامة تعليم مدني يزاحم التعليم الديني ويعطي كل الامكانيات في الوقت الذي يضيق فيه على الأزهر فيصبح امام خيار لا خيار فيه اما ان يتطور كما يراد له واما أن يموت. ويضيف الدكتور الخولي: ان كلمات من مثل الانغلاق والانفتاح كلمات هلامية يمكن ان تحمل النقيض والنقيض والعقل المسلم اوسع عقول البشر اتساعا فلم يؤثر بالتوجيه الديني عند أية أمة سوى أمة الاسلام مثل هذا التوجيه (اطلبوا العلم ولو بالصين) (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها) ومن يتأمل قصص القرآن الكريم وحديثه عن الأمم السابقة بل وحديثه عن الكفار الدهرية والملاحدة والمشركين بل والطاعنين على القرآن والاسلام يدرك مدى سعة العقل المسلم الذي يشكله هذا الكتاب, والمسلمون ضربوا المثل في هذا عندما سعوا إلى جلب مصادر ثقافات الأمم وعلومها الى البيئة الاسلامية ومن عصر عبدالمللك مرورا بالمأمون الى آخره كانت الساحة الاسلامية مليئة بتراث الأمم من فلسفات وعلوم عكف عليها المسلمون وهضموها ثم نقدوها ثم اضافوا إليها ابتكارات هي التي كانت عماد النهضة الاوروبية حين اقتبست من المسلمين ولم يشأ فليرجع الى كتب مثل (حضارة العرب) لجوستاف لويون, (تاريخ العلوم) لجورج سارتون, (شمس الله على الغرب) لهونكة واسماء ابن سينا والرزاي وجابر بن حيان وابن الهيثم تتردد في مراجع الغرب بأكثر مما تتردد في كتب المسلمين. واضاف حكاية الانغلاق أبعد تهمة واعظم فرية للاسلام او للمسلمين الذين يوجههم القرآن العظيم, لا ننكر أن هناك فئات مغلقة لكن نحن انفسنا نعتبرهم ونعدهم قد ابتعدوا بدرجة او بأخرى عن توجيه القرآن العظيم. اما الانفتاح فاذا كان المقصود به معرفة النافع والمفيد من علوم الآخرين ومن تجاربهم ومن مكتشفاتهم ومن تطبيقاتهم فهذا ما يدعو اليه الاسلام ويحض المسلمين عليه, لكن دعاة الانفتاح للاسف الشديد لا يتجهون الى هذا الجوهر النافع في حضارة الغرب وثقافتهم وانما يتجهون الى قشور والى افرازات فاسدة انتجتها هذه الحضارة وهي بمقاييس أهلها انفسهم ردة بالإنسان الى عصور الهمجية الأولى وسلخ للانسان من انسانيته. ويقول الدكتور الخولي: انني لا أشك ان هناك مخططا يستهدف تفريق الأمة ليكرس واقع تمزيقها وتمزيق دار الاسلام وتمزيق وحدة هذه الأمة التي كانت, هم يرون ان الأمة تتجه نحو التوحد و كل العوامل تسوقها سوقا وليس في عالمنا مكان للكيانات الصغيرة واذا لم يتوحد المسلمون فلن يكون هناك لهم مكان في هذا العالم. وليس يراد بالمسلمين ان يصبحوا قوة وهذا ما عليه كل المخططات وكل الفلسفات في الغرب المسيحي الذي غزته الصهيونية وفي تقديري ان هناك جزءا من هذا المخطط يتمثل في اثارة عوامل الفرقة بين المسلمين وتمزيقهم الى شيع وطرائق وفرق وهم يعرفون جيدا انه ليس هناك عامل يمكن اللعب من خلاله ليؤدي الى هذه النتيجة مثل عامل الدين, ليس مصادقة ان نجد التركيز الآن على الخلافيات وعلى نبش ما دفنه التاريخ من أسبابها وعواملها. وهنا تبدو المفارقة هائلة حين استخدم هذه الاجتهادات ولا اقول الاختلافات لتصبح منبعا لاثارة تنازع والشقاق الذي يذهب بروح هذه الأمة وقوتها ولقد حذرنا ربنا (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء). وانا لا اسيء الظن بهؤلاء الناس ولا أدخل في نواياهم والمخرج من هذا العودة الى الاصل والمنبع الذي حدده الله (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله ورسوله). والنبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاث من أصل الايمان ان نكف عمن قال لا اله الا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل). اذن كل من شهد الشهادتين وقال رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا فهو مسلم وليس لأحد ان يتسور على ضميره ولا ان ينقب عما في داخل نفسه, يقول صلى الله عليه وسلم (هلا شققت عن قلبه) وانا اسأل هؤلاء الذين يزعمون انهم الفرقة الناجية, من خولهم ان يكونوا حكاما وقضاة في نفس الوقت ومن أين لهم انهم هم الناجون, بل من اين لهم انهم على الهدى اكثر من غيرهم وشأن المسلم الحق ان ينظر إلى نفسه دائما أنه اقل المؤمنين تقوى وان غيره قد يكون افضل منه الف مرة في موازين الله وموازين الله شيء مختلف. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم مسلمين كامل الاسلام وكان التابعون مسلمين كامل الاسلام ولم يكن أحد منهم يحمل احدا منهم هذه التسميات ولم يعرفوا هذا التفرقة فلم لا نعود الى النبع وهو العمل بهذا الشعار (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). واشار الدكتور الخولي الى المسابقة القرآنية بقوله: حقيقة ما لمسناه من صدق وجدية وانا احمد الله على ذلك وادعو كل المشاركين والمتسابقين ان يتعلموا من تنظيم هذه المسابقة ومن جدية الاختيار والأمانة والمستوى العالي الذي لمسته سواء في لجنة التحكيم والطلاب المتسابقين. وانا ادعو الله ان يوفق القائمين عليها وان يمدهم بروح منه وان يجعل عملهم خالصا مخلصا له وان يجعلهم ممن يحفظ بهم كتابه ويحقق بهم وعده (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون). وعن زيارته لسمو الشيخ محمد بن راشد ولقائه به قال: رأيت شابا فيه من سمات الشاب المسلم الكثير واذا كان حديث القلوب أصدق من حديث اللسان فقد أحسست بتواصل كبير بين قلبه وبين قلوب من يحدثونه ويحدثهم وفي اللقاء المحدود الذي تم ولم يكن مخصصا لحوار طويل كنت أرقب الرجل بصدق وأقرأ في عينيه وفي وجهه واستشف ما في داخله واعتقد انني لمست فيه صدقا واخلاصا ارجو الله ان يتمها عليه وان يحيطه ببطانة خير كالتي رأيتها وان يحفظ له هذا التوجه وان يجعله من خدمة كتاب الله في صدق وتجرد واحتساب). تغطية: السيد الطنطاوي: