أكد اللواء ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي ان عالمنا العربي لم يتعامل بعد مع الموهوب التعامل الأمثل, مشيرا الى أن الأمم الراقية ومنذ أمد بعيد اهتمت بالعقل البشري باعتباره الثروة الحقيقية, والموهوب في ضوء هذا الاهتمام ثروة وطنية يمكن ان تدر عائدا أكبر من النفط أو أية ثروة اخرى. جاء ذلك خلال الجلسة الرمضانية التي اقيمت حول (المدرسة والابداع) بمجلس اللواء ضاحي خلفان وحضرها الدكتور خليفة السويدي وكيل كلية التربية بجامعة الامارات والدكتور محمد مراد عبدالله مدير مركز البحوث والدراسات بشرطة دبي وسلطان صقر السويدي الأمين العام لهيئة الشباب والرياضة بوزارة التربية ودكتور عبدالقادر عبدالله عضو هيئة التدريس بجامعة الامارات والاديب عبدالحميد أحمد وخليفة بن فارس نائب مدير تعليمة دبي للشئون الادارية ولفيف من مديري المدارس والفعاليات المختلفة وأولياء أمور الطلبة الموهوبين ومندوبو وسائل الاعلام. وتأتي هذه الأمسية الرمضانية حول (المدرسة والابداع) ضمن انشطة جمعية توعية ورعاية الاحداث, تلقى من خلالها الضوء على الطفل المبدع وكيفية اكتشافه, وكيفية تفعيل دور المدارس في عملية تشجيع الابداع وتربية الذكاء, ووسائل اكتشاف الابداع والعمل على مساعدة المبدعين وغيرها من محاور بناءة تساهم في الاهتمام بالابداع وتنميته وعرض لها المجلس. واستهلت الجلسة الرمضانية بترحيب من اللواء ضاحي خلفان للحضور الذين حرصوا على التواجد في هذه الأمسية, وصرح خلال ترحيبه ان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وعد بدعم جمعية رعاية الموهوبين خدمة من سموه للموهوبين. ثم قدم بعدها محمد حسن مدير ثانوية الامام مالك لالقاء كلمة شكر خلالها اللواء ضاحي خلفان على دعوته للحضور وعدها سنوية يترقبها الحضور في هذا الشهر الفضيل واضاف ان ثانوية الامام مالك تشجع الموهوبين من ابنائها الطلاب في ظل امكانيات محدودة مشيرا الى قلة عدد الموهوبين من الطلبة بالمرحلة الثانوية وارجع ذلك الى ان رعاية الموهوب تستلزم العودة الى بدايات التعليم الاولى لا سيما الابتدائية منها. وتخلل كلمة مدير ثانوية الامام مالك عرضا لفكرة مشروع (المصحف الناطق) للطالب الموهوب محمد مصطفى البحراوي بثانوية الامام مالك ويتلخص المشروع في تقسيم المصحف الشريف لعدة اجزاء تتراوح من 30 الى 32 صفحة وخلال فتح المصحف على الصفحة المراء قراءتها يقوم مسجل موضوعا لهذا الغرض ومن خلال صوت مقرئ بتلاوة الآيات الموجودة أمام القارئ في الصفحة المقصودة. ونال المشروع استحسان الحضور وعلق عليه اللواء ضاحي خلفان بأنها هكذا فكرة الموهوب تبدأ صغيرة ثم تكبر بعد ذلك. الطفل المبدع وطرح اللواء ضاحي خلفان بعد ذلك سؤالا حول محور من المحاور التي دعي الحضور لمناقشتها, يقول: من هو الطفل المبدع؟ واجاب عنه الدكتور عبدالقادر عبدالله عضو هيئة التدريس بجامعة الامارات, حيث قال: ان الابداع نشاط عقلي اذا وجه هذا النشاط نحو بيئة متميزة تفرز انواعا من الاصالة والحداثة والجدة, والشخص المبدع من الضرورة ان تتوافر لديه سمات شخصية وأخرى عقلية. وسماته الشخصية هذه تكمن في حب فضوله واثارته لتساؤلات غريبة ليست عادية يسأل رفاقه في صفه الدراسي, علاوة على تمتعه بروح المغامرة وروح التحدي, ولعل تلك السمات بعض من كل للصفات التي من الممكن ان نجدها في الشخص المبدع. واكمل الدكتور خليفة السويدي ما قاله الدكتور عبدالقادر عن ماهية الابداع, وقال: ان الابداع هو الاتيان بالجديد النافع للقبول المجتمعي, وفي النهاية فالابداع مهارة من مهارات التفكير, وليس المقصود هنا مهارة التفكير نفسها, لكن المقصود هذا المنتج الابداعي وضرب مثالا بفكرة المصحف الناطق لطالب ثانوية الامام مالك الموهوب واثنى عليها. واشار الى ان الابداع له شقان, شق سلبي وآخر ايجابي. وطرح اللواء ضاحي خلفان سؤالا اخر عن كيفية اكتشاف المبدع, واجاب عنه الدكتور محمد مراد عبدالله, وقال: انه لاكتشاف المبدعين هناك عدة اساليب منها: ان بعض الدول اعتمدت على مقاييس الذكاء, وهناك بعض الصفات والملامح التي من الممكن ان نتعرف عليها في الطفل المبدع ونكتشف ما به من ابداع ونرعاه واعتقد أن اكتشاف الابداع والذكاء يبدأ من المراحلة المبكرة للطفل. وهنا تساءل اللواء ضاحي: لماذا لا توجد لدينا في دولة الامارات مقاييس لمستوى الذكاء؟ فأجابه الدكتور عبدالقادر عبدالله ان جامعة الامارات اجرت مقياسا وطبق على عينة من طلبة الجامعة ونشر في احدى الدوريات العلمية كملخص, ولكن اللواء ضاحي نفى وصول تلك المقاييس والاختبارات للمدارس, وتساءل بدوره: هل بالامكان توصيل تلك المقاييس الى التربية والمدارس وأن تعقد دورات في هذا الصدد؟ وعاد الدكتور عبدالقادر عبدالله ليجيب بأن المقياس موجود وسبق وأن زرنا العديد من المدارس وأجرينا لقاءات مع المعلمين حول كيفية اكتشاف الموهوبين داخل الصف وما هي مميزاتهم, والمقياس بذلك يكون أحد العوامل المساعدة لاكتشاف الموهوب. الذكي هو الموهوب وتعقيبا على ذلك قال محمد حسن ان ادارة المدرسة بصدد عمل اختبارات للمهارات العقلية لطلاب المدرسة على ان تطبق في القريب العاجل, وتساءل اللواء ضاحي عن كيفية رصد وتسجيل الموهوبين بمدارسنا وعرض لكون الذكي هو الموهوب وأن اديسون في ذلك استثناء وليس قاعدة. وعلق يوسف السيد الاخصائي الاجتماعي بثانوية الامام مالك قائلا: ان الابداع الذي يتمتع به الطالب المتميز الذي يحصل على 95% من الممكن اعتباره طالبا مبدعا لكونه حصل على درجات لم يستطع زملاؤه الحصول عليها, والطالب المبدع في الانشطة المختلفة يتمتع بموهبة مثلا في تلاوة القرآن الكريم او كتابة القصة أو نسج الشعر أو المسرح الى غير ذلك. فنحن ننظر في مدارسنا الى الجانبين معا ــ العلمي والانشطة ــ وموضوع مقياس الذكاء الذي عرض له الدكتور عبدالقادر, نتساءل من خلاله كيف يكون الحل في الطلاب الذين يرسبون في اربع او خمس مواد من الناحية العلمية, وفي نفس الوقت هم متفوقون جدا في مجالات اخرى منها تمثيل الدولة في ألعاب القوى و غيرها من رياضات اخرى. وتساءل السيد: لماذا يبدع الطالب في مجال ولا يبدع في آخر؟ واجابه الدكتور خليفة السويدي بأن هناك باحثا مهتما بالذكاء والتفكير يدعى هاورد كارتر يجيب على هذا التساؤل فيقول: ان الذكاء ليس نوعا واحداً, والتصنيف السابق في التعليم اشار الى ان هذا طالب ذكي واخر متوسط الذكاء وثالث غبي ولم يعد السؤال من هو الذكي ومن هو غير الذكي, واصبح السؤال في أي ميدان من الميادين يكون هذا الطالب ذكيا, ومن الجائز ان يكون الطالب ذكيا, لذلك قسم الذكاء الآن الى ثمانية اقسام رئيسية, منها الذكاء اللغوي, فمثلا هذا طالب فصيح ولكنه قد يفشل في الفيزياء أو الرياضيات, وهناك طالب اخر يتمتع بالذكاء البدني ولديه قدرة على التحكم في عضلاته, وهناك الذكاء الاجتماعي على عكس الانطوائي, والآن المدرسة الحديثة في التربية المهتمة بموضوع الذكاء تنظر للاطفال هذه النظرة, ذلك لاكتشافهم يستخدمون المقاييس المتعددة, وهي ان يذهب الطفل تحديدا للام, ثم المعلم لا سيما معلم المرحلة الابتدائية الذي يقوم بتدريس جل المواد, وهذا المعلم يعيش مع الطفل من أول حصة لأخر حصة, وبعد فترة من معايشته عن قرب يقول ما شاء الله عليه, صحيح انه ضعيف في اللغة الانجليزية ولكنه نابغة في العلوم. وعندما تتوحد القواسم المشتركة بين آراء الأم والمعلم والاخصائي الاجتماعي والنفسي ورأي المدرسة بوجه عام, نستطيع لحظتها ان نقول: ان هذا الطفل فعلا ذكي وينبغي علينا الاهتمام به. بيئة للابداع وهنا رد الدكتور منصور العور بأن تلك المقاييس جيدة ولكنها عبارة عن ادوات في اعتقادي متقدمة لمجتمعنا المحلي وارى ان يسبقها قضية عملنا الجاد لايجاد بيئة للابداع, وتلك البيئة تعني ان المعلم داخل الفصل اذا لم يدع الطالب يبدي رأيه ويتقبله لا يمكن لهذا الطالب مهما اجريت عليه مقاييس ان ينتج ثمرة ابداع, والمعلم الذي يمتلك افكارا ابداعية لطرائق التدريس, اذا لم يسمح له مديره بتطوير افكاره وتشجعيه لم ينجح في ابداعه. وتساء اللواء ضاحي عن المعايير التي يمكن من خلالها اختيار المعلم, واجاب محمد حسن: ان اللجان التي تشكل لاختيار المعلم لا تصلح والعيب هنا ليس في المدارس, وزد على ذلك اننا مازلنا نعتمد في ذلك على دول اخرى. وتعليقا على اكتشاف الموهوبين ذكر محمود حبيب رئيس مجلس اباء ثانوية الامام مالك ان اكتشاف الموهوبين يعني التعرف على هذا الطفل او ذاك الطالب, وأول من يستطيع التعرف الأم فالطفل الذي يظهر قدراته فيما لو كان موهوبا او غير ذلك, وتستطيع بدورك ان تلمس ان هذا الطالب يتميز عن اقرانه في بعض الأمور. وعاد اللواء ضاحي ليطرح سؤالا على الحضور, قال فيه: ما هي خصائص المدرسة في الامارات؟ واجاب الدكتور محمد مراد عن هذا السؤال عارضا لخصائص المدرسة اليابانية, وعلق اللواء ضاحي على اختيار المدرسة اليابانية لكون اليابان دولة شرقية. وتابع الدكتور محمد معددا تلك الخصائص, ومنها: ان الدوام الدراسي يمتد لستة ايام في الاسبوع وعلى طوال اليوم من الثامنة صباحا وحتى الرابعة مساء ـ وتتشابه المباني المدرسية كثيرا و75% من المدارس بها أحواض للسباحة, ويرتدي تلاميذ المدارس المتوسطة والثانوية زيا موحدا, اما تلاميذ المدرسة الابتدائية فيرتدون قبعة موحدة او اشارة موحدة, ويستخدم البناء المدرسي اثناء العطل باستمرار من قبل التلاميذ, وتضم المدارس غرفا للموسيقى مجهزة تجهيزا جيدا, ويتم دعمها من الشركات الخاصة ورجال الاعمال, ويستخدم الكمبيوتر كوسيلة تعليمية في معظم المدارس المتوسطة والثانوية, ولا يوجد رسوب في الصفوف, كما لا يوجد قفز فوق الصفوف, ولا يتجاوز عدد التلاميذ في الصف الواحد 40 تلميذا وتلميذة, ويتبادل المعلم والتلاميذ الانحناء اثناء التحية, ويتعلم التلاميذ استخدام الدفاتر المدرسية من الصف الأول, كما يتم تشكيل مجموعات تعليمية غير متجانسة تضم من 4 ــ 6 تلاميذ من المدرسة الابتدائية للقيام بأنشطة اضافية لمدة ساعتين يوميا, ويقوم تلميذان في كل يومين بالتناوب في مساعدة المعلم بضبط الصف والاهتمام بحاجة التلاميذ, ولا يوجه المعلم التنبيه او التوبيخ لتلميذ بمفرده عادة, بل لجماعة الصف الذي ينتمي اليه, ويتعلم جميع التلاميذ على احدى الالات الموسيقية, وفي نهاية الصف الرابع يمكن تشكيل اوركسترا موسيقية متكاملة, والكتب تتضمن معلومات كثيرة على اوراق قليلة , وتشارك البرامج التلفزيونية التعليمية في عملية التعلم, ويتم اعلام المدارس بمواعيدها في بداية العام الدراسي, ويعقد المعلمون مؤتمرا اسبوعيا بعد الظهر يرأسه المعلمون بالتناوب, ويكون هذا المؤتمر صاحب جهة القرار الرئيسية في المدرسة, وغير ذلك من خصائص للمدرسة اليابانية. خاصة أم مشتركة وفي ضوء ذكر تلك الخصائص تساءل اللواء ضاحي عن, هل من الصواب أن تكون للطفل المبدع مدرسة خاصة به ام مدرسة مشتركة؟ واجاب الحضور ان مبررات تخصيص مدارس خاصة للمبدعين تتمثل في ان وجود المبدعين في مجموعات متجانسة نسبيا يؤمن فرص المنافسة الهادفة والمفيدة كما يساعد على كشف مواطن القوة ونقاط الضعف لديهم ويمكنهم من تسريع وتيرة نموهم العقلي ويسمح لهم بتقديم مواد علمية مناسبة تستفز قدراتهم على الخلق والابداع ويساعدهم في التعرف عى مشكلاتهم الخاصة وتقديم الارشاد والتوجيه المناسب لهم. ومحاذير ذلك الاتجاه في تنمية اتجاهات سلبية (الغيرة) بين الافراد العاديين نحو المبدعين. اما فيما يتعلق بدمج المبدعين في المدارس المشتركة فمبرراته تكمن في تحقيق الاندماج السليم والتفاعل الايجابي المثمر بين المستويات العقلية المختلفة للتلاميذ وتوفير فرص التنافس العلمي الحقيقي والمثمر وتنمية القدرة على تكوين العلاقات الاجتماعية السليمة مع من هم اقل منهم حظا في القدرات العقلية واتاحة الفرصة للعاديين لمخالطة المبدعين والاستفادة منهم, ومحاذير ذلك الاتجاه في عدم امكانية توفير تشجيع مناسب لاصحاب الموهبة الخاصة او اصحاب الانجاز العالي. واشاد خليفة بن فارس نائب مدير تعليمية دبي بما آلت اليه مدارس الدولة, وقال ان المشكلة في مدارسنا تتمثل في الامكانيات مشيرا الى ان الملاعب الرياضية غير مناسبة لابنائنا الطلاب وكذا المسرح بامكاناته غير الملائمة والتي ان وجدت فهي مما تبرع به أولياء أمور الطلبة او مجهودات المدرسة الشخصية, وعد مرافق ومباني مدارس الدولة من افضل المرافق الموجودة على المستوى العالمي والتي بدورها تنعكس على اداء الموهوب. وقال الاديب عبدالحميد أحمد: ان ما نريده شيء والواقع شيء آخر, وبصراحة الوطن العربي يحارب المبدعين والموهوبين, وتبدأ هذه الحرب حرب المبدعين من الطفولة سواء من البيت أو المدرسة أو الشارع, واكثر مبدعينا مهاجرين وفي الخارج تكون ابداعاتهم فلماذا لم يبقوا في بلادهم, ولعل هذه الحرب التي مورست في الطفولة لم تكن غير مقصودة وقد تكون نتيجة لتخلف المناهج وتخلف بيئة التعليم وبيئة الابداع وما شابه ذلك, ولا وجه هنا للمقارنة مع التجربة اليابانية التي تحدثتم عنها, واتساءل: كم هو راتب المعلم في اليابان قياسا بمعلمينا, ومعلم مهان يفكر 24 ساعة في لقمة عيشه, يخشى انهاء خدمته.. كيف يعطي؟ ففاقد الشيء لا يعطيه, وكيف يرعى موهوبا؟ ولعل تلك مجتمعة هي المشاكل الجوهرية التي من الضرورة ان تبحث في موضوع الابداع ومخرجات التعليم بوجه عام, وعاد ليتساءل: كم نبذل من جهد وطاقة وامكانات ومال للعملية التعليمية مقابل ما يبذل في دول اخرى كاليابان مثلا؟ فالارقام ستكون متواضعة, وما نراه اليوم في وزارة التربية ما هو الا اجتهادات, والى الآن لا يوجد لدينا مجلس اعلى للتعليم. ودعا اللواء ضاحي الى تكوين ست او ثماني فرق تكون مهمتها تطوعية لاكتشاف الموهوبين, كما تمنى ان يعين وزير التربية والتعليم الشباب وكيلا لشئون الموهوبين كما دعا جامعة الامارات والفعاليات الاخرى للانضمام لجمعية رعاية الموهوبين, وتساءل عن الهيكل التنظيمي لمدارس الدولة وطلب ان يضاف اليه مسئولا لرعاية الموهوبين فيما اكد على مشاهدته لبعض التجارب في بريطانيا تدعو لرعاية الموهوبين. وتتواصل الجلسة الرمضانية ذات الشجون والافادة الثقافية والتربوية الجادة الى ما بعد منتصف الليل, ترفع بعدها للسحور, وعادت لصياغة التوصيات. تغطية ــ يحيى عطية: