كلمة الصوم في اللغة تعني الامساك عن اي فعل او قول وفي اصطلاح الفقهاء الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الى غروب الشمس مع النية. وعندما فرض الله الصوم قال (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). اقول وكلمة تتقون مأخذوة من مادة الوقاية وهي حفظ الشيء عما يضره. اذن فإن هناك انسجاما تاما بين الصوم الذي هو الامساك عن الطعام والشراب والاتصال الجنسي واللغو وبين ما يهدف اليه الشرع من هذا الصوم وهو الاقتصاد وعدم الاسراف. كلنا نعلم ان الانسان يظل طول العام يأكل ويشرب وربما يسرف فيه لدرجة انه يصاب بالامراض نتيجة التخمة, وهو لا يستطيع ان يتحكم في نفسه, لانها اذا رأت ما تشتيه انجذبت نحوه لا اراديا ولاسيما في هذه الآونة التي تتوافر فيها مغريات الطعام والشراب, وتكثر الدعايات بالحلال والحرام. اقول بالحلال وبالحرام لانني رأيت بالامس في مركز من المراكز التي يتردد عليها الناس عرضا تجاريا فلما اقتربت منه وجدت مكتوبا عليه اطيب التمور مع ألذ الخمور. مثل هذه الدعاية المغرضة لاشك انها تجذب الكثيرين من الناس الخاوين روحيا فيجمعون بين الحلال والحرام في آن واحد, وهي في الوقت نفسه استهتار بمشاعر الغيورين على دينهم وإلا كيف يجمع بين التمر والخمر؟ اعود الى الصوم والجانب الاقتصادي فيه, حيث اجد ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات قبل ان يصلي فإن لم تكن فعلى تمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء (رواه ابو داوود والترمذي والحاكم). اذن فإن الهدف الاسمى من الصوم هو تجويع النفس وترويضها على القناعة بالقليل لا كما نفعله نحن اليوم حيث اننا نصوم ولكننا نظل طول اليوم نعد ونصنع عشرات الانواع من الطعام ولايكاد يؤذن المغرب إلا ووقعنا على مائدة الافطار واكلنا وشربنا كمية كبيرة منها بنهم شديد لم نعهد مثله قبل رمضان. لا نكتفي بذلك فنظل طول الليل ونحن نجتر هنا وهناك الى ان يؤذن الفجر هذا الواقع الاليم بكل اسف يغير المفهوم الذي اتى به الاسلام للصوم, اذ ان الصوم وقاية للنفس, اي يقينا شر الامراض التي كان يسببها الاكل لنا. والآن يمكن ان تزيد امراضنا نتيجة استهلاكنا للسكريات والدهنيات والنشويات في رمضان. هناك من يقول فعلا يزيد وزنه في رمضان ومنهم من يرتفع ضغطه ومنهم من يزيد السكر عنده في رمضان. كل ذلك نتيجة عدم قدرته على ايجاد التوازن في اكله, فيذهب ضحية شهر الصوم وربما مات لا لأنه جاع بل لانه اسرف في الاكل. اذن فإن الصوم مدرسة يتعلم فيها الانسان الاقتصاد ليس الاقتصاد في الاكل فحسب, بل حتى الاقتصاد في الكلام, لان الاسراف بأنواعه قاتل, ألا ترى ان موت الانسان من عثرة اللسان, وموت القلب من كثرة الكلام, وموت الجسم من كثرة الطعام وموت النفس من كثرة المنام. بمعنى ان الاقصاد هو ميزان الاعتدال في كل شيء وقد رد الرسول صلى الله عليه وسلم على المقوقس ملك مصر الطبيب عندما اهدى اليه جارية وبغلا وطبيبا, فقبل الجارية والبغل ورد الطبيب قائلا: (انا قوم لا نأكل حتى نجوع, واذا اكلنا لا نشبع) صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فمثله من أين يأتيه المرض؟؟). اقول هذا عن الطعام وأما عن الكلام فقد قال (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه) (رواه البخاري) هذا الحديث في ظاهره انه ينهى عن اللغو كذبا كان او غيبة او غيرها, لانه يتنافى مع الصيام الذي هو الامساك بمعناه العام. لكن للحديث هدفا او معنى غير مباشر, ألا وهو تعليم هذه الامة الاقتصاد عموما, لان زيادة الطعام كما عرفنا تقتل الانسان كما تقتل زيادة الماء الشجر, وزيادة الكلام كذلك لانها توقعك في الممنوع والمحظور, وقد قيل قديما من كثر لغطه كثر غلطه, ولكن لو امسك وما تكلم كان مالكا زمام نفسه وقد قال الشاعر: ما ان ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا لكن يا ترى هل يكفي ان يكف الانسان شهرا واحدا عن الطعام والشراب والكلام المحرم, ام انه في حاجة الى المزيد؟ اقول ان الدين مبني على اليسر لذلك يقول الله تعالى في معرض الحديث عن الصيام (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وهذا يعني ان شهرا واحدا لا يكفي, ولكنه لا يريد ان يشق على عباده فأمر بصيام شهر فرضا, ثم شرع صيام التطوع لمن استطاع ان يصوم اياما موزعة على اشهر العام. اذن فالدعوة الى الصوم قائمة على مدار العام والهدف يظل هو الهدف نفسه, اي وقاية الانسان من الوقوع في مهالك الطعام والشراب والمنكح والكلام بل وتتجلى فائدة الصيام الاقتصادية في حديث الرسول الموجه الى الشباب (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) اي قاطع للشهوة (متفق عليه). هذا الحديث يدعو غير القادر على الزواج ماليا بأن يصوم لماذا؟ لانه ربما غلبته الشهوة فانجرف في تيار الحرام وعندئذ لا يستطيع ان يرده؟ ويلاحظ لشهر رمضان الفضيل فضل اقتصادي آخر وهو ان موائد الخير تدور من بيت الى بيت فكثير من الناس يستغنون في رمضان عن الطبخ لان الاطباق تأتيهم الى باب بيوتهم من غير ان يكلفوا انفسهم بالسعي اليها. اذن فإن شهر رمضان هو شهر البر والجود وهو شهر الخيرات والبركات وقد دعانا الرسول صلى الله عليه وسلم الى ان نقتصد فيه في كل شيء إلا في الدعاء والذكر وقراءة القرآن والصلاة لانه لا اسراف في الخير ولا تبذير في الدعاء والذكر, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اجود الناس وكان اجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. اقول: ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم يجب ان نفعله نحن اليوم, وربما يقول بعضنا واين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يمر به الشهر والشهران ولا توقد نار في بيته اي لا يطبخ في بيته شيء, وكان يكتفي بحبة تمر ان وجدها وكثيرا ماكان يصبح الصبح فيسأل زوجاته هل عندكن شيء؟ فإن قلن لا قال اني صائم. اقول ومن هنا فهم الفقهاء ان في صوم التطوع يجوز ان ينوي الانسان من بعد الفجر اذا كان قد نسي من غير ان يبيت النية. اعود فأقول اذا لم نستطع ان نحقق كل ما حققه الرسول والاصحاب فإنه يجب ان ننوي ذلك, لاننا ربما جزينا على ما ننوي اكثر مما نعمل وقد ورد في الاثر (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) ثم ان المتمسك بدينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر فانظر كم يكون له من الاجر المضاعف اذا ثابر وصبر, رغم ان كل الاجواء ضده, أليس كذلك. د. عارف الشيخ