حصلت الباحثة الاماراتية تغريد محمد حسن على درجة الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عن دراسة تقدمت بها تحت عنوان (الامامة والالوهية عند الفيلسوف احمد حميد الدين الكرماني). أكدت الدراسة التي نالت صاحبتها الدرجة بامتياز مع مرتبة الشرف أن الامامة عند الشيعة بالوراثة والتعيين والنص ولابد أن تكون في آل البيت, وهذا عند جميع الفرق الشيعية كالاثني عشرية والاسماعيلية والزيدية والكيسانية والغلاة وأنه (الامام) هو أساس المعرفة. كما أكدت النتائج أيضا على أن الإمامة عند أهل السنة بالشورى والاختيار وذلك ما سنجده من المقارنة عند حميد الكرماني وهو شيعي اسماعيلي وبين أهل السنة كابن تيمية وابن حزم والايجي والجويني والمواردي وابن خلدون والغزالي وأورد هؤلاء شروطا هامة يجب توافرها في الامامة ومنها العدالة على شروطها الجامعة, العلم المؤدي الى الاجتهاد في النوازل والأحكام, سلامة الحواس من السمع والبصر ليصح معها مباشرة ما يدرك بها, سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض, الرأي المفضي الى سياسة الرعية وتدبير المصالح, الشجاعة والنجدة المؤدية الى حماية الحرمان و جهاد العدو وأخيرا النسب القرشي وهو ما اختلف فيه ابن خلدون. وأشارت الباحثة الى أن أهم نتائج الدراسة هي أن أي فرقة من الفرق الاسلامية جاءت على أساس سياسي اختلفت فيمن يحكم المسلمين وبعد ذلك قامت ببناء فقهي وعقائدي يؤيد وجهة نظر الفرقة أيا كانت وتؤكد الباحثة في ذلك أن أهل السنة سيظلون دوما هم الأساس الصحيح للخلافة. وقالت الباحثة في عرضها للدراسة أنها حاولت التعرف على التصور العقائدي السياسي عند الفيلسوف أحمد حميد الدين الكرماني وتحليل علاقة الدين بالسياسة في الفكر الاسماعيلي واعتمدت الباحثة تغريد حسن في تحقيق دراستها على المنهج التحليلي للنصوص الأصلية (نصوص الكرماني نفسه) بهدف تحديد تصوراته العقائدية وبيان طبيعتها وحدودها سواء فيما يتعلق بالامامة أو الالوهية أو العالم السفلي والعالم العلوي. وكان للمنهج التحليلي ــ كما أشارت الباحثة ــ دور في تحليل الألفاظ وتحليل منطق وبنية المفاهيم وتحديد معاني المصطلحات في سياق الفكر الشيعي والاسماعيلي وبيان دلالاتها الخاصة عند الكرماني.. واستعانت الباحثة بالمنهج المقارن للموازنة بين فكر الكرماني من ناحية وفكر أهل السنة والجماعة من ناحية أخرى, فضلا عن المقارنة بينه وبين أهم الشخصيات الكلامية التي لها بصمات واضحة في تاريخ العقائد الاسلامية أو تاريخ الفكر السياسي الاسلامي. وكان للمنهج التاريخي دور في البحث حيث استخدمته الباحثة في معرفة أصول ومصادر الفكر الباطني عند الكرماني فيما سبق من تيارات فلسفية قديمة, خاصة الافلوطينية والغنوصية والهرمسية, كما كان لهذا المنهج دور في تحديد عوامل نشوء الشيعة الاسماعيلية وتطورها التاريخي في الاسلام حتى ظهور الكرماني, فضلا عن وصف معالم عصر الكرماني. أقسام الدراسة أشارت الباحثة الى أنها قسمت الدراسة الى ستة فصول ناقشت في الفصل الأول المصادر الغنوصية والهرمسية والافلوطينية لفكر (الكرماني) خاصة والفكر الاسماعيلي عامة وسعت من خلال ذلك الى بيان الأصل الغنوصي وتعريفه وبيان أهم سماته ومعالمه والاشارة الى أهم الشخصيات الغنوصية التي أثرت في فكر الكرماني.. وحاولت الباحثة تحديد معالم الأصل الهرمسي وأثره في فكر الكرماني مع التأكيد على أن الهرمسية في مجموعها تشكل بدورها تيارا غنوصيا (عرفانيا) الى جانب التيارات الغنوصية الأخرى. وجاء عرض الباحثة للأصل الهرمسي بمثابة تمهيد للغنوصية الاسلامية كما ظهرت في فكر (الكرماني) وذلك لوجود تشابه بين قصة المبدأ أو المعاد التي عرضها الكرماني في كتابه (راحة العقل) وبين نفس القصة المذكورة في رؤيا هرمس, والتي تم ايرادها كاملة بوصفها منبعا من منابع الفكر الاسماعيلي. ولم تكن الهرمسية معروفة فقط للاسماعيليين بل كانت معروفة جيدا في الفكر الاسلامي, ولذا تم تتبع الهرمسية في عدد من المصادر الاسلامية السنية وغيرها. وأشارت الباحثة في فصلها الأول الى أنها سعت لكشف المصدر الافلوطيني بوصفه أحد مصادر الفكر الاسماعيلي عند (الكرماني) وبيان كيف كانت (تاسوعات أفلوطين) نبعا استقى منه (الكرماني) كثيرا من العناصر الفلسفية الباطنية التي قامت عليها فلسفته.. وتتبعت الباحثة أيضا الفلسفة الطبيعية للاسماعيلية بما فيها من أفكار عن العالم العضوي والعالم غير العضوي وعلم النفس والحياة وقد أوصل هذا التتبع الى أرسطو. وتتبعت الباحثة في فصل البحث الثاني تاريخ نشوء الشيعة الاسماعيلية وكيف انفصلت عن التيار الشيعي العام, وأصبحت فرقة مستقلة وعملت على بحث هذا الانفصال وأسبابه وتم طرح مسألة الاختلاف حول نسب الاسماعيلية بين انكار مؤرخي أهل السنة واثبات مؤرخي الاسماعيلية. وبينت الباحثة أسباب النجاح السياسي للشيعة الاسماعيلية في اليمن والمغرب ومصر وتتبع مسار هذا النجاح وأسبابه ثم التدهور والتراجع, ونظرا لأن الكرماني قد ظهرت مؤلفاته في مصر أثناء الحكم الشيعي الاسماعيلي الفاطمي لذلك حاولت الباحثة ابراز أهم معالم الوجود الشيعي في مصر سواء من الناحية السياسية أو الناحية الفكرية العقائدية.. وكشفت الباحثة عن مفارقة مهمة وهي أن الدعوة الاسماعيلية فشلت عقائديا بين الجماهير بينما أظهرت نجاحا سياسيا مهما. وفي الفصل الثالث ركزت الدراسة على موضوع الامامة وكيف أن (الكرماني) أثبتها بأدلة متنوعة والتميز بين مصطلحات متعددة شاع استخدامها في التراث الكلامي السياسي على أنها مترادفة مع أنها ليست كذلك وهذه المصطلحات هي (الخليفة), (أمير المؤمنين), (والإمام). وتناول الكرماني إثبات الامامة من عدة زوايا أولها وجوب الامامة على الله, فهي ركن من أركان الدين السبعة التي بدونها لا يكون الانسان مسلما, بل إن الإمامة عندهم أهم ركن من أركان الدين, وألقت الباحثة في هذا الفصل الضوء على نقد أهل السنة والجماعة لموقف الشيعة الاسماعيلية من وجوب الامامة على الله وأوردت رأي الإيجي والرازي وابن حزم. ودار الفصل الرابع حول طبيعة الامام وخصائصه من عدة محاور الأول منها كان تحليل نظرية الكرماني عن طبيعة الامام ولم يكن فهم هذه النظرية ممكنا دون فهم المنهج المفضل عند الفلاسفة الاسماعيليين وهو منهج (المثل والممثول) والمحور الثاني كان تحديد موقع الامام في بنية النظام العقائدية الاسماعيلية عند الكرماني وكيف خالف هو بعض ما تقدمه من الدعاة الاسماعيليين في تحديد تنظيمات وتركيب حدود الدعوة الاسلامية. أما المحور الثالث فكان عن الأصل الالهي للأئمة, حيث يرى الكرماني أن طبيعة الامام ليست بشرية خالصة والمحور الرابع جاء عن الامام بوصفه مصدرا للمعرفة ورمزا للوجود نظرا لما له من منزلة إلهية. وسعت الباحثة في المحور الخامس الى بيان أثر الفارابي في نظرية الكرماني عن النبوءة والامامة وتم اجراء مقارنة في المحور السادس والسابع بين الكرماني والماوردي وناصر خسرو, وكذلك بين نظرية الامامة عند الشيعة وأهل السنة بشكل عام وكان الخلاف الأكبر كما أوردته الباحثة حول (العصمة), (وراثة الامامة), (الطبيعة الإلهية للأئمة) و(الشروط الواجب توافرها في الامام). وتناولت الباحثة في الفصل الخامس قضية التوحيد الالهي حيث قامت بتحليل براهين وجود الله عند الكرماني وتحليل موقف الكرماني من أسماء الصفات الالهية وتمت مقارنة بين أهل السنة والكرماني من مسألة الصفات الإلهية. وحاولت في الفصل السادس الاجابة على سؤال مهم وهو كيف ينظر الكرماني الى سائر الوجود اللاحق على الذات الإلهية وللاجابة عن هذا السؤال حاولت الباحثة تحليل نظرية الكرماني في إبداع العالم . و أكدت الباحثة الاماراتية تغريد محمد حسن في نهاية عرض الدراسة الى أن بحثها هو مجرد محاولة موضوعية محايدة تهدف الى غاية علمية بحتة بعيدا عن أي نزعة مذهبية أو ايديولوجية, وعملها في مجال البحث يقف عند حد البحث والمقارنة والوصف والتحليل والموازنة. ولا يتطرق الىأية أحكام قيمية سواء بالخير أو الشر فالحكم القيمي أمر يخرج عن دائرة اهتمام هذا البحث. ناقشت الباحثة لجنة مكونة من الدكاترة: صلاح رسلان أستاذ الفلسفة بآداب القاهرة رئيسا, زينب عفيفي أستاذ الفلسفة وعميد آداب المنوفية عضوا, ومصطفى لبيب أستاذ الفلسفة بآداب القاهرة عضوا.
