مزارع هجرها اصحابها من غير رجعة, اشجار نخيل ارهقها الجفاف.. حيوانات نافقة على جانبي الطرق.. رجال كبار واطفال صغار يتسابقون الى سيارات تحمل تناكر الماء. تلك هي الصورة المفزعة، التي يمكن للمرء رؤيتها بوضوح كلما اتجه بسيارته الى المناطق النائية في رأس الخيمة حيث يرزح الناس هناك تحت وطأة الرعب بسبب شح المياه. ورغم هذه الصورة غير المبشرة إلا ان الواقع منذ فترة غير قصيرة لم يكن كما هو عليه الآن, ولكن الامور تفاقمت في الايام الاخيرة من شهر اكتوبر الماضي حيث يمكن القول ان المناطق النائية تعيش حالة عطش حقيقي. يوضح علي خميس المحرزي مسئول البلدية بالمناطق الوسطى ان تفاقم الامور جاء بعد انسحاب جمعية الهلال الاحمر الاماراتية من المنطقة وهي التي كانت تقوم بدور محمود في مجال توفير مياه الشرب مما ازاح عبء العطش عن السكان. ويعترف المحرزي بأن الامور حاليا تتجه نحو الاسوأ بصورة سريعة ومزعجة وقال بصوت لا يخلو من الحزن:نحن امام كارثة حقيقية فاذا لم يتم التوصل الى حل جذري وسريع فإن عواقب وخيمة لا محالة ستحل بالسكان ومنطقتهم. وبالرغم من انه يحلو للكثيرين تسمية المناطق الجبلية بالنائية إلا انها مناطق لها اهميتها الخاصة حيث يسكنها العديد من المواطنين الذين يساهمون ايجابيا في مساعي الدولة الرامية لتحقيق الامن الغذائي من خلال عملهم في الزراعة وتربية الحيوان. وقال المحرزي: مشكلة المواطنين هنا هي انهم استسلموا طوال حياتهم الى الامطار الموسمية وما تسفر عنه من سيول ووديان لتسقى ظمأهم وتروي حيواناتهم ومزارعهم دون ان تتحرك الجهات الخدمية مثل هيئات الكهرباء والماء والزراعة والثروة السمكية لتأمين سبل دائمة ومضمونة لتمد السكان بالماء كمحطات التحلية وشبكات التوزيع. واضاف قائلا: ولذلك عندما توقفت الامطار عن الهطول على مدى السنوات الثلاث الاخيرة واجه المواطنون المعاناة وهم يسعون صباح مساء بحثا عن الماء حتى بلغ بهم الحال مبلغه من السوء في هذه الايام. مساع غير مجدية وأوضح المحرزي انه وبحكم موقعه كمسئول عن البلدية بالمناطق الوسطى وهي ذاتها التي تعاني من العطش سعى سعيا حثيثا وفي كل اتجاه لانقاذ الموقف المتأزم. وفي حين يكابد المواطنون بالمناطق النائية ظاهرة العطش فإن الحديث يدور حول مكرمة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان للسيطرة على المشكلة حيث امر سموه مؤخرا بشراء مجموعة من السيارات الناقلة للماء بقيمة مليوني درهم. وقال المحرزي نعلم ان تلك السيارات قد تم استلامها فعلا ولكنها لم تتحرك الى المناطق النائية بسبب عدم توفر السائقين واذا كان الامر كذلك فلتأتي الينا حيث لن يعجز الناس هنا عن تشغيلها. ومضى يقول ايضا قامت وزارة الكهرباء والماء في وقت سابق بحفر بئر جوفية وأوصلت اليه مكائن الضخ بيد ان العمل توقف عند هذا الحد وحين تسأل عن السبب تسمع اجابة مفادها قلة الماء او ارتفاع ملوحتها. واضاف المحرزي: نحن نقبل بمثل تلك المبررات في ظل الظروف الراهنة ولكن يتعين على الجهات الخدمية عدم الاقدام على تنفيذ عمل إلا بعد التأكد من جدواه. قاب قوسين من الهلاك وكما هي الحال عندما تتفاقم ويبقى الناس قاب قوسين او ادنى من الهلاك فإن اهل الخير يتحركون لتقديم يد العون الى المحتاجين بدافع الاجر من الله, ففي قرية العيلي يمد المواطن جمعة المحرزي السكان بالماء من مزرعته.. وكذلك يقوم سعيد مصبح القايدي امير المنطقة بتزويد مدرسة شوكة للبنات بالماء. الى جانب ذلك تتولى الشركات العاملة بالمنطقة المساعدة في توفير احتياجات القرى من الماء. وذكر المحرزي مسئول البلدية بالمناطق الوسطى: ان اهل المنطقة ينظرون بكثير من الاجلال والتقدير والعرفان لكل جهد يعينهم على محنتهم ولكن المطلوب هو السعي لايجاد حل جذري يخرج المواطنين وحيواناتهم وزراعتهم من المشكلة. وقال المحرزي: حينما يتوفر الماء الصالح للشرب والاستخدامات الاخرى فإن من شأن ذلك ان يؤدي الى تنمية المناطق النائية وتشجيع الموظفين والشركات للعمل فيها فالعطش يعتبر مبررا للهروب من القرى خاصة العاملين في قطاع التعليم. وبالرغم من مرارة المشكلة فإن المواطنين يتمسكون بأرضهم وتتملكهم مشاعر التفاؤل بأن الله سينزل عليهم غيثا غزيرا, يروي الارض ويسقي الناس وحيواناتهم ومزارعهم. وقال سعيد مصبح القايدي امير المنطقة نحن نؤمن بأن مع العسر يسرا, وها هي الدلائل تشير الى ان مشكلة الماء عندنا بلغت العسر الذي يتبعه الفرج. البحث عن قطرة ماء واضاف انه منذ ثلاث سنوات واهل المنطقة الذين تزيد اعدادهم على المئات يتجشمون مشاق البحث عن قطرات ماء يشربونها او يطبخون بها اكلهم او ينظفون بها انفسهم وملابسهم. ويتوقف القايدي عن الكلام للحظات ثم يتابع حديثه بصوت مرتفع حيث قال لم نشعر بالحرج الذي نحن فيه إلا عندما غادرت صهاريج الهلال الاحمر المنطقة لتبقى سيارة وزارة الكهرباء والماء بمفردها تزود السكان بمعدل يوم واحد كل اسبوع بكمية قليلة من الماء لا تصلح للشرب. ويشتكي من الاهمال الذي تعانيه المناطق وذكر ان الوزارات المعنية بتقديم الخدمات للمواطنين لا تعبأ باحتياجات الناس في القرى بل تركز جل اهتمامها على المدن. وقال القايدي تفتقر القرى النائية للكثير من الخدمات الضرورية مثل الماء والصحة والتعليم والزراعة. وكشف عن ان ظاهرة العطش افقدت المواطنين جل حيواناتهم التي حرصوا على تربيتها منذ القدم وهي تمثل بالنسبة لهم مصدر دخل اضافي يعينهم على مجابهة ظروف المعيشة المتزايدة كما ادت الى نفوق الكثير من الحيوانات السائبة مثل الحمير والطيور. وحذر امير شوكة من استمرار العطش مبينا ان من شأن ذلك ان يؤدي الى كارثة مروعة لا يعرف إلا الله مداها. المشكلة ملحة بالمدارس ومن جانبه يرى خلفان بن سعيد بن خميس الذي يعمل حارسا بمدرسة البنات انه يمكن تحمل كل المشاكل عدا العطش. ويقول لقد تسبب انعدام الماء في ديارنا في دمار مزارعنا ونفوق حيواناتنا وعطل كل انشطتنا. واضاف ان مشكلة المياه تبدو اكثر قساوة بالمدارس حيث تقتضي الضرورة وجود الماء بصورة دائمة ليتمكن الطلاب والطالبات من اداء مهامهم التعليمية. اما مطر بن علي بن سالم البالغ من العمر 85 عاما فقد ذكر ان خبر وصول سيارات الماء الى القرية هو الشيء المفضل دون سائر الاخبار. وقال عندما يصل الى مسامعنا خبر كهذا نحرج وفي ايادينا حافظات الماء فالمهم هو ان تأتي ولو بقطرات من الماء الى اطفالنا. واعرب عن امله في ان تجد مشكلة شح المياه في دياره الحل المطلوب قبل ان ينقضي عمره ويفارق الحياة. وبالنسبة لجيل الشباب فإنهم ينظرون الى القضية بألم وقلق حيث يعتقدون ان انعدام المياه يعيق تطلعاتهم ويهدد استمراريتهم في قراهم. وقال علي سالم القايدي الذي يدرس في جامعة عجمان ان من المشقة بمكان ان يعيش الانسان حياة عصرية في منطقة خالية تماما من الماء. واضاف بالرغم من حبنا اللارض التي ولدنا فيها إلا انه مع ظروف العطش ربما نجد انه لا مفر من الهرب الى حيث يستمتع الآخرون بحياة هانئة لا ينقصها شيء. محمد عثمان علي مصبح الطالب بالمرحلة الاعدادية ذكر ان الاحوال المريعة التي سببها نقص المياه في القرى النائية اثرت سلبا على الشباب الذين يقضون جزءا كبيرا من اوقاتهم في البحث عن الماء بدلا من الانصراف الى استذكار دروسهم او مزاولة انشطتهم. وقال نحاول الحد من استخدام المياه لاجل المحافظة عليها.. وبالرغم من ذلك فإن الرائحة الكريهة تنبعث من حمامات المدارس والبيوت. ومن جانبه طالب مبارك علي الشامسي مدير عام البلدية برأس الخيمة بحل عاجل ونهائي لمشكلة المياه بالقرى النائية وقال ان الحل الذي اراه مناسبا هو البحث عن حقول لمياه عذبة وربطها بشبكات تغذي القرى باحتياجاتها من الماء. واوضح انه اذا تعذر توفير المياه الصالحة للشرب فإن بمقدور وزارة الكهرباء والماء عمل محطات تحلية للمياه الجوفية المالحة. وحذر الشامسي من التساهل مع المشكلة حيث اوضح ان المناطق النائية تتنامى سكانيا بشكل سريع الامر الذي يستدعي توفير المياه لها بأسلوب عصري ناجع.