دعا سمو الشيخ سلطان بن زايد ال نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس نادى تراث الامارات الى اعادة كتابة التاريخ واكتشاف التراث العربى والاسلامى بشكل جديد يناسب واقعنا ويمثل رويتنا وتفسيرنا ولن يكون ذلك الا بالمنهج العلمى والمنطق السليم والحكمة والحجة وتضافر الجهود فى هذا المجال. وأشار سموه الى أهمية (ندوة تاريخ العلوم عند العرب) التى يستضيفها مركز زايد للتراث والتاريخ فى التعريف باسهام المسلمين الاوائل فى مجالات العلوم وزيادة ثقة العلماء العرب بشكل عام والشباب منهم بشكل خاص بأنفسهم وبقدراتهم. وقال سموه أن هذه الندوة فرصة طيبة لاضفاء مزيد من الاحترام والتقدير لاسماء خالدة فى تاريخ أمتنا ونجوم لامعة فى سماء العلوم مثل ابن حيان وابن الهيثم وغيرهما. جاء ذلك فى اللقاء الصحفى الذى أجرته مع سموه وكالة انباء الامارات بمناسبة انعقاد الندوة العالمية السابعة لتاريخ العلوم عند العرب والتى ينظمها مركز زايد للتراث والتاريخ بالتعاون مع جامعة حلب بسوريا تحت رعاية سموه بفندق روتانا العين خلال الفترة من 12 الى 15 نوفمبر الحالى بمشاركة نخبة من كبار المؤرخين والباحثين والمختصين فى التراث العلمى العربى من الدول العربية والاجنبية يمثلون العديد من الجامعات والمنظمات والمراكز والكليات ذات الاهتمام بموضوع الندوة. قداسة تراث الأمة وفيما يلي نص اللقاء * سمو الشيخ سلطان بن زايد.. بداية نود ان نتعرف على رؤية سموكم لأهمية مثل هذه النوعية من الندوات. ــ لقد امنت دائما بقداسة تراث الامة ورأيت فيه ميراثا ممتدا وأداة تواصل بين مختلف الاجيال السابقة والحاضرة واللاحقة. ولهذه الاعتبارات جميعها أتصور أن هذا النوع من المبادرات واللقاءات بين نخبة الامة الباحثة والمهتمة بالتراث هو فرصة لتكريس الاعتقاد بقيمة وعظمة الماضى التاريخى لهذه الامة وطبيعى القول أن عظمة المستقبل تستند دائما الى مخزون الماضى فى كافة صوره وفى جميع مجالاته. وبالتأكيد فان اسهامات أمتنا التاريخية والعلمية والانسانية أكبر من عدها وفى مختلف المجالات وفى مقدمتها الاسهامات العلمية والفكرية فنحن أمة احتكمت دائما الى العقل واعتمدت دائما العلم والكلمة فى خطابها وفى مسارها التاريخى والحضارى والتراث العربى وحده كان المساهم الابرز فى مد جسور النهضة الانسانية الحاضرة والقائمة حاليا. لذلك فالمهمة الملقاة على عاتقنا حاليا هى ايجاد ومد هذا التواصل بين هذا الارث الحضارى العملاق وأحد أساليب تحقيق ذلك هو اكبار وتقدير جهود علماء الامة السابقين وتعريف الاجيال الحاضرة بهذا الزخم العلمى وهو ما يعزز افتخارها بانتمائها الحضارى والتاريخى. أنى أتوخى وأتوسم دائما خير الامة جمعاء فى مثل هذه المناسبات وذلك لاعتقادى العميق أننا أمة تستند الى ماض مشرق وتملك مخزونا ذهنيا وروحيا وأخلاقيا وافرا وأن كل ذلك كفيل بتغيير دفة التاريخ فى اتجاه طموحها ونحو أهدافها الكبرى. ولربما تحديات الواقع العربى اليوم والذى هو جزء من الواقع الانسانى الشامل تعزز المطلب الملح علينا وخصوصا فى ظل الحملة العنيفة التى تتعرض لها صورة الانسان العربى فى صور وكتابات الاعلام الغربى. اننا أمة أضاءت شموسا كثيرة فى سماء الانسان وافضال علمائها أكبر من حصرها فى المحافل التاريخية ولذلك فالواجب يحتم علينا تصحيح هذه الصورة المغلوطة عنا شكلا ونصا وروحا والدفاع عن حقيقة انجازاتنا المشرقة التى تملأ وتصنع تاريخ هذه الامة ذلك بعض من كثير حق التاريخ والاجداد علينا وفى وذلك أفضل السبل لرد الاعتبار لكرامتنا ولاشراقة انجازاتنا فى المسار العلمى والانسانى اجمالا لانه اذا كان واجب الاجداد قد توقف عند عظيم انجازاتهم فواجبنا الاخلاقى والانسانى هو الدفاع عن هذا التراث وتقديم حقيقته للانسان وللتاريخ فى أصدق الصور انصافا للحقيقة الانسانية فى كل زمان وفى كل مكان. حركة الاستشراق * سمو الشيخ سلطان بن زايد.. كلام كثير قيل فى حركة الاستشراق وأسهاماتها فى تشكيل الرؤية الغربية عن الحضارة العربية.. فماذا يقول سموكم عن هذه التجربة؟ ــ اسمح لى أن أضيف الى سؤالك منحى اخر مفاده أن الاستشراق لم يشكل صورة الحضارة العربية عند النخبة الغربية فقط انما استطاع أن يصل الى تشكيل صورة للحضارة العربية حتى عند أبناء الامة العربية وتلك ربما واحدة من دلالات المفارقة التاريخية. ولكن هذا الواقع يطالبنا بأمرين أولهما اعادة صياغة وسائلنا وصناعة صورتنا فى الذاكرة الانسانية بالشكل الذى ينصف الحقيقة التاريخية ويعزز من قيمة الانجاز التاريخى وهذه مهمة أبناء الامة على اختلاف مواقعهم وذلك اقتناعا من أن أبناء الامة هم الاكثر ادراكا ووعيا بموروثهم التاريخى والاصدق فى تناوله والانسب لقراءة روحه وتفكيك أسراره. لانه وللحقيقة نقول ونحن لا نظلم جهود الاخرين أن كثيرا من الكتابات المستشرقة جانبت الصواب فى قراءاتها للتجربة الحضارية العربية لسبب فى غاية البساطة وهو عدم قدرتها على التوغل فى جذور التجربة وفهم بيئتها ومحيطها ومرجعيات الانسان العربى على تعددها وتنوعها وغناها. وأما الامر الثانى وحتى لا نظلم اخرين فأن من كتابات الغربيين المستشرقين ما بذلت فيه جهود كبيرة وكثيرة أضاءت أجزاء ظلت مظلمة ومظلومة فى التصور الغربى عن الحضارة العربية وهى جهود فى العموم تجد لها التقديرالكبير لدينا كأمة وكأفراد ونحن ندرك ونعرف من أراد خدمة حقيقتنا التاريخية وندرك أيضا جهودا استهدفت فيما استهدفت تقزيم المنجز الحضارى وتشويش صورة الانسان العربى من خلال تشويه ماضيه وتراثه وحضارته. تعزيز الانتماء لتاريخنا * سمو الشيخ سلطان بن زايد.. كيف يتصور سموكم عملا منهجيا لاعادة الاعتبار لصورتنا الحضارية والتاريخية فى الذهنية الغربية؟ ــ لقد كان ايماننا مرتبطا دائما بالعمل فيما يتعلق بقضايا المصير الكبرى وايماننا أعمق من أي تصور اخر أن وسيلتنا الوحيدة هى الصدق فى تناول موروثنا الحضارى واعادة بناء صورته بشكل ينصف الاسهام العربى المتميز والفاضل فى التراث الانسانى فاذا كانت دورة التاريخ حاليا قد اختارت موقعا اخر غير موقع أمتنا فان ذلك لا يلغى اسهامنا الحافل والانسانى والمجيد فى صناعة الواقع الانسانى على امتداد عصوره وعلى اختلاف أزمنته.. فسلاحنا فى معركة العالم هذه هو مزيد من تعزيز الانتماء الى تاريخنا ومزيد من التأكيد على خصوصية البريق فى اسهاماتنا الحضارية والتاريخية.. فالايمان بالمعركة هو جزء من أدوات الانتصار فيها خصوصا أمام تحديات قرن جديد ومعركة هوية فى أصقاع العالم ومشروع عولمة كفيل باحتواء جميع الكيانات الثقافية التى تقدم طروحات بديلة للمشروع الحضارى القائم والسائد للازمنة المقبلة. * سمو الشيخ سلطان بن زايد.. ماذا يأمل سموكم من الندوة وماذا يقول للمشاركين فيها؟ ــ أسأل الله لهم جميعا صادق التوفيق فى مهمتهم النبيلة لان خيار الدفاع عن ذاكرة الامة مهمة فى غاية النبل والقداسة وفى تقديرى الشخصى أن معركة الدفاع عن الماضى هى معركة للدفاع عن صورة المستقبل ولذلك أنى أجد بداخلى أكبارا صادقا وخالصا لجهودهم الشخصية فى هذه المعركة وأجدنى أيضا أحد العاملين فى هذا الحقل العلمى وفى هذا المسعى الانسانى النبيل المساهم فى تقديم أعظم وأصدق صورة عن أمة خاطبها الله بالقراءة وأشاعت النور فى دنيا الناس عندما كانت الانسانىة تضع خطواتها الاولى فى طريق الادراك والنور. وفقهم الله ووفقنا جميعا لخدمة صالح أمتنا وخير شعوبنا. يشار الى ان الندوة تهدف الى التعريف بالمساهمة التي قدمها العلماء العرب المسلمون للحضارة الانسانية في مجالات العلوم التطبيقية وكيفية انتقال هذه العلوم من الشرق الى الغرب. وستكون اهم موضوعات الندوة: تاريخ العلوم عند العرب وسيشتمل على الرياضيات, الكيمياء, الفلك, الفيزياء, الجيولوجيا, النبات والحيوان, وتاريخ الطب عند العرب وسيشتمل على: الطب, علم الادوية, البيطرة, علم الاعشاب, علم الكحالة, وتاريخ التكنولوجيا عند العرب وسيشتمل على: الهندسة الميكانيكية, الهندسة الهيدروليكية, الهندسة المعمارية, الهندسة المدنية, الهندسة الحربية والصناعات الكيميائىة. ومن المقرر ان يشارك في الندوة باحثون وخبراء ومستشرقون من مختلف دول العالم ويصل عددهم الى 75 مشاركا يقدمون بحوثا ودراسات لتغطية الموضوعات الرئيسية في الندوة, وسيكون هناك محور لتكريم احد الذين كان لهم تأثير ودور فاعل وبارز في الحضارة العربية الاسلامية, وقد اختير لهذه الندوة العالم اللغوي الشهير (ابن منظور), ليكون شخصية المؤتمر الرئيسية وهو جمال الدين ابو الفضل محمد بن مكرم بن علي وقيل رضوان بن احمد بن ابي القاسم بن جبقة بن منظور الانصاري الافريقي المصري صاحب لسان العرب في اللغة الذي جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة والنهاية, ولد في المحرم سنة 630, جمع وعمر وحدث واختصر كثيرا من كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد والذخيرة وغيرها. وكان فاضلا في الادب, عارفا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة, وتوفي في شعبان 711 حيث سيدرس من جوانب مختلفه, عصره, حياته, مؤلفاته, منهجه العلمي, كما ستقدم نماذج من مؤلفاته وأقوال العلماء فيه. وستكون هناك مشاركات عدة ومتنوعة من دول عربية واجنبية, واهم الدول المشاركة في الندوة, لبنان, سوريا, العراق, مصر, الاردن, السعودية, الكويت, البحرين, سلطنة عمان, اليمن, فلسطين, الجزائر, المغرب, اسبانيا, فرنسا, امريكا, بريطانيا, المانيا, تركيا والهند, اضافة الى العديد من الجهات المشاركة محليا وعربيا وعالميا من منظمات ومراكز وجامعات وهيئات وسفارات في دولة الامارات العربية المتحدة. وكانت قد عقدت الدورات السابقة للندوة في جامعة حلب بسوريا بالتعاون مع معهد حلب للتراث العلمي, وندوة اخرى في الكويت بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب, وندوة في غرناطة بأسبانيا بالتعاون مع معهد العالم الاسلامي. كما ستقام على هامش الندوة معارض صور من المخطوطات العلمية في علم الفلك و الابراج وصور لمشاهير العلماء العرب وصور عن أهم الزخارف الاسلامية في المخطوطات من مركز الملك فيصل, وعن المقتنيات الأثرية من دار الآثار بالكويت, ومعرض لآخر اصدارات المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة, ومعرض للأعشاب من مجمع زايد الطبي.