نحن والفضائيات والتعليم

لم يعد الدش امرا معجزا اليوم لاي عائلة فقيرة كانت او غنية اذ اصبح سعره سعر غداء او عشاء يشتريه رب العائلة لعائلته. وفي اعتقادي ان هناك من الناس من يفضل ان يصوم عن الطعام والشراب, ولا يصوم عن مشاهدة القنوات الفضائية. لذلك فإن اطباق الفضائيات تملأ اسطح بيوت أئمة المساجد, مثلما تملأ اسطح اليبوت العادية. اقول ومن حقهم ذلك, لان لهم اولادا كما لنا اولاد, ولهم قلوب كما لنا قلوب, وفي بعض المرات يحبون ان يتابعوا برامج معينة تهمهم. من اجل ذلك فإن الرغبات تمازجت, والقلوب اتحدت حول اهمية وجود القنوات الفضائية في كل بيت, حتى اصبحت من الضروريات بعد ان كانت من الكماليات او التحسينات. لكن الذي لفت نظري هو ان هناك تنافسا بين هؤلاء الناس, فمنهم من يكتفي بعربسات ومنهم من يضيف اليه نايل سات, ومنهم من يضيف اليهما الدشات التي تلتقط القنوات الاجنبية. حتى ان بعضهم يقول لدي 95 قناة ما بين العربية والاجنبية. انني اتساءل: هل هو في حاجة الى كل هذه القنوات؟ ثم هل وقته يسمح له باستعراض هذا الكم من القنوات؟ ثم ما البرامج التي شاهدها, او تستولي على مشاعره؟ هل هي دينية ام ثقافية, ام تربوية, ام اجتماعية, ام سياسية, ام كوميدية, ام اقتصادية, ام صحية؟ لاشك ان بعض الناس سوف يذهب الى القول بأنه يتابع احد هذه البرامج, وبعضهم يقول انا انوع, بمعنى انه يشاهد هذا قليلا وذاك قليلا, وبعض آخر سوف يقول انا لدى كل القنوات لكني لا اشاهد التلفاز لأني لست متفرغا لمثل هذه الاشياء. اما الصنف الاول فأنا لا اصدقه, لانه لو كان يتابع برنامجا من هذه البرامج لما تكلف بأن يضع كل الدشات على سطح بيته, والصنف الثاني اصدقه اذا قال اتابع هذا قليلا وذاك قليلا لكني لا اصدقه اذا قال: ومع ذلك انا اقوم بواجبي نحو العمل الوظيفي وتربية اولادي واداء الفرائض. واما الصنف الثالث الذي يقول لدى كل القنوات ولكني لا اجد وقتا لمتابعتها فإنني اعتقد انه اصدقهم وهو اكثر واقعية, لان معظم الناس المنتجين اليوم كذلك, حيث انهم مشغولون بأسواقهم وتجارتهم, لكنهم اغرقوا بيوتهم بمثل هذه الوسائل للترفيه عن عيالهم. وانني اود ان اسأل: هل الترفيه يجب ان يستغرق كل وقتنا في اليوم والليلة, ام ساعة وساعة, لان القلوب اذا كلت عميت. نعم.. يقول الحديث ان القلوب اذا كلت اي تعبت من العمل عميت, اما اليوم فإن القلوب عميت من السهر والارهاق مع المسلسلات والبرامج الهابطة. وانني كنت اسمع من بعض الناس يقول: هذه القنوات ليس فيها شيء يفيد, بل كل برامجها حب وخلاعة, او مسلسلات عنف واجرام, او مسرحيات هادمة, لماذا لا تكون هناك قنوات موجهة؟ وبرامج علمية نافعة؟ كنت اسمع ذلك ومازلت اسمع ولكن صدقوني اذا قلت ان اولئك غير صادقين في اقوالهم, بدليل ان القنوات المتخصصة والبرامج العلمية وجدت اليوم, وهي معروضة على الناس في بيوتهم بكرة وعشيا, وبالغدو والآصال. لكنهم والله ثم والله يقولون ما لا يفعلون ويظهرون غير الذي يضمرون, إنهم يتتبعون قنوات اللهو في التلفاز قناة قناة, ولو وجدوا قناة تبث برنامجا علميا بدلوها فورا بأخرى. انظر الى قناة اقرأ مثلا تجد القليل من الناس يعرف عنها, ثم انظر الى نايل سات ايضا التي تضم ما يقارب من عشرين قناة تعليمية ترضى الصغار والكبار, تجد الناس لا يتابعونها حق المتابعة, لماذا؟ لانها علمية وثقافية وادبية. مع العلم بأن التوجهات العالمية اليوم تشجع على التعلم عن بعد وما هذه القنوات إلا مدارس وجامعات مفتوحة لمن اراد ان يتعلم. اقول هذا لاني رأيتها تقدم برامج تعليمية للطلبة في المراحل المختلفة اي ما قبل الجامعة وما بعد الجامعة ورأيتها تحاور وتناقش اهل الاختصاص وتجيب على تساؤلات الناس وهم في بيوتهم. تفعل الدول ذلك ومع ذلك فإن الشعوب تتهمها بأنها لا تقدم البرامج الهادفة. نعم لا اقول ان كان ما يقدم علميا ونافعا, فكل حلو لابد ان يصاحبه مر, لكن اقول: هل احتفيتم بالحلو مثل احتفائكم بالمر؟ أو هل استقبلتم النافع مثل استقبالكم للضار؟ بالطبع تقولون لا, اذن فأنتم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. ان العلم يا سادة ليس شربة ماء يشربها الانسان بل سهرا وجدا ومثابرة. فمن اراد ان يكون طبيبا عليه ألا يدخل القسم الادبي مذ هو في المرحلة الثانوية ومن اراد ان يكون شاعرا يجب ان يكون متذوقا للشعر اولا ويحفظ اشعار العرب الاصايل قبل ان يكتب خراريف ويسميها شعرا. ومن اراد ان يكون رجل مال واقتصاد لا يملأ مخزنه بالبصل ثم ينتظر غلاء الاسعار. نعم.. لا يمكن ان يجمع المرء بين حب المال والاسراف في آن واحد, ولا بين الجد والكسل, ولا بين العمل والبطالة, ولا بين العلم والجهل. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ان السفينة لا تجري على اليبس يجب ان نعترف بأننا امة نحب الكسل, والجد لغيرنا, ونحب الجهل, والعلم لغيرنا ونحب الادعاء والحقيقة لغيرنا. هذا هو واقعنا وإلا فلماذا لا نتابع البرامج العلمية الهادفة, مع العلم اننا كنا نتمناها يوما من الايام؟ لقد صدق الشاعر الذي يقول: يتمنى المرء في الصيف الشتا واذا جاء الشتا انكره لا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الانسان ما أكفره ان المسألة مسألة تعويد ياسادة, فكما اننا لا نحب القراءة ومشاهدة البرامج العلمية لاننا ما تعودناها منذ الصغر, فإن اولادنا سوف يتربون على طبعنا, ولن يحبوا القراءة لانهم كما قال شوقي رحمه الله: وينشأ ناشىء الفتيان فينا على ما كان عوده ابوه ان العصر الذي نعيشه لم يترك لنا باب علم إلا فتحه علينا, لكننا اغلقنا اذاننا, واغمضنا اعيننا. انظر الى الحاسوب كيف تحول الى جبال علم مذوبة في اقراص او مختزلة عليه, فما عليك إلا ان تفتح الجهاز ثم تقرأ وتسمع وترى, ولا فرق عنده اذا كنت صغيرا او كبيرا, لانه رفع عنك عناء القراءة والكتابة. فالكبير وفر له ما يناسبه, والصغير اوجد له ما يناسب مراحل عمره. وانظر الى التلفاز كيف يجسد امامك كل صغيرة وكبيرة في الدنيا, ويربطك بفلان الجندي وفلان العالم وفلان الطبيب وفلان المهندس من غير ان تغادر انت مخدعك. في حين ان الامام البخارى قطع البر والبحر للوصول الى شيخ في أقصى بلاد العالم, سمع عنه بأنه يحفظ حديثا من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يوجد عند غيره من الرجال. شد الرحال اليه فعلا, وبعد وصوله رآه ممسكا بأطراف ثوبه وكأنه يوحي لدابته بأن في حضنه شعيرا, فقال البخاري ولماذا تفعل ذلك؟ قال لانها شردت وانا اريد ان اقبض عليها, قال البخارى: وهل عندك شعير؟ قال: لا قال البخاري: اذن فإنني عائد الى بلدي, قال: ولماذا اتيت الى هنا؟ قال: لقد سمعت بأنك عندك الحديث الفلاني ترويه عن رسول الله, قال الرجل: نعم هو عندي, قال البخارى: ولكني لا أريده الآن. قال الرجل: ولماذا؟ قال البخاري: لانك كذبت على الدابة المسكينة فأخشى ان تكذب على رسول الله ايضا. هؤلاء هم سلفنا كانوا يشدون الرحال في طلب العلم, ويتكبدون عناء السفر, ولا يرون في ذلك بأسا بل يجدون متعتهم في ذلك العناء, اما نحن فإن العلم يشد الرحال الينا ومع ذلك فإننا منصرفون عنه ولاهون, وهذا يعني اننا امة ضحكت من جهلها الامم, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات