هناك آية في القرآن الكريم ترتبط بالمسجد الاقصى مباشرة وهي قول الله تعالى: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا). وهناك حديث يرتبط بالاقصى مباشرة ايضا وهو: (لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد, مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاقصى). وهناك القضية الفلسطينية التي ارتبطت بها القدس, باعتبارها عاصمة فلسطين. في الواقع ان تلك الآية الكريمة يقرأها كل قارىء باعتبارها آية من سورة تتلى كما تتلى سائر سور القرآن, كما ان ذلك الحديث النبوي الشريف تردده الحناجر وتكتبه الاقلام كلما جادت مناسبة, وربما استشهد بهما اناس عاديون جدا لماذا؟ لانهما اصبحتا ورد لسان كل واحد منهم. والقضية الفلسطينية اليوم كادت ان تكون كلمة مستهلكة ايضا تتردد على ألسنة الشعوب العربية, وذلك نظرا لطول المدة التي اخذتها القضية من غير ان تجد حلا لها. واقول الشعوب العربية لانني على يقين بأن وسائل الاعلام الغربي تعتم على القضية الفلسطينية, وتبرز اسرائيل كدولة, وانها هي صاحبة القضية والحق في الارض. ان فلسطين منذ عام 1948 الى هذا اليوم تنتقل من وهن الى وهن, ومن مساومة الى مساومة ويحاك امرها في الخفاء لذلك فإنه كلما اشتدت ضراوة قتال العدو بأهل فلسطين المرابطين في الاراضي المحتلة ظل الفلسطينيون يرددون بكل مرارة: وين الملايين؟ وين الملايين؟ وين وين؟ الشعب العربي وين؟ الشرف العربي وين؟ الدم العربي وين؟ وعندما لا يجدون من يرد على تساؤلاتهم يجيبون انفسهم بأنفسهم قائلين: أكتب يا زمان الثورة عنوان والثورة ايمان هذه التساؤلات في الواقع تجعلنا نطرح سؤالا آخر ألا وهو: هل القضية الفلسطينية فلسطينية ام انها عربية اسلامية؟ اعتقد ان تعنت اسرائيل لا يقف عند حد نزع فلسطين من ايدي الفلسطينيين, بل يتعدى الى نزع المسجد الاقصى من ايدي العرب والمسلمين. اذن فإن الخلاف على المسجد الاقصى باعتباره اولى القبلتين والقبلة هي قبلة العرب الذين حملوا الاسلام الى كل مكان, وبالتالي فإن الاقصى اصبح مشاعا في المسلمين اينما وجدوا. والفلسطينيون اليوم وهم سلالة عرب كنعان حماة القدس العربية الاسلامية, فمن يريد المسجد الاقصى يجب ان يحمي مدينة القدس ومن اراد ان يحمي مدينة القدس يجب ان يوفر الحماية للفلسطينيين الذين يرابطون في الداخل. اذن من حقهم ان يستنجدوا بإخوانهم العرب والمسلمين جميعا اينما وجدوا, لان الرباط الذي بينهم وبين العرب المسلمين هو المسجد الاقصى. ان المسجد الاقصى هو هذا الذي يتقاتل عليه اليهود والمسيحيون والمسلمون, ولكل منهم حاجة في النفس يريد ان يقضيها كالحاجة التي كانت في نفوس يعقوب, إلا انه من المؤكد في النهاية ان المسجد الاقصى للمسلمين جميعا, والقدس عربية اسلامية, والتنازل عنهما كالتنازل عن الحرمين الشريفين. ياترى اذا عرفنا ان جيلا كاملا منا ولدوا بعد ذهاب الاقصى من ايدينا وبعد ان باتت جيوش الاحتلال تعبث بمقدساتنا فمن يفهم هؤلاء ان هذه المقدسات هي مقدساتنا, ويجب ان تعود الى سيادتنا نحن العرب؟ لاشك ان اطفال فلسطين البواسل يرضعون هذا الفهم من امهاتهم, وانتفاضتهم اليومية ما هي إلا دليل على طهارة اللبن الذي درت به اثداء امهاتهم, وهم اثبتوا فعلا بأنهم أولاد الحلال, نزلوا من اصلاب ابائهم الرجال. لكن لا يكفي ان يفهم ذلك ابناء فلسطين الصامدون داخل الارض المحتلة بل يجب ان يفهمه ابناء فلسطين الذين يعيشون خارج الارض في الدول العربية او الدولة الاجنبية الاخرى. هؤلاء قد تشغلهم الحياة والتجارة والمال وربما ضعف حماسهم لان الذي يرى النار من بعيد ليس كالذي يده في النار. ويجب ايضا ان يفهم ذلك ابناؤنا نحن العرب جميعا, لاننا امة واحدة فكما ان للعالم مجموعات واحلاف ومنظمات تربطهم ببعض, فإن لنا اواصر اكبر مصداقية منها. فالقرآن رابط, والدم رابط, واللغة رابط, والتاريخ رابط, والدين ر ابط. اذن فإن مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة يجب ان يحتل صفحة من صفحات كتب التاريخ والتربية الوطنية في مدارسنا, وامه الصابرة يجب ان لا تغيب عن اذهان الامهات في كل البلاد العربية. نعم ان الدنيا دول, والدنيا دولاب والمحن دوارة لذلك يجب ان ندرس ابناءنا بأن التصدي لرصاصات العدو ليست عملية انتحارية, بل عملية قتالية وفدائية مشرفة. فلنعد انفسنا لمثل هذه اللقاءات اذن حتى لا يفاجئنا الموت, ولا يفاجئنا العالم بتخليهم عنا, كأننا لسنا من العالم. انني اليوم انظر الى ما يدور في الاراضي المحتلة من انتهاك حقوق الانسان ومن الكيل بمكيالين ثم اتذكر قول الشاعر الذي يقول: قتل امرىء في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمين مسألة فيها نظر كنت اتمنى ان تنبعث الكراهية والبغضاء من قلوب اعدائنا فحسب وكنت اظن ان عدونا واحد وليس كل ابناء العالم, لكن اتضح لي اليوم صحة المثل العربي القائل (ما حك جلدك مثل ظفرك). واتضح لي ايضا صحة ما قاله الشاعر: اذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى. لكن الظاهر ان الجميع ضدنا لشىء واحد وهو ما عناه المثل الشعبي الذي يقول: (الي موب على دينك لا يعينك). هذا الشعور يجب ان نطبع عليه ضمائر اطفالنا قبل ان نفتح عليه اعينهم, فأعينهم سوف ترى من خلال القنوات الفضائية ما يصدق وما لايصدق لكن ضمائرهم الصغيرة يجب ان ندغدغها بهدوء حتى تتفتح وتدرك وتحس بالحقائق كما نحس نحن الكبار اذ انهم كما قيل: وينشأ ناشىء الفتيان فينا على ما كان عوده ابوه نعم.. .. .. ولا شيء اقوى واهم من الشعور, لذلك فإن الله يثيب المؤمن على نيته الطيبة حتى لو ما تمكن من العمل. وفي الحديث (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية). انظر الى المواطن الاماراتي الذي بلغ به حماسه للقدس وتعاطفه مع اطفال الحجارة الى درجة ان يتعهد بأن يرسل لاطفال فلسطين عدة حمولات من الكونكريت والمقاليع ليقذفوا بها الاعداء. هذه الفكرة ربما يستهجنها بعض الناس لكنها عند الله عظيمة وعظيمة, ولا يقل أجر صاحبها عند الله من اجر اي فدائي مرابط على الثغور, لان شعوره حركه, ومثل هذا الشعور لا ينبعث إلا من ضمير مفعم بالايمان بالله محب للوطن. فلتكن اذن مثل هذه المشاعر النبيلة جزءا مما ندرسه لابنائنا حتى لا تموت ضمائرهم قبل ان تموت اجسامهم وصدق الشاعر اذ يقول: اقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم انسان ولنعلمهم ايضا بأن الذي يقول لنا: (انا أقاتل اذن انا موجود) نجيبه فنقول (انا اقاوم اذن انا موجود). فتحية مني لكل طفل فلسطيني صامد في الاراضي المحتلة, يقدم نفسه قربانا للقدس, وتحية لكل فلسطيني يحمل تلك الروح وهو خارج الارض المحتلة, لكنه يقدم نفائسه قربانا لمحمد جمال الدرة وامثاله. وتحية لكل من يقف موقفا عادلا من القضية الفلسطينية العربية في الشرق كان ام في الغرب أليس كذلك؟ بقلم: د. عارف الشيخ