كانت تلك اللقطات التي التقطها المصور الفلسطيني للطفل الشهيد محمد جمال الدرة بمثابة نقل حي لبعض التصرفات الهمجية الخالية من ادنى معاني الانسانية التي يمارسها القراصنة الاسرائيليون في حق الشعب الفلسطيني, هذا الشعب الصامد المناضل الذي كثيرا ما ذرف الدم قبل الدمع و تحامل على تلك الجروح المتناثرة في ارجاء جسده العربي الاصيل, هذا الشعب المسلم الذي اتخذ من الحجارة المبعثرة في الشوارع سلاحه لاستمرارية رحلة الكفاح التي بدأت منذ ان خط اليهود اقدامهم النجسة فوق ثرى هذه البقعة الفلسطينية الطاهرة التي تحتضن بين جنباتها المسجد الأقصى الذي يمثل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. جاءت لحظات استشهاد الطفل الدرة لترجع للعرب وحدتهم, ولتتكاتف الأيادي وتندمج في يد واحدة قوية ضاربة, يد تمزق كل اوراق الادعاءات الصهيونية ومن ابرز تلك الادعاءات الملفقة والتي لا يختلف عليها اثنان هو ما وصفه الاسرائيليون بالعنف فيما يتعلق بحادثة اختطاف الجنود الاسرائيليين الثلاثة, حيث اعتبروا هذا العمل عنفا بينما تغاضوا عن الكيفية التي استشهد بها الطفل الدرة واعتبرها الغرب أمرا عاديا لان الاصابة تمت في عملية تبادل اطلاق نار, رغم الدليل الواضح بأن العملية مقصودة. وحول حادثة الاستشهاد والموقف الاماراتي الداعم للشعب الفلسطيني مرورا بآخر التطورات على الصعيد الفلسطيني كانت لنا هذه اللقاءات مع والدة الشهيد الدرة والقنصل العام لدولة فلسطين ووزير الاتصالات بالسلطة الوطنية الفلسطينية في القنصلية خلال الزيارة التي قامت بها والدة الطفل محمد للامارات. آمال والدة الشهيد الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة الذي لقي وجه ربه في غزة على ايدي قوات الاحتلال الاسرائيلي خلال الانتفاضة المباركة للشعب الفلسطيني التي مر عليها اكثر من اسبوعين وفي القنصلية العامة لدولة فلسطين في دبي التقت (البيان) بأم الشهيد محمد الدرة التي جاءت في زيارة لدبي واستقبلها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بقصره في زعبيل واثنى على صبر وايمان أم الطفل الشهيد وعلى مواقف الفداء والبطولة والصبر الذي تتحلى به المرأة الفلسطينية. وفي الحوار التالي اشادت امال ام الشهيد بموقف دولة الامارات العربية المتحدة تجاه تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني كما عبرت عن مشاعر الفخر والاعتزاز بهذه الشهادة وانها مستعدة ان تقدم ابناءها البقية فداء لارض فلسطين فالارض اغلى من الابناء حيث اصبحت امال بعد استشهاد ابنها محمد الدرة رمز الصمود وسفيرة الشعب الفلسطيني. تقول: ابني محمد من مواليد 18 فبراير 89 في البريج وكان في الصف الخامس وانا فخورة اليوم بأني والدة الشهيد محمد الدرة.. وانا ام لثمانية ابناء اياد 14 سنة ومحمد 12 سنة واحمد وصدام 10 سنوات وادم 6 سنوات و طفلة صغيرة 7 سنوات واخرى 4 سنوات وطفل صغير سنتان وقد تأثر ابني الكبير كثيرا وتغير تماما فهو ليس اخوه فقط بل صديقه منذ الطفولة ويخرجان معا في الرحلات. وحول كيفية تلقيهاخبر استشهاد ابنها محمد تقول: (لم اصدق ما حدث عندما اخبروني وشاهدت الصور التي توضح بالتفصيل كيف استشهد محمد.. وتوقعت ان هذا الطفل يشبه ابني كما شاهدت صور محمد في الاحداث المرئية المصورة وبعد فترة اخبروني باصابة زوجي جمال الدرة باصابات خطيرة وتم نقله للمستشفى حيث اصيب بـ 8 رصاصات في جسده من 200 نوع من الاسلحة وانقسم احد اصابعه لأربع اصابع الى جانب اصابته بكسر في حوضه وتمزق في الشرايين اضافة لاصابته في الظهر فهو بحاجة لعلاج متواصل مدة سنة كاملة, حيث يتكفل بعلاجه العاهل الاردني عن طريق تحمل مصاريف العلاج وتوفير الحياة الكريمه له وللاسرة طول عمره ــ والحمد لله ـ وتشيد امال بدور الاطباء في المستشفى حيث يقدمون له افضل سبل الرعاية الطبية حتى يرجع جمال كما كان سابقا. وتضيف: عندما شاهدت العزاء الذي اقيم عند استشهاد ابني محمد لم استطع ان اتمالك نفسي وفقدت الوعي لمدة ساعتين والشارع مليء بالناس فالكل جاء يقدم العزاء لاستشهاد محمد وبعد فترة من الزمن من هذه اللحظات شاهدت جثة محمد.. ولا انسى الصور التي التقطها مراسل وكالة الانباء العالمية لمحمد فانا اشاهدها كل يوم عبر التلفزيون والصحف وانا الآن فخورة باستشهاد ابني. وتؤكد امال ان محمد منذ صغره كان ذا شخصية قوية وله ارادة وعزيمة في القيام بأشياء عديدة وكل الاصدقاء والاهل يحبونه كما ان اباه جمال كان يحب محمد اكثر من ابنائه الاخرين ولا يرفض له طلبا ابدا مهما كان.. كما ان محمد كان يحب الجهاد وطلب الشهادة قبل سنة لكني لم ارد عليه بأي كلمة لصغر سنه. واعتبرته يتفوه بكلمات وعبارات لا يعيها.. وعاد محمد ليطلب مني بأنه يريد ان يكون شهيدا في سبيل الله ولم ارد عليه ايضا هذه المرة وعندما خرج محمد مع والده لشراء سيارة رفض ابوه في البداية اصطحابه معه لكن محمد اصر على الذهاب ووقع ما وقع.. وانا فخورة بابني الشهيد ومستعدة ان اقدم ابنائي البقية فداء للوطن. وتضيف محمد كان يحب المغامرة والرحلات وكان شجاعا وطيب الاخلاق وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه ابدا وتفكيره كان مثل الكبار وكنت استغرب من طريقة تفكيره وهو مازال طفلا صغيرا ويتحدث عن اشياء كبيرة جدا على سنه.. وكان يوم الجمعة عند محمد كالعيد يخرج مع اخوته واخواته واصدقائه يلعب معهم الى جانب حبه لاعياد الميلاد كثيرا. واحيي كل اطفال العالم الذين تأثروا باستشهاد محمد في حضن والده اثناء لحظات الرعب والخوف التي استمرت لمدة 45 دقيقة متواصلة استمر خلاله اطلاق الرصاص عليهما.. فالمكان الذي استشهد فيه ابني هو الطريق الوحيد الذي يؤدي الى بيتنا وهو الطريق المشترك بيننا وقد حاول ابو محمد ان يحمي ابنه لكن هذا قضاء الله وقدره. واثناء اطلاق النار كان جمال يحاول ان يخفف روع محمد من الرصاصات التي كانت تصوب تجاهه وطلب منه التحمل وكان محمد صامدا ويصرخ صرخة الرجال.. والحائط الذي استشهد امامه محمد يصور مدى بشاعة القصف الذي تعرض له الاثنان وهذا المكان سيكون شاهدا طوال الفترة القادمة على صبر ونضال محمد جمال الدرة.. واضافت: ان الاسرائيليين قاموا بهدم كل شيء موجود في هذا المكان وحولوه الى حطام. وعن مكرمة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بانشاء مدرسة باسم الشهيد تقول امال اننا نحيي الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد على مواقفه الشجاعة تجاه الامة العربية والاسلامية وانا فخورة جدا بهذا الرجل الذي يحمل كل معاني الانسانية تجاه الشعب الفلسطيني والعربي ولا استطيع ان اقول في حقه من كلمات وعبارات اكثر من التي قلتها له امس الاول اثناء لقائي به في قصره.. وهذه المدرسة وسام شرف لكل الشعب الفلسطيني وستكون ذكرى خالدة للشهيد محمد جمال الدرة. واضافت: وانا أحيي ا يضا كل الشعب في الامارات الذي وقف مع الشعب الفلسطيني سواء أكان ماديا أم معنويا فقد شاهدت المسيرات التي قام بها طلاب وطالبات الجامعة والمدارس واتمنى ان يستمر هذا الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني حتى يتحرر الاقصى ـ ان شاء الله ــ وفي القريب العاجل. ودعت العرب جميعا ليكونوا يدا واحدة لحل قضية فلسطين واخراج الصهاينة من الاراضي المحتلة. وتشير الى ان زيارتها للامارات تأتي لتلبية دعوة كريمة ازاحت كل همومي واحزاني عندما شاهدت مساندة الشعب الاماراتي لنا وكنت اتمنى ان يكون الشهيد محمد الدرة موجودا معي حتى يشاهد هذا الحب والصمود مع الشعب الفلسطيني وهذه اول زيارة لي لدولة الامارات وسأعود ــ ان شاء الله ــ مرة اخرى هنا مع زوجي جمال الدرة بعد ان يخرج من المستشفى. وعن رأيها في العملية التي قام بها (حزب الله) بأسر ثلاثة جنود اسرائيليين كرد فعل قوي على استشهاد محمد جمال الدرة تقول (هذه العملية جعلت اليهود ينفجرون وانا اشجع استمرار مثل هذه العمليات وطالما ان اليهود متواجدين في الاراضي الفلسطينية فالمقاومة ستستمر ضدهم) وتضيف ان زيارة الارهابي شارون للقدس مع جماعته فجرت الحس الديني لدى المسلمين كا ان الاصطدامات بين الفلسطينيين واليهود مستمرة خاصة عند القدس وقضية محمد اغضبت العالم كله.. حيث صورت هذه القضية مدى البشاعة الموجودة عند اليهود خاصة انهم لا يفرقون بين العجوز او امرأة او طفل في اراقة الدماء فهي وسيلتهم للبقاء في اراضينا المقدسة. وتؤكد ان الكيان اليهودي مرفوض في اراضينا وسنستمر في النضال والانتفاضة. وخلال زيارة (البيان) للقنصلية الفلسطينية التقينا بسليم ابو سلطان القنصل العام لدولة فلسطين, حيث قال في بداية حديثه ان لقاء والدة الشهيد الدرة بالفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع كان له الاثر الايجابي على سفيرة دولة فلسطين المحتلة, كما اطلق عليها, حيث قام سمو الشيخ محمد بن راشد بمواساة ام محمد الدرة في استشهاد ابنها وبارك لها شهادته ووعد بان يقف هو مع غيره من القادة العرب في سبيل تخفيف معاناة اسر الشهداء وسيتم ذلك بالتنسيق مع القنصلية الفلسطينية لتقديم المساعدات لهذه الاسر وتمنى للشعب الفلسطيني الصمود. واضاف ان آمال والدة الشهيد قد خرجت بانطباع جيد بعد تلك المقابلة وقالت لي بكل صراحة وبراءة بأن حزنها بدأ يتلاشى, نتيجة لشعورها بوجود رجال امثال سمو الشيخ محمد بن راشد, واخذت تحدثنا عما لمسته من رجولة وشفافية في شخصيته, وقد وعدناها بتكرار الزيارة للدولة بعد ان يتماثل زوجها ــ باذن الله ــ للشفاء. وحول الممارسات الصهيونية في الاراضي المحتلة قال القنصل انه لا يخفى على احد مدى الجبن والتخوف الذي يسيطر على اليهود كما لا يخفي ايضا ان الشعب الاسرائيلي لا يمتلك ادنى معنى للشجاعة بدليل هروب الجندي الاسرائيلي المحمل بشتى انواع الاسلحة من مواجهة الشعب الاعزل, واذا دل ذلك على شيء فانما يدل ان اليهود عبارة عن مجرد اجساد تحركها الاسلحة التي لولاها لما وجد هذا الجسد اليهودي المتغطرس. وفيما يتعلق بالمساعدات الاماراتية للشعب الفلسطيني صرح ابو سلطان بأن طائرة الادوية التي ارسلت في الايام الاولى للاراضي المحتلة قد وصلت عن طريق الهلال الاحمر الاماراتي الذي يتولى عملية التوصيل وذلك عبر الطرق المسموح بها وهما معبر رفح في مصر ومعبر اريحا في الاردن. واضاف الى جانب الفلسطينيين الجرحى الذين يتلقون علاجهم حاليا في امارة ابوظبي فقد ابلغت القنصلية عن وجود مجموعة يبلغ عددها ما يقارب 14 شخصا مصابا ستصل الى الامارات ليتلقوا العلاج المناسب بمستشفيات امارة دبي. وحول الموقف العربي المساند للشعب الفلسطيني قال عماد الفالوجي وزير الاتصالات بالسلطة الوطنية الفلسطينية ان الشعب العربي بأكمله وقف وقفة قوية ساهمت بشكل فاعل وكبير في رفع الروح المعنوية للمناضلين في الاراضي المحتلة, من خلال تحدي الاعلام الاسرائيلي الصهيوني والاعلام الامريكي في محاولاتهما لاحباط عزيمة الشعب الفلسطيني, واعتقد ان المطلوب الآن ان نساند وبشكل اكبر هذا الشعب الذي يستمد قوته من التضامن والاندماج العربي. واضاف ان هذه هي ثاني انتفاضة كبيرة يتدخل بها كل هذا الكم الهائل من الفلسطينيين الغيورين عقب انتفاضة 88 , لذا فانه يجب على الشعب في الاراضي المحتلة الا يشعر بأي فرق بين هذه الانتفاضة وسابقتها, كما يجب ان ندحض كافة ادعاءات الاسرائيليين والتي تزعم بان السلطة الفلسطينية في واد وابناء الانتفاضة الذي يمثلون الشعب في واد اخر. وحسبما ذكر الوزير فان جنود الاحتلال حاولوا العبث بالبنى التحتية المستهدفة لدى السلطة, ولكننا نأخذ بالاعتبار مثل هذه الاحداث, فلم يكن لدينا في يوم من الايام اية ثقة في اسرائيل, فيما يتعلق بالتزامها بالاتفاقيات, فعلى سبيل المثال فان اسرائيل تحاول دوما قطع وسائل الاتصالات عن المدن والقرى, الفلسطينية كي تمارس غطرستها بعيدا عن الاعين ولكننا مدركون لمثل هذه المواقف ونعمل باستمرار على تقوية الاتصالات بين جميع المدن والقرى, حيث استغلوا في السابق موضوع قطع الاتصالات بين الفلسطينيين, بحيث يستطيعون الانفراد بأي مخيم دون علم المخيمات والمدن المجاورة. كما قال الوزير ان اليوم الذي شهد استشهاد محمد الدرة قامت السلطات الاسرائيلية بقطع (الكابل) الرئيسي الذي يربط المحافظات في منطقة غزة, ولكننا كنا قد اخذنا كافة الاحتياطات اللازمة, ففي نفس اللحظة التي قاموا فيها بقطع (الكابل) كنا قد عملنا على تشغيل (الكابل) الاحتياطي, وحتى الآن والجنود الاسرائيليون يبحثون عن هذا الكابل الاحتياطي. وحول اخر التطورات على الصعيد الفلسطيني صرح الوزير بان الاحداث اليومية التي يمر بها الشعب الفلسطيني تصادفه تطورات مطابقة ولا تمر ساعة واحدة الا وتشهد اصابات متنوعة وشهداء اضافيين فالمعركة لا تزال مستمرة والاستعداد في اوجها, واتصور ان الجديد لا يتعدى سقوط اسماء اخرى من الشهداء والمصابين, واود ان انوه الى ان الشعب الفلسطيني رغم الالم ورغم المرارة والحزن على فقد شبابنا الا انه في مثل هذه الاجواء يشعر بانتعاش واريحية لأنه في هذه المواقف يجد نفسه سواء من روح الوطنية او تكاتف الشعب او معرفة حقيقة وجوده, فهو يشعر بنفسه وقوته وذاته في مثل هذه الاحداث, ولا ابالغ حين اقول ان الشعب الفلسطيني يكون اقوى وفي وضع اكثر اريحية ونفسية من المرحلة الضبابية التي سبقت الاحداث وتطورها حيث كان لا سلام ولا حرب, لا دولة ولا سلطة. تغطية ــ عائشة عثمان ورابعة الزرعوني