في الاسبوع الماضي وبالتحديد من 30 ديسمبر الى 3 اكتوبر من عام 2000 انعقد مؤتمر الاسكندرية السابع حول تعليم الكبار تحت اشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, واستضافته ابوظبي عاصمة الامارات الحبيبة. هذا المؤتمر كان يحمل عنوانا بارزا هو خطة عربية لتعليم الكبار ,في ضوء استراتيجية تعليم الكبار في الوطن العربي. الخطة تناولت في مقدمتها المخاطر والتحديات, والفرص, ومحصلة المخاطر والفرص. ثم حددت اطارا عاما لها, حيث انها تطرقت الى المحددات والاهداف والمنطلقات ومنهج الخطة والمسارات الاستراتيجية ومحاور الخطة, والاطار التشريعي, والتوقيت والتمويل, ثم مراحل تنفيذ الخطة والمخرجات. كما انها تناولت من خلالها خطة عشرية لمحو الامية في الاقطار العربية من سنة 2000 الى 2010م. وخطة اخرى بديلة ووضحت مدى اهمية التنسيق بين مؤسسات التعليم النظامي وغير النظامي. وتحدثت عن الجامعة المفتوحة, والتدريب المستمر والنتيجة المهنية والذهنية للمعلم, والشبكة العربية للمعلومات والشبكة العربية للتخطيط الاستراتيجي لتعليم الكبار, وخريطة بحثية موجهة لعمليات تعليم الكبار, وخريطة للبرامج التعليمية والتدريسية وبرامج لجميع الاقطار العربية. ولو عدنا الى وثيقة المؤتمر بشكل عام والتي كانت بعنوان (خطة عربية لتعليم الكبار) لخلصنا منها الى الاضاءات التالية: 1 ـ أمية الاقطار العربية تمر بمراحل, منها الامية الابجدية, ومنها الأمية الوظيفية, ومنها الامية الحضارية, ومنها الامية الحاسوبية. فالامية الابجدية تنتهي عند تعلم القراءة والكتابة. والامية الوظيفية تنتهي اذا عرف الانسان كيف يكون عاملا منتجا في مجتمعه والامية الحضارية هي ان لا يعي بأنه يمثل احدى عجلات التنمية اقتصادا كان ام اجتماعا ام سياسة. أما أمية الحاسوب فهي وان كانت طارئة على المجتمعات إلا انها مرض العصر وهي ضريبة العولمة ومتغيراتها. 2 ـ اتجه العالم في مجال محاربته للأمية الى التنويع في الاساليب فمرة يقدم دورات تأهيلية للموظفين قبل الالتحاق بالخدمة, ومرة يقدم لهم تلك الدورات اثناء الخدمة. والدورات هذه قد يقدمها لهم في مواقع عملهم او في مؤسسات ومراكز متخصصة لمثل هذه التدريبات. ولقد لاحظنا ان قاعات قد جهزت بأجهزة الفيديو, يتدرب من خلالها عدد كبير من المعلمين وبأسلوب الحوار والنقاش الحر. 3 ـ لم تعد الشهادات الاكاديمية كافية, بل الحاجة ماسة الى شهادات اخرى يحصل عليها الانسان من خلال تدريبات آنية حديثة مرتبطة بمجال العمل الذي يعمل من خلاله والتي تدل على انه قديم يتجدد. 4 ـ القنوات الفضائية فتحت امام الناس آفاقا جديدة, وكان من نتاجها هذه الجامعات المفتوحة الموجودة في العالم, والتي يقدر عددها حتى الآن بـ 800 جامعة. واستطاعت هذه الجامعات بالفعل ان تقدم خدماتها للكبار ومن لا يستطيع مواصلة الدراسة النظامية التقليدية من خلال الفيديو والتلفاز والانترنت, وهي تتصف بالمرونة لدرجة انها توصل المعرفة الى طالبيها في مجال اقامتهم, ولعل برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة هو في مقدمة من يسعى الى تأسيس جامعة اقليمية تتيح الفرصة امام الكبار ان يتعلموا ويواصلوا دراساتهم. 5 ـ لم يكن يمر بخلد أي واحد منا مثل هذا التفكير لاننا كنا امة امية لا نقرأ ولا نكتب لكن اليوم ونحن نعيش عصر الثورات التكنولوجية لا نستغرب اذا حدثونا عن الجامعة المفتوحة. فالجامعة المفتوحة وجدت لتسد حاجة الملايين المتعطشة الى قطرات العلم والمعرفة والذين لا تستوعبهم الجامعات التقليدية. لذا.. فلا تستغربوا اليوم اذا سمعتم بأن العالم صار يخترع لنا جديدا كل دقيقتين وان المعلومات اصبحت تتغير كل 18 شهرا. 6 ـ هذا في العالم المتقدم.. وماذا عن الاقطار العربية التي تحتضن اليوم 68 مليون امي وقد بلغت نسبة الاميين في القوى العاملة 40 الى 60% من مجموع القوى العاملة. اما نسبة النساء من القوى العاملة فهي 10% من المجموع الكلي. 7 ـ ان دول العالم المتحضرة قفزت قفزات عالية من خلال خطط تنموية شاملة, واستراتيجيات واضحة واستخدمت تكنولوجيا العصر في جميع مجالاتها. اما الاقطار العربية فلاتزال تحبو أو تحلم لذلك فإن مواقع المؤسسات الاقتصادية العربية على الانترنت بلغت 2000 موقع, ولعلكم تستغربون اذا قلت لكم بأن دولة كاسرائيل لها 2690 موقعا حسب المعلومات التي توافرت عام 1996 اما اليوم فحدث عن بني اسرائيل ولا حرج. 8 ـ ان العالم المتحضر يفكر بعقل مفتوح ويملك مرونة كافية, وبالتالي تتيح له فرصة كافية للتفكير السليم. ففي حين ان العالم يملك 800 جامعة مفتوحة لا تملك الاقطار العربية مجرد حرية التفكير في انشاء جامعة مفتوحة, لذلك فإن الاميات بأنواعها تسود مجتعاتنا, ولقد تخلفنا عن مواكبة ركب الحضارة العلمية الحديثة بمعدل خمسين سنة على الاقل. 9 ـ فالدارس في الوطن العربي لا يدرس ليحسن انتاجه, بل ليقال انه دارس, او ليحصل على الراتب من غير ان يبحث عن احقيته لذلك الراتب ام غيرها. من هنا نفهم اننا لا نتعلم لنعلم, ولا لنعمل, ولا لنكون بل لمجرد هوس في النفس, وفي النهاية ربما كان غير المتعلم اسعد حالا واكثر مالا من المتعلم. لقد حبانا الله ثروة المال لكن لانزال نجهل سبل استثمارها لصالحنا, نعم تعلمنا ان نتفاخر, ونتباهى بجمع التقنيات الجاهزة المصنوعة عند غيرنا حتى اننا ظننا اننا ان لم نتفوق في صنعها تفوقنا في جمعها واقتنائها, وكان بئس الظن, وإلا كيف نجد دولة مثل قطر لديها اكبر قدر من اجهزة الهاتف بالنسبة الى عدد سكانها, اي بنسبة 26.7 خطا لكل مئة فرد, في حين انه في الولايات المتحدة الامريكية تصل نسبتها الى 83.7 خطا لكل مئة فرد, وفي السودان تبلغ نسبته 1.6 خطا لكل مئة فرد, هذا في المدن مقابل 0.54 في الريف. وفي مصر 4.35 مقابل 0.36 في الريف هكذا قالت الوثيقة. 11 ـ تشير التقارير الاقليمية لعام 2000م الى ان متوسط الانفاق العام الجاري على التعليم الابتدائي في حده الادنى 98% في لبنان, وفي حده الاعلى 5.3 في الكويت اي بمتوسط عام بلغ 2.25 وبوسيط قدره 1.89. تقول الوثيقة واذا تم اعتبار الحد الادنى لنسبة الانفاق الجاري على التعليم الى الناتج القومي 2% فإن نصف الاقطار العربية لم يكن متوسط انفاقها على التعليم كافيا لتحقيق تعميم التعليم الابتدائي. 12 ـ ومما يؤخذ على التدريب في الاقطار العربية انه لايزال يتخذ اسلوب المحاضرات اسلوبا له, بدلا من ورش عمل, ربما لانه اقل كلفة. نعم.. اقل كلفة, لكنها اقل فائدة ايضا, ذلك ان التعليم اذ لم تعطه كلك لم يعطك بعضه. واننا عندما بخلنا على التعليم كانت النتيجة ان عزف الشباب المؤهلون عن ممارسة مهنة التدريس فلم يعد يقبل على التدريس إلا اصحاب المؤهلات المنخفضة الذين لفظتهم المهن الاخرى, فكأن مهنة التعليم مهنة من لا مهنة له. 13 ـ قامت المؤسسة العربية باطلاق القمر الصناعي (عربسات) عام 1985 وقامت مصر باطلاق (نايل سات) الذي يستوعب 72 قناة تلفازية.. هذه القنوات كلها بإمكاننا ان نستثمرها في التعليم عن بعد وتصبح جامعات مفتوحة. لكن يا ترى على افتراض انها اتاحت الفرص امام الكبار ان يتعلموا من خلالها, ووفرت برامج كافية فنسبة كم في المئة منا يتابعون البرامج العلمية والثقافية. 14 ـ في الواقع ان الكثافة السكانية, وتوافر التقنيات الحديثة تفرضان علينا تشجيع الجامعات المفتوحة لانها اصبحت حقيقة لا محالة وصارت توازي نظام التعليم الجامعي التقليدي. انظر معي.. لماذا يتجه الانسان نحو التعلم ولاسيما كبار السن او الذين تعوقهم الوظيفة عن الانخراط في الدراسة النظامية؟ اليس لغرض مواكبة العالم المتحضر؟ تقول الوثيقة بأن الجامعات المفتوحة وجدت لتوفر: أ ـ التعليم والتدريب والتأهيل المهني. ب ـ تقديم الاستشارات الفنية. ج ـ نشر الثقافة الحرة. د ـ خدمة المجتمع من خلال الاستفادة من تجارب كليات المجتمع العلمية. هـ ـ اضافة الى اغراض الجامعات التقليدية النظامية. 15 ـ توصيل التعليم الى كل فرد واجب ديني ووطني, لذلك فإن الحديث النبوي يقول: طلب العلم فريضة, والمؤتمرات الدولية مثل جوميتان عام 1990, والقاهرة ودكار عام 2000 وغيرهما تؤكد ان التعليم فرصة تتاح للجميع, وإلا كيف تنطلق الاقطار العربية نحو المستقبل برؤية علمية تؤدي الى تنمية شاملة..؟ 16 ـ لجنة التربية للقرن الحادي والعشرين تؤكد انه ليس الهدف من التعليم مجرد التعليم, بل يتعلم الفرد ليعرف كيف يتعلم, وكيف يعمل, وكيف يعيش مع الآخرين؟ ولاسيما ان هناك الكثير من التحديات تواجهه, ولعل اخطرها الحفاظ على الهوية. 17 ـ لقد قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مشكورة بتحليل الخبرات العالمية والعربية, فتوصلت بعد ذلك الى القول بأننا: أ ـ من المستحيل ان نبقى على وجه الارض هكذا من غير ان تحدث تغييرات ايجابية. ب ـ يجب ان نعترف بحقوق الانسان, وحق التعليم حق من حقوقه. ج ـ اذا اردنا ان نعيش على وجه الارض مستمتعين بها, مستثمرين خيراتها وجب ان نوظف ما نعرفه لا ان ننقلها ونحفظها حفظا ببغاويا. د ـ بالرغم من ان الاقطار العربية ليست كلها فقيرة فإننا نرى ان السبب الرئيسي للامية هو الفقر. هـ ـ يجب ان يمشي التعليم غير النظامي ويقصد به التعليم عن بعد جنبا الى جنب مع التعليم النظامي, ذلك اذا اردنا ان نواكب عصر ثورة المعلومات والتفجر المعرفي, ولقد كفى شاهدا ان تكون نسبة من حصل على مؤهلات عالية من خلال الجامعات المفتوحة في العالم والبالغ عددها 800 جامعة 50%. و ـ توعية المجتمع بأهمية التعليم المستمر والتعليم مدى الحياة, حتى تصبحا حياة يومية يمارسها كل فرد من افراد المجتمع. ز ـ ولكي نحقق طموحاتنا يجب ان تكون هناك شبكات للمعلومات والاعلان والبحوث والتجديد التربوي, لانها من آليات عملية الاتصال ونقل الخبرات العالمية. ح ـ يجب ان تتنوع مصادر تمويل التعليم, فلا يكفي ان نعتمد على التمويل الحكومي, بل يتعدى الى الزكاة والقروض والضرائب والتمويل الذاتي, وصناديق التوفير واسهامات المجتمع المحلي وما شابهها. ط ـ تحسين مدخلات النظم التعليمية التي منها (توعية المعلم والمناهج) . ي ـ ترقية تلك الموجهات الى خطط ومشاريع وبرامج عمل. اقول.. انها لخطة طموحة وضعت بناء على تكليف من المنظمة العربية وقد قدرت لها خطة عشرية من 2000 الى 2010م لغرض القضاء على امية 68 مليون امي وهؤلاء ان لم تزل اميتهم فعلى الاقل تخفف عنهم وذلك اضعف الايمان.. اليس كذلك؟؟ د. عارف الشيخ