تعد الجرائم الالكترونية والاقتصادية من اكثر الجرائم التي تمس امن واقتصاد الدول نظرا لما قد تسببه من تدهور في سعر العملة المحلية وما تخلفه وراءها من زعزعة الثقة بين افراد المجتمع والجهات الامنية, ورغم ان مجتمع دولة الامارات يعتبر من المجتمعات الآمنة إلا انه في نفس الوقت فإن الدولة تعتبر مستهدفة من قبل ضعاف النفوس الذين يحلمون بالثراء والربح المادي السريع ويبدو هذا ملاحظا بشكل ملفت من خلال تصفح الصحافة المحلية, فعمليات القبض على عصابات النصب والاحتيال الافريقية وغيرها تكاد تعتبر من الموضوعات اليومية في الصحف ورغم ان القبض على مثل هذه العصابات يدل على مدى التقدم الامني إلا ان المسلسل لايزال مستمرا. (البيان) قامت بجولة استطلاعية شملت مختلف اقسام الشرطة بالدولة للوقوف على الاسباب الحقيقية وراء انتشار هذه النوعية من الجرائم ومدى خطورتها والطرق المناسبة للحد منها. اولى لقاءات (البيان) كانت مع عبدالجواد توفيق خبير اقتصادي حيث قال ان الجريمة الاقتصادية اكتسبت الصبغة العالمية كنتيجة للعديد من العوامل التي فرضها تطور النظم الاقتصادية وطبيعة تعاملاتها بما يشكل ضرورة العمل على وضع تصور ومفهوم محدد لماهية الجريمة الاقتصادية. واضاف ان الجريمة بصفة عامة لابد وان يكون لها مردود سلبي اقتصادي حتى تلك التي تستهدف الافراد داخل المجتمع, إلا ان الجريمة الاقتصادية المنظمة توجه اساسا وتؤثر بشكل مباشر على النظام الاقتصادي للمجتمع ككل ومن هنا قد يبرز التعقيد في اعادة صياغة البناء القانوني الجزائي للجريمة الاقتصادية, وقد اسهم عدد من العوامل ذات التساند الوظيفي في انتشار الجريمة الاقتصادية منها عالمية النظم الاقتصادية الحديثة بما انتجته من حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال وقوى العمل بين مختلف دول العالم, اضافة لعالمية الاجرام المنظم والذي اصبح يستعين بمحللين على مستوى علمي راق في التعاملات المالية والقانون الدولي وتكنولوجيا المعلومات بهدف تحديد الثغرات وأوجه القصور في النظم القانونية المحلية للمجتمع ومحاولة السعي الدؤوب لاضفاء صفة الدولية على الجريمة باستخدام البعد الجغرافي لوقوع الجريمة في اكثر من اقليم واحد والبعد البشري بمحاولة تعدد الجنسيات بين الجناة. تكنولوجيا المعلومات.. والجريمة واشار عبدالجواد الى ان تكنولوجيا المعلومات اسهمت بشكل مباشر في انتشار وعالمية الجرائم الاقتصادية, واستغلال التسهيلات في تحويل رؤوس الاموال باستخدام نظام الدفع البنكي الدولي SWIFT بتحويل اي مبالغ من دولة الى اخرى مما يدعم جرائم غسل الاموال, علاوة على القصور في البنيان القانوني العقابي للجريمة وتباينه من مجتمع لآخر بمعنى ان ما يتم تجريمه في مجتمع ما قد يكون مباحا في مجتمع آخر وفق الرؤى والفلسفات التي تقوم عليها النظم الاقتصادية المحلية وهو ما يوفر المناخ المناسب لاتمام الجرائم الاقتصادية. وحول آليات وطرق الحد من انتشار مخاطر الجرائم الاقتصادية ذكر عبدالجواد انه يجب اعادة النظر في شكل الائتمان الممنوح من الاجهزة الائتمانية سواء بالجهاز المصرفي او الصناديق النوعية او غيرها بما يضمن توفير آلية فنية متخصصة في تقييم الانشطة المحمولة ومتابعتها فنيا واداريا وماليا طوال فترة الاستحقاق, على ان تملك هذه الآليات من الخبرة والممارسة لكوادرها ما يؤهلها للقيام بهذا الدور ويكون ذلك من خلال عدة طرق منها العقود الثلاثية بين الجهة المخولة والمستفيدة والجهة الوسطية التي تتولى تقييم النشاط وتحديد هيكل التحويل ومتابعة جميع مراحله اضافة الى انشاء مؤسسات متخصصة لضمان مخاطر الائتمان تلتزم امام الجهة المخولة بتحمل اعباء المخاطر الائتمانية كجهة مشاركة في المتابعة (التقييم نظير مقابل محدد) . ونوه عبد الجواد الى ان المجتمعات النامية مازالت تسيطر عليها الحاسة العاطفية في التعامل مع اوجه الاستثمار, في غياب واضح للوعي الاستثماري لدى الافراد, وهو ما يبرز ضرورة قيام الاجهزة الاعلامية بالتوعية بفرص واساليب الاستثمار وكيفية اتخاذ القرار المناسب على مستوى الفرد والمجتمع, هذا بالاضافة لتكثيف الحملات الاعلامية الموجهة لنوعيات الجرائم الاقتصادية المنتشرة والعمل على الحد منها. وفي اطار من الايمان الكامل بصعوبة بلورة الفكر القانوني للجريمة الاقتصادية والتي تتخذ يوميا مظاهر يصعب تعقبها بالرصد والتحليل, فالمتاجرة بالتأشيرات مثلا هي من ابسط الجرائم في حق المجتمع لانها ذات مردود اقتصادي سلبي لن نستطيع مواجهته إلا بزيادة الوعي الاقتصادي لدى شرائح المجتمع في اطار من الرصد والتوجيه لكافة الاجهزة المعنية بالدولة. الثغرات الامنية والقانونية ويشاركه الرأي محمد الحاج ـ مستشار قانوني ـ والذي قال ان دولة الامارات تعد من الدول التجارية المفتوحة على العالم اجمع, لذا فقد اصبح من السهولة بمكان الدخول والخروج منها بشكل دائم, كما ان توفر السيولة المادية ترتبت عليها عمليات متعددة بل وكبيرة من الجرائم الاقتصادية لذا فمن الممكن حصر بواعث هذه النوعية من الجرائم الخطيرة في الربح والكسب السريع وغير المشروع, ورغم الاهتمام الملاحظ من قبل الجهات المختصة في مسألة وضع قوانين تحد من ظاهرة انتشار هذه الجرائم إلا انه يمكن القول بأن الاشخاص المحترفين بإمكانهم استغلال ثغرات معينة في القوانين الموضوعة. واضاف الحاج ان وضع القوانين لا يمكن ان يحل المشكلة بل يجب ان تتوفر ثقافة مجتمعية واعية بماهية الجرائم الاقتصادية, علاوة على ان تطبيق القوانين يحتاج الى اجهزة متطورة يتعامل معها نوعية منتقاة من الاشخاص الممارسين من ذوي الكفاءات العالية كما اود ان اؤكد على ضرورة الصحوة المجتمعية فيما يتعلق بتوضيح مخاطر الجرائم الاقتصادية. ومن جانب آخر قال النقيب علي حسن كلداري مدير معهد البحث الجنائي بشرطة دبي ان الجرائم الاقتصادية تكاد توازي الجرائم الالكترونية من حيث استغلالها للتكنولوجيا الحديثة ابشع استغلال وتكاد تكون المعاملات البنكية من اكثر المعاملات التي تتعرض لمثل تلك الجرائم, نظرا لما تتميز به من اعتماد كلي على الحاسبات الآلية والانترنت, والتي يستطيع المرء من خلالها سرقة الآخر بمجرد معرفته لارقام البطاقة الائتمانية, واشاد النقيب كلداري الى ان الدول تتأثر بشكل كبير بهذه النوعية من الجرائم حيث الاعتماد شديد على مسألة الاقتصاد والذي اذا ما اختل فإن الانظمة المتعلقة بالخطط المستقبلية سيكون مصيرها الاختلال ايضا مما قد يحدث بلبلة عميقة الاثر في المجتمع. واكد النقيب كلداري انه من غير الممكن القضاء على اي نوع من الجرائم مهما بذلت الجهات الامنية والمختصة من جهود واموال, ولكن نستطيع القول انه من الممكن الحد من الجريمة, وخاصة الاقتصادية والالكترونية منها من خلال تشديد الرقابة على منافذ الدولة المتعددة والتي يستغلها البعض في الدخول والخروج بالطرق المشروعة وغير المشروعة ويبدو هذا جليا بمجرد اجراء مسح ميداني على عدد العمالة الوافدة الموجودة بالدولة والتي تعتبر من اسباب انتشار الجرائم ومن ناحية اخرى يجب ان نعمل على توعية الافراد بشكل مستمر وملموس من خلال تكثيف الدورات التوعوية فيما يتعلق بالجرائم الاقتصادية والالكترونية ومدى ما تسببه من اضرار على كل من الفرد والمجتمع على المدى البعيد كما انني اناشد الجهات المعنية بعمل جولات تفقدية مفاجئة على الشركات السياحية والتأكد من التأشيرات التي بحوزة العاملين بها وبماهية العمل الحقيقية لبعض هذه الشركات. تطور الجريمة ويقول النقيب مصطفى صالح الجزيري من شرطة دبي ان السبب الرئيسي لانتشار الجرائم الالكترونية والاقتصادية يعود للحركة السريعة التي يتميز بها العالم اليوم وسهولة ووفرة المعلومات الالكترونية مما يدل على انه كلما تطور العلم تطورت الجريمة بمسمياتها وطرقها وحتى بحلولها, ومن الواضح ايضا ان العمالة الوافدة بكثرتها والثغرات القانونية التي يستغلها الممارسون في عمليات الجرائم الاقتصادية الكبيرة كغسل الاموال تمثل خطورة حقيقية على مجتمعاتنا لذا فمن المفترض على جميع دوائرنا وهيئاتنا ان تعمل وتوظف جهودها حول نقطة واحدة هامة وهي توحيد القوانين فيما بينها في محاولة لدرء تطور الجريمة. ويشاركه الرأي الملازم سعيد خليفة الكتبي من شرطة عجمان حيث قال ان الجرائم الالكترونية هي السبب في تطور الجرائم الاقتصادية في الدولة فتواجد كميات هائلة من اجهزة الحاسب الالي المتطورة وما تحويه من ماسحات ضوئية (سكانر) وطابعات على مستوى عال من الدقة, سهلت بشكل او بآخر من مسألة الجريمة الاقتصادية, وهذا ما حدث بالفعل في العصابة التي تم ضبطها في عملية تزوير ماكينات الدفع التابعة لمؤسسة (اتصالات) واكتشفنا ان تلك الماكينات تقبلت المبالغ المزيفة كما تتقبل المبالغ الصحيحة وهذا يدعونا للتساؤل عن امكانية تطوير التكنولوجيا الموجودة بتلك الماكينات بحيث يمكنها التعرف على العملة الصحيحة والعملة المزيفة حتى لا تتعرض للاستغلال مرة اخرى. جرائم الانترنت وحول جرائم الانترنت التي تعد من اهم الجرائم الالكترونية الموجودة قال الملازم سامي ابراهيم العوضي من شرطة دبي ان (هذه النوعية من الجرائم تعد ذات اثر كبير وعلى المدى البعيد, حيث تعرضت بعض البنوك لعمليات قرصنة رهيبة من جهات غير معلومة, وهذا بالطبع يتطلب تقوية مواقع الحماية في اجهزة الحاسب الآلي بما يشكل وقاية حقيقية لها من عبث العابثين اما فيما يخص الجرائم الاقتصادية فإن ما استطيع قوله حول هذه النقطة هو يجب ان يعي الناس جيدا ان مسألة مضاعفة الاموال وغيرها ما هي إلا اساليب ملتوية تندرج تحت مسمى النصب والاحتيال وخير دليل على ذلك هو ان العصابات المشاركة في عملية مضاعفة الاموال مثلا هي عصابات افريقية في اغلب الاحيان ان لم يكن في كل الاحيان ومن المعروف ان البلاد الافريقية من افقر الدول فلم لا يحاولون نفع انفسهم وبلدانهم ان كانوا حقا قادرين على مضاعفة الاموال؟! ويضيف الملازم عبدالرحمن سعيد الشامسي من شرطة الشارقة ان مثل هذه العصابات تمتلك اساليب اقناع غريبة جدا, توهم الناس بصدق مزاعمهم وحتى تزداد ثقة المرء بهم فإنهم وبخفة يد يعطونه بالفعل ضعف المبلغ الذي لديه مع العلم أنهم كانوا يخفون بقية المبلغ لديهم وبالتالي فإنهم يخسرون مبلغا بسيطا في سبيل كسب مادي كبير, ومن الملاحظ ايضا ان هذه الفئة تستغل مسألة عدم قدرة الضحايا على ابلاغ السلطات الامنية خوفا من تعرضهم للمساءلة او السخرية من قبل الاشخاص العاديين. اما الملازم علي سلطان بن حارب المهيري من شرطة دبي فيؤكد على اهمية زيادة الوعي بين افراد المجتمع وتوحيد القوانين والتشريعات المعمول بها والتعاون بين الجهات الحكومية والامنية في كافة انحاء الدولة فقد لاحظنا وجود تخصص في الجرائم بحيث ان كل جريمة اصبحت مقترنة بجنسية معينة, فعمليات مضاعفة الاموال مقترنة بالعصابات الافريقية, وعمليات تزوير العملة اقترنت بالجنسيات الاوروبية الاخرى, وهذه الجرائم الاقتصادية قد تؤثر بشكل مباشر وخطير على القيمة الاجمالية المتداولة للدرهم, مما قد يعتبر ضربة اقتصادية كبيرة للدولة. اما في مجال الجريمة الالكترونية فقد قال الملازم بن حارب انه يجب ان تكون الانظمة الالكترونية محمية بشكل قوي من البداية من قبل الجهات المختصة, عن طريق وجود كادر وظيفي متخصص في مجال هذه البرامج الالكترونية المعقدة وتكمن صعوبة وخطورة الجرائم الالكترونية عن الجرائم الاقتصادية من حيث انه يصعب على رجل الامن الكشف عن اليد الضالعة في الجريمة الاولى لانه قد يكون من خارج حدود الدولة, اما النوع الثاني من الجرائم ورغم الاثر العميق الذي قد تسببه إلا انه يمكن الكشف عن الاشخاص المتورطين فيها بسهولة نظرا للكفاءة العالية التي يمتلكها رجال الشرطة في دولتنا. كتبت ـ رابعة الزرعوني