تحاول وزارة التربية والتعليم تعميق ادراك اهمية مواد النشاط في نفوس الناشئة بأسلوب العصرنة, لكن الفجوة التي كانت بينها وبين الطلاب لاتزال كبيرة. في يوم من الايام كانت التربية الرياضية هي المتنفس الوحيد للتلاميذ والطلاب, وكانت محصورة في لعب كرة القدم. ثم انضمت اليها التربية الفنية والتربية الموسيقية ليطلق عليها مواد النشاط, فكان التلاميذ او الطلاب يؤدونها من خلال حصص معينة كسائر المواد. ثم بعد ذلك اضيفت التربية الاسرية وهي خاصة بالطالبات, وتميزت عن سابقاتها حيث اصبحت مادة مستقلة وتجمع بين العملي والنظري وفي النهاية تنفرد بدرجتها اسوة بأي مادة من المواد الدراسية, ولها نهاية كبرى ونهاية صغرى ويترتب عليها نجاح ورسوب. اما التربية الرياضية والفنية والموسيقية فعرفت باسم مواد النشاط ليؤخذ في نهاية العام معدلها ويضاف الى المجموع, وهي رغم انها كان ينظر اليها بأنها مجموع مواد النشاط لها مدرسوها وطلابها, ويدخل معدلها في مجموع الطالب في نهاية العام إلا انه لم يرسب فيها احد حتى الآن بل اكثر من ذلك فإن درجتها كانت ترصد للطالب الميت والمفصول ايضا, لماذا؟ لان المدرس يرصد الدرجة غيابيا بناء على حسن النية, باعتبارها مواد نشاط اي مواد راحة وتنفيس للمعلمين والطلبة, والكثيرون من الطلبة والطالبات حصلوا على مجاميع عالية, بسبب درجات مواد النشاط, لا لأنهم بذلوا جهدا بل لان المدرسين يرصدون ولا يقيمون الموقف تقييما دقيقا. حاولت الوزارة في الآونة الاخيرة ان ترفع من شأن هذه المواد, او ترفع من قيمتها فسمتها مادة المهارات الحياتية, وهي فعلت ذلك بحسن نية, وحبا في التجديد لان المواد السابقة كانت محصورة في مواد معينة بعينها. اما اليوم فإن النشاط لم يعد مقصورا على الفنية والموسيقية والرياضية, بل اصبح الكون بأكمله معملا وحقلا للتجارب ولو لم يكن في الكون غير الحاسوب لكفى ان يكون وحده مجالا يحتوي افكار الطلاب, ويشغل اوقاتهم, ويبث فيهم روح السعادة والنشوة. هذه المادة التي عرفت بالمهارات الحياتية لاتزال تدور في فلك عال لم تسبح فيه احلام الطلبة, ولم يتذوقوا طعمها بعد. فمرة يعدونها هي التربية الفنية, ومرة يقال انها التربية الاسرية, ومرة يحكمون عليها بأنها جديد او لا يزال جنينا لم تتحدد معالمه بعد. في الواقع ان المادة لها اهميتها في العالم المتحضر الذي يهتم بالجانب العملي اكثر من الجانب النظري اما نحن العرب فإننا لا نزال امة الخطابة والانشاد والتعبير والحفظ, لذلك فإن استفادتنا من المهارات الحياتية اليوم لن تكون اكثر من استفادتنا من مواد النشاط سابقا. منذ سنوات ونحن ندرس مادة التربية الفنية ومادة التربية الاسرية ومادة التربية الموسيقية, ومادة التربية الرياضية لكن مع ذلك لم نسمع بأن طالبا انفتحت موهبته علينا من خلال هذه المواد فصار نابغة. نعم لقد سمعنا ان الطلبة اثناء التربية الرياضية يهربون من المدرسة وبعضهم يعتذر عن المشاركة في حصة التربية الموسيقية وهكذا. اما التربية الاسرية فإن ما تعرض في معارضها مشتراه من السوق او من عمل المدرسات. ولو امعنا قليلا لوجدنا ان المواد هذه وجدت لتكون حقولا تصقل من خلالها المواهب والافكار, وتتوسع فيها المدارك, اذ ان كل طفل يقوم بتجربة بيده, ويستخدم فيها ذهنه وفكره, ويوظف علمه النظري الذي درسه. لكن لم تتكون لدى الاولين قناعة بأهمية تلك المواد فقضوا معها سنوات فراغ فحسب. واليوم أولياء الامور هم اولئك الاولون او اولادهم ليس لديهم قناعة ايضا بأن المهارات الحياتية هي لها اهميتها, فذهبوا ينظرون اليها بأنها ليست ذات قيمة, وربما ساعدهم على ذلك انها بقيت فترة من غير منهج, وفترة من غير معلمين لظروف مرت بها الوزارة. وبالامس قال لي احدهم وفي يده كتاب المهارات الحياتية للصف الاول الثانوي: اهذه هي المهارات الحياتية؟ قلت: نعم ولماذا الاستغراب؟ قال: الحاسوب هو المهارات الحياتية؟ قلت له: افترض ا ن بدل الحاسوب كان الميكانيكا او الكهرباء او الخراطة, ألم تكن تطرح سؤالك هذا ايضا؟ اذن فإن سؤال الامس يكرر نفسه اليوم؟ حيث انهم قالوا: وماذا نستفيد من التربية الفنية, واليوم هذا انت تقول: وماذا نستفيد من مادة الحاسوب؟ في حين ان الحاسوب هو كل شيء في حياتك اليوم, هو معك في غرفة نومك, وفي سيارتك, وفي مكتبك, وفي المسجد, وعندما تقرأ القرآن, وفي متجرك, بل في جيبك لانك به استغنيت عن مذكرة الجيب. ان المسألة يا سادة ليست مسألة انها تربية فنية او حاسوب او ميكانيكا او موسيقى, بل مسألة اننا لا نريد ان نعمل شيئا بأيدينا, ولا نفكر ان نعمل يوما ما, لماذا؟ لان كل واحد منا (أرباب) له خمسة سواقين, وعشرة بشاكير وطبابيخ, ومكاتبه تدار من قبل عشرات الاسيويين, وهو ما عليه إلا ان يجمع الايجارات في نهاية الشهر, ويزيد من ارصدته. واذا لم تكن تصدق فانظر الدورة الاولمبية القائمة اليوم في استراليا, لترى كيف تقاتل الدول العربية من اجل الحصول على ميدالية واحدة, في حين ان الدول الاوروبية حصلت على الميداليات بالعشرات. يا ترى بما تفسر هذا؟ واين تذهب الملايين التي تصرف على الرياضة؟ ومتى نثبت جدارتنا؟ امنيتي ان انجح مرة في المحافل الدولية في اي مجال من مجالات المهارات الحياتية, المهم ان افوز, وانني اتذكر قصة من قيل له اتحب ان تكون قائدا؟ قال: اي والله ولو قائد عميان. اعود الى موضوع الرسوب فأقول: دخل علي احد اولياء الامور ومعه ابنه الراسب في الثاني الثانوي وكان يدرس في التعليم المسائي وقد بلغ ثلاثا وعشرين سنة, وهو الآن يريد ان يعيد قيده في المدارس الصباحية. قلت له ليس امامه إلا المراكز المسائية, قال: لا يريدها, لانه لا يستفيد شيئا, وفي كل عام يرسب في مواد معينة. قلت له: وهل من الواجب ان يدرس؟ قال الأب: نعم, لانني اريده ان يكون طبيبا. قلت له: وهل تجد امارات الطب في لحيته؟ قال: ولم لا؟ قلت: لو كان كما تتمناه لما رسب هذا الرسوب المتكرر والشاعر يقول: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ان السفينة لا تجري على اليبس. ثم قلت للولد: يا ابني ان الدولة في حاجة الى ساعدك في كل مكان. فما رأيك لو اتجهت الى العمل؟ قال: انهم لا يوظفونني من غير شهادة. قلت: وهل بالضرورة ان تعمل وزيرا او وكيل وزارة او مدير ادارة؟ قل لي اذا تعطلت سيارتك او حصل عطل كهربائي في البيت فهل تعرف عنه شيئا؟ قال: لا, قلت: ومن يقوم بإصلاحه؟ قال الميكانيكي او الكهربائي. قلت: هل هو مواطن؟ قال: لا, قلت: ولم لا تكون انت مكانه. افتح لك محلا وهات اثنين منهم ليعملوا فيه في مجال الميكانيكا او الكهرباء وكن انت ثالثهم تعمل معهم في البداية حتى تتعلم, وبعد سنة او سنتين ستصبح انت مهندسا مثلهم او اكثر فتدير الورشة بكاملها. لو فعلت ذلك لاستغنيت عنهم ولاصبحت انت خبيرا مواطنا تستعين بك الدولة في المواقع المختلفة. ثم قلت له: ألست تدرس لتجمع به المال؟ انك لو فعلت بما اقول لجمعت مالا اكثر واسترحت من الوزارات التي عجزت وهي تجمع تقارير عن موظفيها الممتازين, ومع ذلك لم تستطع ان تكافىء احدا منهم. قال لي والده: هذا صحيح, ولكن عيالنا لا يريدون ان يعملوا. قلت: لانك والدهم غير مقتنع في داخلك بما اقول, فكيف تريده يقتنع. اذن فلكي تنجح مواد النشاط او مادة المهارات الحياتية يجب علينا نحن الآباء والامهات ان نقتنع بأن العلم ما مارسناه نحن بأيدينا لا ما حفظناه حفظا ببغاويا, واذا اردنا ان نوطن الاشكال بالعقال وجب ان نوطن النفوس اولا بالاعمال. نعم... المهارات الحياتية هي الحاسوب, وهل حياتنا اليوم إلا حواسيب, ولكن اكثر الناس لا يعلمون اليس كذلك؟ د. عارف الشيخ