رحل موسوعة العرب في التاريخ والأدب واللغة الشيخ الوقور/ حمد الجاسر الذي دخل الدنيا عام 1328 من الهجرة, ليرحل عنها عام 1421, اي انه فارق الحياة بعد ان قضى فيها من عمره ما يناهز التسعين عاما. ـ يقول الشاعر صالح بن ابي شريف الاندلسي عن ابن التسعين: وابن تسعين عاش ما قد كفاه واعترته وساوس وسقام إلا ان حمد الجاسر لم يكن كذلك, فهو رحمه الله ولد للعلم وعاش مع العلم الى آخر حياته, فهو اذن لم يعش حياة عادية, بل مليئة بالجد والعمل والبحث والتنقيب والتمحيص والتدقيق والسهر والمطالعة. ـ استطاع الجاسر ان يسرق الاضواء, ويلفت أنظار العالم إليه بفضل ما أوتي من علم وقدرة على التأليف والنشر والتحقيق. فهو ان شئت فسمه مؤرخا, او سمه أديبا وشاعرا, او سمه لغويا, او نسابة, لذلك فانه عندما يلقب بعلامة الجزيرة فهو أقل ما يدعى به, والا فانه كان موسوعة المعارف والآداب واللغة والتاريخ. ـ جمع العلامة احمد الجاسر بين القصيم والرياض ومكة والقاهرة, متنقلا بين رياض العلم وأفنان الادب في تلك البلاد, حيث انه بدأ بكتاب قريته (البرود) ثم واصل حياته الدراسية الى مشايخ الرياض, ثم المعهد السعودي بمكة, ومنه الى كلية الآداب بالقاهرة التي لم يتممها. ـ بين الجاسر والصحافة صداقة قديمة, اذ انه بحق بدأ معها مذ كان عمره 21 سنة, ووطد علاقته بها عام 1372 عندما أنشأ أول صحيفة تصدر في الرياض وهي اليمامة. ـ والجاسر هو أول من حمل لواء المبارزة بانشاء أول مطبعة في نجد م 1374 وهي مطبعة الرياض. اذن فان اليمامة صحيفة كانت أو مطبعة او مؤسسة او دار نشر, أو مجلة, فانها نشأت وترعرعت في ظل حمد الجاسر الذي برز في العالم مؤرخا ومهتما بتاريخ الجزيرة العربية وتراثها. ـ واننا لو ألقينا النظر على الكتب التي حققها أو أشرف على نشرها لوجدنا أنها أصدق ترجمة لما كان ينطوي عليه صدر هذا الرجل. نعم تلك الكتب تملأ أرفف المكتبات اليوم, فاقرأ له معجم قبائل المملكة العربية السعودية, واقرأ له صفة جزيرة العرب, وتحفة المستفيد بتاريخ الاحساء في القديم والجديد, واقرأ له أيضا تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ووفيات بعض الاعيان وانسابهم, واقرأ له ادب الخواص في المختار من بلاغات قبائل العرب وأخبارها وأنسابها وأيامها. واقرأ له ايضا المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية, واقرأ له العشرات من الكتب الاخرى التي حققها او شارك في تأليفها. ـ حمد الجاسر الذي ولد من أب فلاح وأم فلاحة مات اليوم وهو اكبر محقق على وجه الجزيرة العربية, لقد أمتع اعيننا خلال قرن من الزمن بأجمل عباراته, وأدق تحقيقاته التي ظلت وستظل مرجعا لغويا وأدبيا وتاريخيا دقيقا للكثيرين ممن يسعون للحصول على رسائل الماجستير والدكتوراة. ـ حمد الجاسر لم يكن يحمل تلك المؤهلات العليا التي تعود العالم على ان يستدلوا من خلالها بأنها نهاية العلم, لكنه كان يحمل من العلم ما يؤهله للحصول على عشرات من الدكتوراة. وانني اتذكر في هذا الموقف موقف طه حسين من العقاد رحمهما الله, حيث باهى طه حسين العقاد بشهادة الدكتوراة فقال طه للعقاد: لماذا لا تتقدم للحصول على الدكتوراه وأنت تحمل هذا العلم الجم؟ فقال العقاد لطه حسين بلطف وهدوء: ومن الذي يمتحنني؟ فسكت طه. ـ نعم من يمتحن العقاد؟ ومن يمتحن حمد الجاسر؟ ومن يمتحن الشيخ علي الطنطاوي؟ و من يمتحن الشيخ محمد متولي الشعراوي؟ ومن يمتحن الشيخ محمد الغزالي؟ ومن يمتحن أبا الحسن الندوي؟ ومن يمتحن الشيخ عبدالعزيز بن باز؟ ومن يمتحن الشيخ ناصر الدين الألباني؟ ـ هؤلاء كانوا مدارس للعلوم والمعارف التي يجب ان يتخرج فيها كل من يتأهل للحصول على الدكتوراة. لقد حفظوا أمهات الكتب في صدورهم, وواكبوا مراحل تطور التعليم في عصورهم, فألفوا ما ألفوا, وحققوا ما حققوا. وها نحن اليوم عالة على موائد علمهم, وليتنا كنا قادرين على قراءة ما كتبوا. ـ لقد كرمت اكثر من مؤسسة ثقافية حمد الجاسر, من غير ان ينتظره هو, وانني مازلت اتذكر دعابته يوم كرمته جائزة الملك فيصل حيث قال تعود الناس ان يكرموا بعد موتهم, ولكن كرموني وانا حي ان هذا لشيء عجاب. ـ ان الجاسر رحمه الله من معاصري مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن سعود رحمه الله. ومن معاصري الشيخ محمد رشيد رضا من مصر, والشيخ محمد بن عبدالرزاق حمزة من الحجاز, والتقى أيضا بالدكتور طه حسين عميد الادب العربي الراحل. اذن فان الجاسر عندما يرحل اليوم ترحل معه عدة أجيال, كيف لا وقد كان يتقلب بن العلم وأهله من قبل الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم 14/9/2000. ـ ان حمد الجاسر هو مؤسسة اليمامة, ومجلة العرب التي ستظل تنبض بفضل الجاسر عاش أو رحل. ـ لقد أثرى الجاسر المكتبات العربية بهذا العلم الغزير, وهو يتقن لغة واحدة هي العربية, فكيف لو كان يتقن لغة عالمية اخرى بجانب لغته؟ أما كان يقدم أضعاف أضعاف ما قدمه؟ بالتأكيد نعم, لذلك فان هذه الأمنية باتت مكبوتة في صدره وهو القائل: أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو انني لم أتعلم لغة اخرى تمكنني من معرفة ما يكتب عن أمتنا بغير لغتها. ـ أقول: وهذه الأمنية المكبوتة هي وصية من الفقيه لأبناء الأمة العربية بالاستزادة من العلوم والمعارف, ثم تعلم اللغات لأنها وسيلة التعرف الى معارف الشعوب وعلوم الأمم. والعاجز هو الذي يحبس نفسه بين جدران التعصب الأعمى, وكره ثقافات الأمم الاخرى, بحجة انه يحب لغته فحسب. ـ فرحم الله علامة الجزيرة حمد الجاسر وأسكنه فردوسه الأعلى. ورحم الأمة العربية من بعده, والتي أصبحت تفقد كل يوم علما من أعلامها من غير ان يولد له خليفة يخلفه سوى المدعين أليس كذلك؟