ـ في بداية كل عام دراسي تواجه وزارة التربية مشكلة تسجيل الطلاب والطالبات. هؤلاء منهم من يطلب تسجيله في الصف الاول الابتدائي, ومنهم من يريد الالتحاق بالثاني الابتدائي فما فوق. ـ لقد نظمت لائحة القيد والقبول تسجيل هؤلاء التلاميذ والتلميذات, وحددت مواعيد للتسجيل, لكن مع ذلك فان معاناة الوزارة منهم ومن أولياء أمورهم كبيرة, لأنهم لا يريدون ان يقتنعوا بأن القانون هو سيد الموقف. ـ هؤلاء التلاميذ او الطلاب منهم المواطنون, ومنهم الوافدون العرب, ومنهم المسلمون, ومنهم الأجانب. والمواطنون منهم من يحمل جنسية الدولة, ومنهم من يحمل الجواز فحسب, ومنهم من يحمل الجواز المؤقت ومنهم من يحمل المرسوم الصادر من صاحب السمو رئيس الدولة, ومنهم من يحمل الجواز الاماراتي لكن صلاحيته منتهية, ومنهم من لا يحمل شيئا سوى شهادة الميلاد. ـ اما الوافد العربي فمنهم من يحمل الجواز ويحمل اقامة سارية المفعول, ومنهم من هو مسجل في جواز أمه والاب لا يعلم عنه شيئا, ومنهم من يعيش في الدولة من غير اقامة نظرا لظروف والده, ومنهم من يحمل الجواز وشهادة الميلاد الا ان شهادة الميلاد والجواز لا يتطابقان, ومنهم من تتوافر فيه كل الشروط الا ان والده يعمل في القطاع الخاص, ومنهم ايضا من يفوته التسجيل في المواعيد التي تحددها الوزارة, فيأتي بعد ذلك يترجى الوزارة بأن تقبل منه السهو والنسيان. ـ اما الوافد المسلم فمنهم من يحمل الجواز واقامته سارية المفعول, ووالده يعمل في القطاع الحكومي, ومنهم من يحمل الجواز والاقامة الا ان والده يعمل في القطاع الخاص, ومنهم من لا يحمل شيئا, وانما يعيش تحت رحمة الله. ـ وهناك فئة اخرى وهي الزوجات الاجنبيات يتزوجن من مواطنين, وبعد ان ينجبن منهم اولادا يتطلقن, فيتزوجن بأجانب مقيمين على ارض الدولة, وعندئذ تطلب ام المواطن من ابنها المواطن بأن يكفل أولادها من غير المواطن بحكم انهم اخوته من الأم. ـ ومنهم ايضا من هو من جنسيات مشردة في الارض موجود على ارض هذه الدولة وعنده اقامة شرعية الا انه لا يعمل في القطاع الحكومي, او يعمل لكن لديه مشكلة اخرى وهي ان اولاده ادخلهم المدرسة الخاصة قبل ان يعمل في الحكومة, والآن بعد ان التحق بالعمل الحكومي يرغب في تحويلهم من الخاصة الى الحكومة الا ان النظام يحول بينه وبين ذلك. ـ وهناك من رضي بالمدارس الخاصة لكن نظرا لأنه لديه درزن او نصف درزن من العيال, ومعاشه لا يتجاوز الفي درهم فانه يأتي الى الوزارة ودمعته على خده. ـ ومن هؤلاء ايضا الارملة التي ابتلاها الله بتربية اولادها بعد ان مات زوجها قبل سنوات ولم يترك لها الا الهم والنكد. ـ ومن هؤلاء من تتوافر فيه كل الشروط الا شرط السن تنقص او تزيد عن الذي حدده القرار ببضعة ايام, او ان شهادته تنقصها التصديقات. ـ هؤلاء في الواقع يتوافدون على الوزارة في بداية العام الدراسي, وكلهم امل بأن تحل الوزارة مشاكلهم, والوزارة تفعل ذلك فعلا الا ان مشاكلهم تفوق قدرات الوزارة. عندئذ يحتجون عليها بأنها لا تريد ان تساعدهم, مع العلم بأن التعليم للجميع. ـ اقول نعم ان التعليم للجميع ولكن من الصعب ان يقال هذا على اطلاقه في دولة كدولة الامارات التي بلغ عدد سكانها في عام 2000 ثلاث ملايين تقريبا, منهم 550 الف مواطنون ومليونان و450 الفا غير مواطنين. اذن فان نسبة المواطنين 18% فقط, ونسبة غير المواطنين 82% حسب الاحصائيات التي نشرتها صحيفة الخليج يوم تحدثت عن الخلل السكاني في الامارات. ـ هذا الكم البشري المخيف يقيم على ارض الامارات, والامارات قد فتحت اكثر من 700 مدرسة لاستقبال ابنائهم, لكن ليس بالطبع ابناء كل فئاتهم. ذلك ان مدارس الدولة مهما تتسع وتتوسع فانها لن تستوعبهم كلهم. اذن فالمواطنون منهم, ومن في حكمهم, وابناء العرب العاملين في القطاع الحكومي هم المستفيدون من هذه المدارس. اما غير العرب او العرب العاملون في القطاع الخاص فانهم مسئولون عن تعليم ابنائهم. ـ وبالفعل فان هناك 400 مدرسة خاصة أو أكثر قد فتحت أذرعها لاستقبال هؤلاء بكل فئاتهم من الذين ذكرنا بأن قانون الوزارة لا يشملهم. ـ لكن يا ترى لماذا كل هذا الضجيج, وهذه الصدعة التي تعاني منها وزارة التربية؟ ـ ثم لماذا يتراكض المواطنون الى الوزارة متأبطين اولادهم واقاربهم مع بداية كل عام, مع العلم بأن مشكلتهم محلولة, والقرار الوزاري موجود في المدارس, والاعلان الخاص بالقبول أذيع في التلفاز والاذاعة, ونشر في الصحف؟ ـ انني في الواقع لاحظت امورا من خلال عملي مديرا لادارة الخدمات التربوية وهي: 1. الوزارة تجتهد في كل عام ان تبكر في الاعلان عن مواعيد التسجيل من خلال القنوات التي ذكرناها, ومن خلال شهر مارس مرة, وشهر يونيو مرة, وللمواطنين في سبتمبر مرة اخرى. 2. تحاول الوزارة ان توجد مبررا قويا لمن يتخلف عن التسجيل في مارس ويونيو, وذلك للوافدين حتى تسجلهم في سبتمبر. ـ لكن الذي يحصل من المواطنين انهم بأنفسهم يقررون اذا كان الطفل يدخل المدرسة او لا يدخل, ومتى قرروا فلابد ان يدخل حتى ولو كانت سنه اقل او اكثر من الحد القانوني. لذلك فانهم يركضون الى الوزارة للحصول على استثناء من معالي الوزير الذي تحول مكتبه الى مكتب وزير الشئون الاجتماعية رغم انه صريح مع الناس ويقول لهم لا استثناء من القرار, ويوجه الادارة المعنية بتطبيق اللائحة. ـ اما الاخوة الوافدون العرب الذين اعطوا فرصة التسجيل مرتين لكنهم فوتوا على انفسهم بحجة النسيان فانهم يركضون ايضا الى الوزارة, وهم يعلمون في قرارة انفسهم بأنهم السبب ولا يستحقون بعد ذلك شيئا, لأن الوزارة اعطتهم الفرصة لكنهم استهتروا وتهاونوا في الامر, والقاعدة تقول: القانون لا يحمي المغفلين. ـ هذا في الحقيقة كل ما في الامر, لكن يا ترى ماذا يحصل لو صبر المواطن حتى يبلغ العمر القانوني للتسجيل, او يلحق ولده بالمدرسة الخاصة؟ وماذا يحصل ايضا لو تعلم الوافد من هذه البهدلة درسا فتقيد بالنظام, وهو يعلم انه ليس له الا فرصتان؟ ـ في الواقع انني لاحظت شيئا وهو ان المواطن والوافد لا يريد ان يتعلما النظام, لذا فانهما يتوجهان الى الوزارة للحصول على الاستثناء, يحرجون بذلك اكبر مسئول واصغر مسئول فيها, مع العلم بأنهم لو تقيدوا بالنظام لحصل كل منهم على مراده من غير من ولا أذى. ـ نعم هذا هو الصحيح, لكن مع ذلك فانني اقول: هل من المعقول ان يلقي اللوم جميعه على التربية دائما, وتطالب بأكثر من مقدورها؟ كلا بالطبع. اذن لماذا لا تحاول المؤسسات الكبيرة ان تفتح مدارس خاصة وفق منهج وزارة التربية, مقابل فرض رسوم رمزية على العاملين فيها ان لم تكن بالمجان؟ هذه الفكرة لو طبقت تغني هؤلاء الفقراء الذين يحاججوننا مرة بانهم لا يعلمون عن نظام وزارة التربية, لانهم جنود يعملون ليل نهار, ولا يسمح لهم بالخروج. او انهم موظفون في مناطق نائية لا يعلمون عن النظام شيئا.او أنهم فقراء لا يستطيعون دفع اقساط المدارس الخاصة. ـ ان أهل الخير موجودون في كل مكان, ولقد قلت مرارا بأن انشاء مدارس لتعليم اولاد هؤلاء افضل من التمادي في بناء المساجد التي يفوق عددها اليوم عدد المصلين. ـ نعم ان بناء المساجد فيه فضل عظيم, لكن يجب ان نعلم ان تعليم الناس عبادة ايضا, والعبرة ليست في الانفاق فقط, بل في الانفاق في مكان يستحقه, اليس كذلك؟ د. عارف الشيخ