ماذا لو صدر قرار بدمج التلاميذ المكفوفين بمراكز رعاية وتأهيل المعاقين لمدارس المبصرين بوزارة التربية والتعليم؟ فالآونة الأخيرة شهدت اجتماعات لجان التنسيق بين لجنتي الشئون والتربية في وزارتي العمل والتربية والتعليم, لوضع آليات عمل, وصولا الى هيكل (أمثل) لعملية الدمج هذه. وفي حال صدور مثل هذا القرار, لا سيما في المراحل الدنيا (الابتدائية) منها.. ترى هل نكون قد سعينا به الى تنمية قدرات الكفيف ومهاراته بعيدا عن الدراسة الفردية بمراكز التأهيل الخاصة به؟ وهل من الممكن اذا حدث الدمج هذا ان ينجو الكفيف من التعليق على عدم ابصاره من قبل رفاقه في مدارس المبصرين؟ وهل بامكانه مجاراتهم في اللهو واللعب؟ وهل..؟ وهل...؟ في السطور التالية استطلاع لرأي المعلمين والطلاب بمركز رعاية وتأهيل المعاقين بدبي وأولياء أمور المكفوفين الذين نما الى مسامعهم قرب دمج المكفوفين في المدارس الحكومية والمسئولين بوزارة التربية والتعليم... فكيف كانت آراؤهم؟ يقول احمد مختار (معلم لغة عربية) بالمركز منذ عام 1983: انه ليس لديه مانع للدمج, ولكن شريطة ان يكون من المراحل العليا, بعد ان يكون التلميذ المكفوف قد اعتمد على نفسه, ووصل الى مرحلة اعلى تسمح له بالتأقلم المنشود, وان وجدت بعض المشاكل التي قد تعترضه لا سيما الخاصة بتوفير المناهج المطبوعة بطريقة (برايل) لان التلميذ المكفوف عندما يكون ناضجا باستطاعته طباعة بعض المقررات الدراسية دون الحاجة الى مساعدة غيره, علاوة على امكانية تلقي تعليمه من خلال السمع, ويشارك غيره من زملائه في الفصل دون ما يعرضه للاحراج أو أية مشكلة. قرار جماعي واضاف مختار, انه في حال صدور مثل هذا القرار, من الضرورة ان يكون جماعيا صادرا بعد تشاور أعضاء الهيئة التدريسية بالمركز وأولياء الامور المعنيين والاخصائيين النفسيين, وتابع ان هناك فكرة مفادها ان التلميذ الكفيف عندما يكون في المراكز الخاصة يكون معزولا اجتماعيا, ولكنه رأي خاطئ, لان التلميذ اذا كان كفيفا يعتمد على التنشئة في بيته وبامكان الاسرة ان تجعله اجتماعيا أو منعزلا, ومركز التأهيل يقضي على تلك الرؤية, ودليل ذلك ان طلابنا وطالباتنا يشاركون في جل الانشطة سواء من هو منها على مستوى المراكز او غير ذلك, والاعلام يشهد بذلك. ويشير نور الله نور الله (معلم فلسفة) بالمركز منذ عام 1991 الى المشكلة النفسية للتلميذ الكفيف, فالكفيف كما يرى ليس ضعيفا, ولا يصح دمجه مع المبصرين, بل يجب ان يكون التلميذ متواجدا في نفس بيئته, كي لا يشعر بالاحباطات التي تحيط به من مدارس المبصرين عن سوء فهم. وطرح اسئلة منها: كيف يكون شعور التلميذ الصغير المكفوف في المراحل الدنيا (الابتدائية) مع زملائه المبصرين في الفسحة او داخل الصف بين أربعين تلميذا أو اقل بعض الشيء؟ وهل ينجو التلميذ الكفيف من سخرية زملائه في مدارس المبصرين؟ وكيف يلهو ويلعب؟ وأي كتاب هذا سيدرسه التلميذ الكفيف في مدارس التربية؟ أهو خاص بالمبصرين؟ أم بطريقة برايل؟ وقال: رغم ان دراسة الكفيف فردية الا اننا نقوم في مراكز المعاقين بالاستعاضة عن النظر بطريقة اللمس التي توصل المعلومة الى المخ مباشرة دون تخيل وكأنه كالمبصر تماما. فنحن عندما ننمي التلميذ في بيئته الصحيحة, ومع زملائه, فلن يشعر بأي خجل لأن الاعاقة واحدة بين الجميع, وعندما يكبر يكون قادرا على التبادل العلمي مع قرنائه ويكون فعالا. واضاف قائلا: ان التلميذ الكفيف بحاجة الى تنمية قدراته وامكاناته بالشكل الأمثل, ونرى ان ذلك لن يتأتى الا من خلال الدراسة الفردية بالمراحل الدنيا بمراكز التأهيل الخاصة بهم. وتابع هل هناك مدارس في دولنا العربية تحذو مثل هذا الحذو والنهج تدعونا لاتخاذ مثل هذه القرارات. عمر زمني وأيدت عالية الحداد معلمة بقسم المكفوفين بالمركز تخصص (جغرافيا واعلام) رأي زميليها فيما ذهبا اليه من اراء في هذا الصدد, وقالت: انها ليست ضد فكرة الدمج, ولكن المشكلة تكمن على حد قولها في ان عملية الدمج هذه تتم في اطار هذا العمر الزمني من ثماني سنوات الى عشر سنوات, فطريقة التدريس في هذه المرحلة تدور حول ما يتعلمه التلميذ من تحليل وتركيب وقراءة وكتابة ولمس, ويتدرب فيها على طريق لمس حروف (برايل). واشارت الى ان التعليم في مركز التأهيل لا يتم فقط في حصة اللغة العربية, ولكنه يمتد الى بقية المواد الاخرى, لان معلم اللغة لا تتوقف عنده طريقة تعليم (برايل) وكذلك بقية معلمي المواد الاخرى, فهي مهارة تمتد مع كل الحصص وتكتسب منها. وأكدت على ان الوسائل التعليمية الموجودة بمراكز تأهيل المعاقين غير موجودة في وزارة التربية لأنها باهظة الثمن, اضافة الى ان طريقة (برايل) عدد حروفها تختلف جملة وتفصيلا عن حروف المبصرين, وحتى مدرسة المبصرين لا تستطيع متابعة التلاميذ بطريقة (برايل) وتواجه صعوبة بالغة في ذلك, ولعلها أمور مجتمعة تقف حائلا دون نجاح التجربة في المرحلة الدنيا والابتدائية. وقالت عائشة يوسف (معلمات رياضيات) بالمركز: انها كانت تعمل لمدة سبع سنوات بمدارس وزارة التربية, ولم يكن لديها وقت لرفع مستوى التلاميذ المبصرين آنذاك وسط زخم هائل من التلاميذ بالفصل الواحد, فكيف اذا كانت لديها بعض الحالات من المكفوفين داخل الفصل وتحتاج الى رعاية هي الآخرى. واضافت انها عندما جاءت الى مركز تأهيل المعاقين, وقامت بالتدريس في قسم المكفوفين (رياضيات) واجهت صعوبات كثيرة في تعليم رموز الرياضيات (طريقة برايل) لكنها اجتهدت وتعلمت من خلال مساعدة المدرسين المتخصصين في طريقة (برايل) واستطاعت الوصول الى مرحلة لا بأس بها, واصبحت تؤدي عملها على الوجه الاكمل وان كانت هناك بعض المشاكل, مضيفة ان الصف الدراسي بالمركز لا يتجاوز ثلاثة طلاب, والوسائل التعليمية المناسبة والخاصة بالمكفوفين غير متواجدة في وزارة التربية وضربت مثالا بكيفية رسم الاشكال الهندسية الخاصة بالمكفوفين والخرائط والاتجاهات وقالت ان جميعها باللمس وهذا لا يوجد بمدارس التربية والتعليم, والتجارب العلمية في حصص العلوم, اجراؤها انجح في مراكز التأهيل, لان كل طالب يقوم باجراء تجربته بنفسه من خلال معلمه, ووقت الحصة في المركز يسمح لقلة عدد الطلاب داخل الحصة, على عكس حصص وكثافة طلاب وزارة التربية. واختتمت قائلة: بأن الدمج يجب ان يتم في المرحلة الثانوية بعد الأول الثانوي لقلة المواد التعليمية في الثاني والثالث الثانوي, واتجاه المكفوف غالبا للادبي, فالعلمي يحتاج الى متابعة قد تكون غير متوفرة. قصور الرؤية ورحاب فيصل تلميذة بالصف الثاني الابتدائي وعمرها (16 سنة) والتحقت بالمركز في العام 98, وكانت قبل المركز في مدرسة اسماء بنت ابي بكر الحكومية بالشارقة وفي الصف الرابع بها, وعندما التحقت بالمركز ألحقوها بالصف الرابع الابتدائي, ولكن فوجئ المركز بمستواها الضعيف وعدم المامها بأية خلفية علمية او ثقافية حتى حفظ بعض قصار السور القرآنية, وعليه تم الحاقها بتمهيدي المركز, وهذه دلالة قد تكون على قصور رؤية دمج الكفيف في سن مبكرة على حد قول معلميها بمدارس المبصرين التابعة لوزارة التربية والتعليم, وهناك اخ لها في الصف الاول بالمركز ويعاني من المشكلة نفسها. واشارت رحاب الى جدوى الدراسة بالمركز عنها في مدرستها الحكومية السابقة. وتقول ولية امر سيف وعائشة جمعة الفلاسي بالصفين الرابع والثاني بالمركز ان الدمج في هذه السن لا نؤيده, لكون التلاميذ صغارا, ومن المفروض ان يتم في المرحلة الثانوية وحتى يتم تهيئتهم التهيئة الكاملة. وترى عواطف اكبري (كفيفة) ليسانس اداب انجليزي (جامعة الامارات) ضرورة ان يكون الدمج من المرحلة الثانوية, فالتلميذ في المرحلة التأسيسية يتطلب اعدادا وتأسيسا يتناسبان وظروفه من رسومات ورموز وغيرهما, وهذا يمثل عبئا على المعلم في مدارس المبصرين, والمفروض اعادة النظر في ذلك التوجه. ويقول حسين صالح الشواب نائب مدير مركز تأهيل المعاقين بدبي: ان هناك قرارا من السنة الماضية من وزارة التربية بقبول المكفوفين بشكل عام سواء من المراكز أو اولياء الامور, ولكننا كادارات للمراكز لنا تحفظ بالنسبة لدمج المكفوفين لا سيما في المراحل الدنيا (التأسيسية) على اساس ان وزارة التربية تفتقد الى الخبرات الموجودة بالنسبة لطريقة تعليم (برايل) اما بالنسبة للصف الرابع فنحن نوافق على الدمج على اساس ان يكون التلميذ مجيدا بالفعل طريقة (برايل) وان تتوفر له المناهج المطبوعة بطريقة (برايل) وسبق وان تم دمج مجموعة من المكفوفين ولكن في المرحلتين الاعدادية والثانوية, وعقدت لجان بالفعل من قبل وزارتي العمل والتربية تم عقدها للتنسيق في وضع أسس للمناهج التي سيتم تدريسها للمكفوفين بالتشاور مع ادارات المراكز او المختصين في طريقة برايل. واشارت عائشة عبدالله نائبة مديرة ادارة برامج ذوي القدرات الخاصة بوزارة التربية والتعليم الى ان ما يتعلق بدمج التلاميذ المكفوفين ليس نهائيا, وسيعرض على وكيل الوزارة, وهناك تنسيق مبدئي بين وزارة التربية والعمل في هذا الخصوص, وطلبنا من وزارة العمل وضع آليات, وتوضيح أدوار كل جهة. وأضافت ان الحالات المرشحة لن تقبل الا بعد موافقة ولي الأمر, واستطردت قائلة: انها مع دمج المكفوفين بمدارس المبصرين بوزارة التربية حتى ولو كانوا في الصف الرابع شريطة تهيئتهم تهيئة كاملة, وان يكونوا على المام تام بطريقة برايل. واكدت على ان لجنتي الشئون والتربية تعملان لصالح التلاميذ المكفوفين, ودائما ما تمت المطالبة بألا يكون الكف البصري في مراكز المعاقين بل يجب ان يكون في المدارس. وبعد .. يبقى سؤالي أجدى: هل صدر قرار بالفعل؟ أم انها مداولات سينبثق عنها قرار بالفعل؟ وهل لمخاوف أولياء الامور مبرر أم انها مخاوف مبالغ فيها؟!