قالت عالمة الذرة اللبنانية سلوى نصار في ستينيات القرن الماضي (ماذا يخبئ المستقبل لطلابنا ونوابغنا؟.. أتصلح الأحوال قبيل نهاية القرن العشرين؟ فتغدو المعاهد نموذجية بمخابرها وتجهيزاتها.. أتستقطب بلادنا أسراب الفكر المهاجرة, تلم شتاتهم مراكز أكاديمية للابحاث العلمية؟ ما أروع الأحلام ان تحققت بحلول عام ألفين..!) الآن وبعد مرور اكثر من ثلاثين عاما على ما تمنته هذه العالمة التي شاع لقبها بـ ماري كوري الشرق, فلم تتقدم جامعاتنا ومازال العلماء في بلداننا العربية يعانون وضعا علميا مترديا, وخاصة في المجال التجريبي, بسبب صعوبة وضع اللبنات الأساسية للبحث العلمي وقلة الميزانية المخصصة له وتعثر الباحثين في ادراج عناصر شابة للخوض فيه, فضلا عن اقصاء بعضهم عن مجالات اختصاصهم وضعف مستوى دخلهم المادي وسيطرة الروتين الاداري عليهم وعدم فسح المجال أمامهم لحضور المؤتمرات العالمية المختصة, والى ما هنالك من الاسباب التي تعيق تفكير هذه العينة المميزة في المجتمع. وفي هذا الوضع العربي العلمي, تتشجع عقولنا العربية للبحث وراء البحار عن مخابر ومراكز ومشافي توافق تفكيرهم ومستواهم العلمي, حيث يجدون بانتظارهم المراكز العلمية الغربية التي تفسح المجال امامهم للعمل على أجهزة علمية متقدمة تتماشى مع التطورات المتسارعة التي تحدث في الاختصاصات الدقيقة, ناهيك عما يمنحون من حرية في البحث والتجريب دون أية معوقات روتينية قد تكون سببا في شل تفكير العقول المتنورة, اضافة الى متابعة المؤتمرات العلمية المختصة التي تقام في غالبية دول العالم. حيث تعطي هذه العوامل مجتمعة العلماء العرب المعروفين بمقدرتهم الابداعية, دفعا كبيرا لدخول عالم الاختراع والشهرة ونيل افضل الجوائز العالمية كما حدث مع العالم احمد زويل الذي حصل على جائزة نوبل في الكيمياء في العام الماضي 1999, ومع عالم الكيمياء الياس خوري عام 1990 ومع عالم الطب بيتر مدور عام 1960, الذين اسعدوا بنجاحاتهم العرب, بالرغم من الألم الذي يسببه غيابهم عن ارض الوطن الذي هو بأمس الحاجة الى مثل هؤلاء العلماء. وحري بالذكر, أن الغرب لم يوفر جهدا في استقطاب العقول العربية المعروفة بقدرتها الابداعية عبر التاريخ, كي يبقى محافظا على تقدمه العلمي والتكنولوجي مقارنة مع الدول النامية, ومنها العربية. حيث حاول المعنيون في الغرب جاهدين على استمرار تابعية الدول العربية لهم في المجال العلمي كما هو الحال في المجالات الاخرى, بالرغم من تحفظهم على البعض الذين يعملون في مجالات تتعلق بالامور العسكرية وخاصة في المجال النووي والذري. ولم يكتف الغرب باستغلال الادمغة العربية علميا, بل يسعى لتمتين علاقاتهم ببلد الاغتراب, كاعطائهم الجنسية الأوروبية أو الأمريكية, ناهيك عن تسهيل اندماجهم بالحياة الغربية التي تختلف كثيرا عن حياتنا العربية وذلك كي يفك ارتباطهم ببلدهم الأصلي, وبعروبتهم فضلا عن تشجيع باحثين آخرين للهجرة الى امريكا واخوتها التي اصبحت فكرة تراود اذهان الكثيرين. ولا شك في أن العرب, في نهاية القرن العشرين, كي لا ننكر حقهم, خطوا بعض الخطوات الايجابية كالسعي للاستفادة من المعلوماتية وتقنيات الاتصال الاخرى وتلقي العلوم والثقافات الاخرى وتظهر بين الحين والآخر محاولات للنهوض بالبحث العلمي, الا ان التعليم تدهور بأمور كثيرة, اذ مازالت مناهجنا الدراسية متخلفة ومخابرنا التدريسية متواضعة جدا, واسلوبنا التدريسي إلقائي ومعيار تقييمنا للطلاب حفظي اكثر مما هو فهمي, ومازال مستوى البحث العلمي عندنا ضعيف, حيث ان عدد الباحثين القادرين على احداث تطورات علمية قليل جدا مقارنة مع عدد سكان الوطن العربي, وانعكاس ابحاثهم على المجتمع محدود جدا مقارنة مع ربط ابحاث الباحثين بالمجتمع في الدول المتقدمة. وعلاوة على ذلك, مازلنا نقيم الندوات والمؤتمرات لدراسة موضوع العقول العربية والمهاجرة ونقدم الاقتراحات والحلول لوقف نزيف هذه الادمغة, ونطالب الغرب بالتعويض عنها ولكن دون ان نلامس الواقع الحقيقي بل نخطئ بالقاء اللوم على علمائنا واتهامهم باللاوطنية في بعض الاحيان واحالتهم الى القضاء بسبب الهروب من وظيفتهم في احيان اخرى, وننسى تقصيرنا تجاههم والاسباب التي ادت بهم الى الهروب خارج الوطن, سواء كانت معنوية أو علمية أو مادية. لا ادعي الفهم او القدرة على وضع حلول لمشكلة هجرة ادمغتنا المعقدة, لكنني اذ الامس جوانبها, ارى ان اتجاها جذريا نحو تشخيص جوهر هذه المشكلة يجب ان يتم عاجلا, حيث لاولي الامر ما يفيد في ذلك, لان عدم حل هذه المشكلة سيزيد مشكلة طلابنا وعقولنا وجامعاتنا, وهنا استشهد بما قاله المفكر السوري طيب تيزيني في ختام مقاله المعنون بـ الجامعات الى متى هكذا؟ والمنشور في صحيفة تشرين السورية بتاريخ 7/6/2000م (ان ما هو مطلوب في مرحلتنا العربية يتمثل في اعادة بناء جامعاتنا في ضوء أمرين حاسمين هما التقدم العلمي بكيفية تتحول فيها الجامعة الى قوة انتاج مباشرة في حياتنا أولا, واعادة بناء الامة من موقع الحفاظ على هويتها القومية والحضارية ومن ثم من موقع تكوين كوادر علمية واسعة ونشطة تنتشر في اصقاع الوطن تمده بالتنوير والعقلانية) . بقلم د. غازي حاتم