ـ قبل ثلاثين عاما من الزمن لم تكن تعرف هذه البلاد بدولة, ولكن كانت حكومات ومشيخات, وتلك المشيخات والحكومات لم يكن يمر بخلدها ان أرضهم تخبئ لهم كنزا ثمينا يسمى النفط, أو تنجب لهم رجلا أثمن من النفط يقال له زايد. ـ ذهبت السنوات العجاف بقساوة برها, وأهوال بحرها, وأطلت على هذه المنطقة سنوات الرخاء, فجاء البشير متمنيها. ـ نعم غاب نجم الذل والاستعمار, وطلعت شمس الحرية والاستقلال, فصارت منطقتنا كسائر المناطق العربية تتطلع الى يوم يكون لها كيان مستقل, وصوت مسموع, ودعوة مستجابة, وكلمة نافذة, وسيادة وشعب وقانون. ـ بدأت تتفجر ينابيع العلم على أيدي علماء قدموا إلينا, وبدأت أقلامنا تستجيب لكتابة ما يمليه أولئك الافذاذ من الدرر, وآذاننا تصغي الى تلك الخطب الحماسية التي كانت تبث فينا روح الوطنية والعزة والاباء, وصرنا نمد أعيننا وأيدينا الى خيوط الشمس لنستلهم منها أمل الغد, ورحنا نبش في وجه كل نسمة طيبة تهب علينا, لعلها تحقق لنا تلك الامنية المكبوتة في نفوسنا. ـ فكان قدرنا أن يصادف ذلك قلب رجل من خيرة آل نهيان, ولكن من غير ان نعرف من هو؟ فكانت صدفة تشبه القدر, أو قدرا يشبه الصدفة, فتمكن ذلك الحب من قلب ذلك الرجل, وقديما قال الشاعر: عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا ـ نعم ذهب القدر يعد لنا ذلك الرجل الذي سوف يحول رمال الصحراء الى سكر, وحيتان البحر الى درر, ويكسو الكرة الارضية حللا خضراء, ينتعش في زهوها كل من في الشرق أو في الغرب. ـ شاء الله ان يولد ذلك الرجل العظيم الذي سمي فيما بعد زايدا, قبل ان تولد دولة الاتحاد, لعلم الله سبحانه وتعالى ان دولة الاتحاد لن تولد الا في حضن من يقدر على تربيتها وتنشئتها. نعم ولد زايد أولا ليكون مبعوث العناية الالهية الى هذه المنطقة, وولدت دولة الاتحاد بعده لتنعم بحب زايد وفكر زايد واخلاص زايد, وصراحة زايد, وصدق زايد, ووطنية زايد, وشهامة زايد, وحكمة زايد, وفطنة زايد. ـ جاء زايد وجاء الخير معه, والخير لم يكن نفطا, بل كرما وسخاء وسماحة حملها زايد معه الى البشرية في الداخل والخارج, لذلك فان الله تعالى أعطاه من الخير على قدر كرمه وجوده وسخائه. ـ تصوروا ماذا كان يحصل لو كان حامل لواء الحرية والاستقلال والاتحاد غير زايد؟ هل كانت الدولة تخضر من حولنا؟ هل بلابل العلم والمعرفة كانت تغرد في حدائقنا؟ هل انظار العالم تتجه الينا؟ هل الدول المجاورة تحترمنا وتهابنا؟ هل كانت المدارس والمعاهد والجامعات تنافس بعضها بعضا؟ ـ نعم ان ابوظبي عرفت التعليم اول ما عرفت مدرسة العتيبة, ودبي اول ما فتحت عينها فتحتها على الأحمدية, والشارقة اول ما ابتسمت ابتسمت للتيمية, وهكذا.. لكن صدقوني ان ذلك كان حلما ولم يكن علما, او كان حلما يشبه اليقظة, ويقظة تشبه الحلم, ولم يكن يسقي او يظمي على حد قول المثل اليمني. ـ كيف وابناء المنطقة صاروا يسمعون بالعالم من حولهم, والعالم يسعى لينفتح عليهم, وهل هناك في ظل تلك التداعيات وسيلة اسرع الى قلوب العالم من الكرم وهل هناك جسر اطول من حب الشعوب, والاستماع الى معاناتها, والسعي نحو ايجاد حل لها؟ ـ نعم..! كان جسرا من الحب اللا محدود, وقد تحول فيما بعد الى رسالة وفاء لها بداية ولا نعرف نهايتها حتى الآن. ـ كان ذاك الجود, وذلك الجسر, وتلك السماحة التي استطاع بها زايد ان يملك القلوب والرقاب, والشاعر يقول: ببذل وحلم ساد في قومه الفتى فكونك إياه عليك يسير ـ زايد ذلك الأب الروحي الأول الذي علمنا كيف نغرس في نفوس أبنائنا حب العلم وحب الوطن, وكيف نربي فيهم الايثار؟ ـ وزايد ذلك المعلم الذي علمنا وعلم الناس جميعا بأن الحقد لا يبني, وان الوفاء هو حزام الامان. فاذا أردت ان تكون محبوبا فكن قبل ذلك محبا, واذا أردت ان تكون سيدا مطاعا فكن قبل ذلك وفيا. ـ هذه الخصال الطيبة في زايد لم يتصنعها لأنه بدوي عاش على الفطرة, ولكنها كانت طبعا فيه وسجية, وقد استطاع ان يواظب عليها طوال سنوات مضت, ولايزال, وصدق الشاعر اذ يقول: هو البحر من أي الجهات أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله ـ لذلك فانه اذا قال آه لا سمح الله وشكا من وعكة قال الناس جميعا آه وتوعكوا, واذا شفي شفي الناس جميعا باذن الله. ـ ما أقوله أنا صادق فيه, والا بم تفسر هذه العظمة التي نراها لزايد في قلوب الناس وعيونهم؟ ـ يسمعون بأن سموه غادر الى الخارج لاجراء فحوصات طبية, فلا تطمئن قلوبهم ولا تهجع عيونهم, بل يظلون ممسكين بجفونهم, وقلوبهم واجفة, وهم يبتهلون الى الله بأن يعيده اليهم سالما. ـ لقد سمعت افراد اسرتي, وسمعت ايضا افراد المجتمع وجماعاته يقولون لو احتاج زايد الى أرواحنا لو هبناه ارواحنا من غير تردد. سمعت ذلك من المواطنين وغير المواطنين الموجودين على ارض الدولة او خارجها. ـ ياترى بم تفسر هذا؟ ألا يعني هذا ان الله يحب زايد؟ وقد ورد في الحديث ان الله اذا احب عبدا قال لجبريل ناد في السماء بأنني أحبه, واذا أحبه الله في السماء القى محبته في قلوب العباد في الارض. ـ نعم زايد هو الحليب الذي رضعناه منذ طفولتنا, وزايد هو القلم الذي امسكنا به منذ اليوم الاول الذي جلسنا على مقاعد الدراسة, وزايد هو (بشت) التخرج الذي لبسناه عند تخرجنا في الجامعة, وزايد هو تاج الصحة الذي نلبسه في كل انحاء دولة الامارات, وزايد هو دوي المآذن الذي ينطلق ليشنف اسماعنا في دور العبادة المنتشرة في الدولة من السلع الى المرفأ الى خورفكان. وزايد هو الامان الذي ننام في ظله بعد ظل الله, فيحسدنا عليه أصدقاؤنا قبل اعدائنا, وزايد هو كل حبة رزق يلتقطها الطير, او قطرة ماء يشربها في الفيافي والسباسب, وزايد هو مدرسة الحكمة هذه التي يجب ان يتعلم فيها ابناء الشرق والغرب اذا ارادوا ان يبنوا لنا صرحا وحدويا. ـ فليعش زايد اذن, ولنذهب كلنا فداء له وللوطن. د. عارف الشيخ