أكد البروفيسور دانيال هينلي استاذ جراحة المخ والأعصاب وعلم التخدير الشهير بمستشفى جونز هوبكنز الامريكية خلال زيارة عمل قصيرة للدولة أن دولة الامارات تتميز بنظام صحي فريد استطاع استيعاب التقنيات الأوروبية والأمريكية الحديثة في المجال الطبي وبما يلائم الوضع المحلي للدولة, بالاضافة الى تعهد الحكومة بتوفير أفضل المعدات الطبية الحديثة للمستشفيات والمراكز الصحية. وقال في حوار خاص لـ (البيان) ان علاجات وجراحات المخ والاعصاب شهدت في الآونة الأخيرة تطورا كبيرا حيث أمكن التوصل الى ايجاد علاجات جديدة لمعظم أمراض المخ والأعصاب, وان الاعوام المقبلة سوف تشهد طفرة كبيرة في عالم الطب ربما لا نستطيع الآن حتى مجرد تخيلها. وأكد الدكتور هينلي الذي جاء تلبية لدعوة من شركة بالومر الامارات لخدمات التقنية الطبية ان هناك ستة عوامل خطرة تؤدي الى الاصابة بالجلطة الدماغية, وتكون نسبة حدوثها اكبر ممن ليس لديهم هذه العوامل وهي التدخين وامراض القلب والسكري وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم والضغط وعدم انتظام ضربات القلب. وقال ان اكتشاف خريطة الجينوم البشري ومحاولات العلماء في حل شيفرة الجينات البشرية سوف تحدث ثورة كبيرة في صناعة العقاقير الطبية والعلاجات الجينية لانها ستوجه الى الأسباب الحقيقية للامراض المختلفة ومن دون آثار جانبية. والتفاصيل في سياق هذا الحوار.. * في البداية سألت الدكتور هينلي عن تقييمه للمستوى الصحي في دولة الامارات العربية من حيث الخدمات الطبية للمرضى والمستوى العلمي للاطباء ومستوى الأجهزة الطبية المستعملة في المستشفيات؟ ـ قال: النظام الصحي بشكل عام في دولة الامارات العربية نظام فريد ومتميز من حيث الجودة في الخدمات أو من حيث النمو والتطور السريع في شتى مجالات العملية الصحية, كما رأيت استيعاب التقنيات الاوروبية والامريكية الحديثة في مجال الطب يتم بصورة جيدة وبما يلائم الوضع الصحي المحلي لدولة الامارات بالاضافة الى المستوى المهني الجيد للاطباء في معظم التخصصات الطبية, وتعهد الحكومة هنا والتزامها بتوفير افضل المعدات الطبية للمستشفيات والمراكز الصحية واعتقد ان العقبات التي تواجه تطوير الرعاية الصحية وتقديم أفضل الخدمات الطبية في دولة الامارات هي نفسها العقبات التي تواجهها معظم الدول في أوروبا وأمريكا, ومن هذه العقبات عملية التثقيف الصحي للمرضى, ومحاولة خلق علاقة اقوى بين المريض والطبيب بحيث تكون علاقة ايجابية متعاونة تؤدي الى ايجاد فرصة اكبر للعلاج, بالاضافة الى قضية تنظيم العمل الصحي. هذه التحديات التي تواجه الغالبية العظمى من دول العالم ارى ان دولة الامارات تسعى للتغلب عليها بعدة حلول ايجابية و بطرق علمية. ـ ولكن.. دكتور هينلي نود أن نتعرف الى التحديات الحقيقية التي تواجه دولة الامارات في المجال الصحي؟ ـ التحديات التي تواجهها دولة الامارات هي تحديات خاصة بطبيعتها الديمغرافية لأن عدد السكان القليل نسبيا يترتب عليه قلة عدد المرضى فلو افترضنا مرضا معينا يحدث بنسبة 1% في الدولة فان عدد المرضى يكون قليلا جدا بخلاف دولة مثل الولايات المتحدة الامريكية او الصين حيث ان نسبة الواحد في المئة تمثل الملايين من الناس. وهذا يجعل خبرة الاطباء في الامراض النادرة غير مكتملة الى حد ما, ومع ذلك فان التطور الحديث في علوم الاتصالات وفي ظل تطور شبكة الانترنت يستطيع الطبيب ان يلم بكافة الخبرات العالمية في مجال تخصصه بطرق سهلة وميسرة هذا بالاضافة الى سعي الحكومة الى استقطاب الاساتذة ودعوتهم من مختلف دول العالم ومحاولة الاستفادة من خبراتهم يؤكد السعي الحثيث لدولة الامارات في ايجاد مستوى عال في الخدمات الصحية والرعاية الطبية والدليل العملي أننا الآن هنا في دولة الامارات وعلى سبيل المثال مستشفى زايد على اتصال علمي بأكبر مستشفيات الولايات المتحدة الامريكية مثل مستشفى جونز هوبكينز ومستشفيات جامعة هارفرد ومعنى هذا ان مستشفى زايد توفر لاطبائها خبرة 15 ألف طبيب يعمل في هذه المستشفيات. والشيء الآخر الذي أود طرحه هو ان صغر حجم السكان يولّد فرصة كبيرة لانتشار الامراض الوراثية بسبب زواج الاقارب, ومعروف علميا ان الدولة الصغيرة من حيث تعداد السكان تكون عرضة اكثر من غيرها من الدول بالاصابة بالامراض الوراثية والسبب في ذلك عدم تنوع المصادر الجينية لدى السكان. وربما يكون التطور الحاصل في الوقت الحاضر في مجال العلاجات الجينية سوف يساعد كثيرا في ايجاد حلول جذرية للأمراض الوراثية بشكل عام خلال الفترة المقبلة. * واذا أردنا ان نتعرف عن الجديد في مجال علاج المخ والأعصاب.. فماذا يقول دكتور دانيال هينلي؟ ـ خلال الفترة الماضية حدث تطور كبير في مجال علاج وجراحات امراض المخ والأعصاب, فخلال العشر سنوات الماضية تعرفنا على الأقل على مئة من الامراض التي كانت في السابق مجهولة الهوية او غير معروفة من ناحية المسبب الجيني لها, واليوم ادى اكتشاف السبب الجيني لهذه الامراض ومعرفة التغيرات الكيميائية التي يحدثها الخلل في الجينات سهّل على الاطباء محاولات كثيرة لايجاد علاجات تعيد هذه العمليات الكيميائية المختلفة الى وضعها الطبيعي. وبمعنى آخر ان التوصل الى مسببات الخلل الجيني ومعرفتها في جسم الانسان ساعد على ايجاد العلاج الذي يصلح هذا الخلل الذي ظهر في صورة مرض معين ويعيد الجسم في حالته الطبيعية ومن أهم الامراض التي تم اكتشاف مسبباتها الجينية وتحديد الجين المسئول عنها امراض ارتخاء العضلات والصرع وبعض الامراض التي تؤدي الى فقدان التوازن. * هل نستطيع القول.. ان التوصل على رصد الخريطة الجينية للانسان والمحاولات الدؤوبة في حل شفرتها سوف ينهي العلاج التقليدي لكثير من الامراض؟ ـ الاكتشافات الحديثة لخريطة الجينوم البشري أدت الى وجود اسلوبين للعلاج, الاول يعتمد على عقاقير تقليدية تعطى للمريض لتعمل على تحسين الخلل الكيميائي الحاصل في الجسم وهذه العقاقير لها ميزة علاجية كبيرة, والاسلوب الآخر يتم باستخدام الهندسة الوراثية واختيار الاسلوب المناسب يتوقف على طبيعة الجين المسبب للمرض, ومن امثلة الامراض التي يتم علاجها عن طريق الجينات مرض الشلل الرعاش. * وعن الجديد في علاج الجلطة الدماغية يقول الدكتور هينلي.. الآن يوجد علاج فعال تم اكتشافه منذ 5 سنوات يستطيع منع الضرر الناجم عن الجلطة الدماغية وذلك باذابة الجلطة ليعود الدم مرة اخرى الى المخ, وتجري حاليا ابحاث على اساليب علاج الخلايا التي تضررت من الجلطة في مرحلة ما بعد الجلطة بحيث نستطيع منع حدوث جلطة اخرى وفي نفس الوقت نستطيع علاج الخلايا المخية المعطوبة والتي تسبب شللا في حركة الايدي والارجل. وهذه الدراسات تهدف الى تطوير زراعات خلايا دماغية لعلاج الاضرار التي تتأثر بها النوبات الدماغية, واثبتت الابحاث امكانية زرع خلايا مخية مستنبتة مخبريا في ادمغة مرضى الجلطات الدماغية بدون اثار جانبية تقريبا واجريت الابحاث على 12 شخصا تعرضوا للجلطة الدماغية واثرت على حركة الايدي والارجل لديهم, وكانت النتائج جيدة ومبشرة حيث استطاع ستة مرضى بعد عملية زرع الخلايا المخية المستنبتة بالمختبر في ادمغتهم خلال شهور قليلة تحريك ايديهم وارجلهم. * دكتور هينلي.. هل هناك عوامل معينة تؤدي للاصابة بأمراض المخ والأعصاب؟ ـ مما لا شك فيه ان لكل مرض عوامل مخاطرة وهي العوامل التي اذا توافرت في شخص تزيد احتمالات اصابته بهذا المرض وهناك ستة عوامل خطرة تؤدي الى الاصابة بالجلطة الدماغية وتكون نسبة حدوثها اكبر ممن ليس لديهم هذه الاسباب ومنها امراض القلب والتدخين وداء السكري وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم وعدم الانتظام في ضربات القلب. * هل هناك شريحة معينة من الناس تكون عرضة اكثر من غيرها للاصابة بامراض المخ والاعصاب؟ ومن اكثر عرضة لهذه الامراض الرجل أم المرأة؟ ـ ليس هناك فئة معينة من الناس تكون معرضة للاصابة اكثر من فئة اخرى, ولكن المحك الرئيسي هو توافر العوامل الخطرة التي تحدثنا عنها اضافة الى نوعية الحياة التي يمارسها الشخص المتمثلة في محافظته على صحته بغض النظر عن طبيعة عمله سواءا كان مهندسا أو طبيبا او فلاحا بسيطا يعمل في حقله, المهم اسلوب الحياة التي يمارسها وبعده أو قربه من العوامل المؤدية الى المرض. وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال نستطيع ان نقول ان نسبة الاصابة بأمراض المخ والأعصاب في السن الصغيرة تكون عند الرجال اكثر من النساء وذلك لان امراض تصلب الشرايين عند الرجال تحدث في سن أصغر نسبيا بخلاف المرأة التي تصاب بالمرض في سن متقدم نسبيا, وهنا تكون اعداد النساء اللواتي يصبن بالجلطة الدماغية اكثر من الرجال لسبب بسيط وهو ان النساء يعمرن اكثر من الرجال. * وعن الجديد في اعادة ربط الاعصاب المقطوعة في الحوادث المختلفة كانقطاع الحبل الشوكي مثلا؟ ـ في الحقيقة لم يحدث تقدم كبير في هذا الأمر وان كنا توصلنا الى العوامل الكيميائية التي تساعد على نمو الاعصاب. * وماهي توقعاتكم لما ستحدثه ثورة الجينوم البشري خلال الربع قرن المقبل؟ ـ مشروع الجينوم البشري كشف تركيب الجينات في الانسان وحتى هذه اللحظة لا نعرف الا 25% من و ظائف الجينات والـ 75% الاخرى تعرفنا على التركيب الكيميائي لمكوناتها فقط ولكن معرفة وظيفتها لم يتم بعد ولكن خلال الربع قرن المقبل سنشهد طفرة كبيرة في هذا المجال ولا سيما في مجال المخ والاعصاب. كما اتوقع ان تحدث المعلومات التي يتم كشفها يوميا تقريبا عن خريطة الجينوم البشري ثورة كبيرة في ميدان صناعة العقاقير الطبية والعلاجات الجينية خلال السنوات القليلة المقبلة لانها تمهد لشركات الادوية توجيه ادويتها نحو الاسباب الحقيقية للامراض المختلفة من دون اعراض جانبية تقريبا, كما تتجه الابحاث الحديثة في مجال الصيدلة الى ابتكار اساليب جديدة في المعالجات الجينية والتي تعمل على دعم الجينات المعطوبة او انعاشها لتقوم بوظيفتها بشكل طبيعي واستطيع القول ان الاعوام المقبلة سوف تشهد طفرة هائلة في عالم الطب بصورة ربما لا نستطيع الآن حتى مجرد تخيلها. حوار: مصطفى خليفة