من المفارقات التي تثير عجب المرء واستغرابه تصنيف الدول العربية بصورة عامة ضمن الدول النامية علميا, ذلك في احسن حالات التصنيف, في حين انها لم تكن كذلك على مر العصور والازمان, فبالامس كانت قائدة العالم, حيث تفوق انسانها في مختلف مجالات العلم ودروبه فكنا نجد العلماء والعباقرة والمبتكرين والمخترعين. ولم يكن ذلك متاحا لهم, لو لم يكن البحث العلمي قد استقام عندهم, ولو لم يكونوا قد برعوا فيه على اسس علمية اشاد بها واستفاد منها العديد من العلماء الذين يقودون حضارة العالم الجديد في عصر ما بعد الثورة الصناعية. ترى هل يعني هذا ان امتنا العربية باتت امة عقيمة لا يتوفر بين ابنائها العناصر الموهوبة؟ الحقيقة ان البحث في ملفات المواقع لن يعجز عن العثور على ادلة صارخة تعلن ان لدى هذه الامة مخزونا لا ينضب من المواهب والقدرات والطاقات المتميزة التي لو توفرت لها اسباب النمو العلمي لنمت وتركت بصماتها على صفحات تاريخ الحضارة المعاضرة وكانت خير خلف لخير سلف. فمسألة التأخر العلمي الذي نعاني منه الآن ليست مرتبطة بعدم توفر العناصر الموهوبة, بقدر ما يرتبط بعدم توفر البيئة المناسبة للكشف عن هذه العناصر مثلما ترتبتط بضعف نظم التربية التي لم تستطع حتى الآن ان تخصص جانبا منها للوفاء بمتطلبات واحتياجات الموهوبين بعد اكتشافهم. لقد استطاعت هذه النظم ان تعطي قدرا من الاهتمام بالمعوقين وقضاياهم وهو اتجاه وان كان مستواه دون الحد الادنى المطلوب ـ إلا انه حضاري نتمنى ان تتسع دائرته وتتنوع خدماته حتى تقابل احتياجات افراد هذه الفئة من ابناء المجتمع, كما شغل المعنيون بقضايا التربية والتعليم بالحديث عن ضعف المستوى التعليمي وانهمكوا في رسم الخطط والبرامج العلاجية مع ما تثيره من تحفظ عليها, وبقيت العناصر الموهوبة بعيدة جدا عن بؤرة الاهتمام او حتى هوامشه الامر الذي اوحى للغير بعدم توافر العناصر الموهوبة بين افراد هذه الامة ولعل هذا ما شجع الكثيرين على اتهام الفرد العربي بالتخلف في مختلف النواحي. ولهذا فنحن بحاجة الى نظم تربوية تضع في اعتبارها واقع المجتمع الكلي وتنظر اليه كوحدة مترابطة متكافلة نظرة تطرد الرؤية المحجوبة عن تلك العقول المتميزة وتوقف نزيف الهدر في ثروتنا البشرية, اننا نمتلك رصيدا ضخما من المواهب والكفاءات العلمية التي تعاني الضياع والتشرد والهجرة وضياع هذه الكفاءات اكثر فداحة واعظم خسارة من ضياع الموارد والثروات الطبيعية لانها رصيد للامة وضمان لبقائها وعنوان فخارها فتوصيف الامة العربية كامة متخلفة مأساة تحز في نفس كل فرد من افرادها خاصة الموهوبين منهم فمتى نتمكن من وضع الامور في نصابها وفي اطارها الصحيح؟ متى تتشكل لدينا نظرة شمولية تأخذ في اعتبارها رعاية الفرد الموهوب من خلال الاهتمام ببعده الذاتي؟ متى يكون لدينا نظم تربوية تجعل من التربية تنمية للانسان من حيث هو انسان وتبعدها عن التمحور حول تنمية الحياة الاجتماعية والاقتصادية. بقلم ـ عبدالقادر جاد الله