تعتبر الطفولة في سن ما قبل المرحلة الابتدائية من اهم المراحل في حياة الانسان اذ فيها يكون الطفل قابلا للتطور في النواحي الجسمية والعقلية والنفسية وقابلا للتأثر بما حوله من عوامل خارجية او داخلية, ومن هنا تبرز اهمية السنوات الاولى من عمره في تكوين شخصيته طوال حياته. ولذلك فإن امر تربيته في هذه السن يعتبر بالغ الاهمية, ولكن الآباء والامهات في حالات كثيرة لا يتفرغون لتربية اطفالهم لسبب او آخر وحتى ان كانوا متفرغين لتربية ابنائهم فإنهم لا يستطيعون ملاحقة التغيرات والتطورات الحادثة في شتى مجالات الحياة, ولا يستطيعون ملاحقة الانفجار المعرفي الرهيب. ولذلك انشأ المجتمع مؤسسات معينة تقوم بتعليم الصغار في هذه السن وهي سن الحضانات ورياض الاطفال. وقد يبدو للبعض ان التخطيط لرياض الاطفال وتربيتهم وتعليمهم عملية سهلة بمجرد التعرف على خصائصهم في هذه السن, ولكن الواقع يحدد ان التخطيط لبرامج تربوية لهؤلاء الاطفال عملية صعبة وفنية بالدرجة الاولى. ولقد أسست الحكومة اليابانية اول مدارس للحضانة في 14 نوفمبر 1876 متأثرة بآراء فرويل والمدارس الامريكية وتهدف هذه المرحلة الى تهيئة الاطفال للمدرسة ومساعدتهم على النمو العقلي والجسمي السليمين من خلال تنمية قدراتهم على التفكير والسلوك والقدرة على التعبير وتقديم الانشطة التي يحتاجها الاطفال, ويقدم هذا النوع من التعليم خلال المرحلة السنية من (3ـ5) سنوات وهناك اشكال متعددة للحضانات. وعلى الرغم من ان هذه المرحلة التعليمية في اليابان مرحلة اختيارية الا ان شعبتيها في تزايد مستمر بوصفها الدرجة الاولى في سلم النظام التعليمي, ورياض الاطفال في اليابان تقدم مقررات للاطفال خلال سنواتها الثلاث, بحيث تتناسب تلك المقررات مع اعمارهم التي تبدأ من عمر ثلاث سنوات, ولقد اجرى احصاء عام 1979م ثبت من نتائجه ان 64% من الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين الثالثة والخامسة وكانوا ملتحقين بهذا النوع من التعليم. وعلى الرغم من ان 70% من رياض الاطفال في اليابان تعد مدارس خاصة الا ان عليها ان تكون ذات مستوى معين ليتماشى مع المستوى الذي حددته وزارة التربية هناك, وذلك بناء على نصائح (المجلس القومي لمناهج المدارس) وفي عام 1986 بلغت نسبة رياض الاطفال الخاصة 58.8% والمحلية 40.9% والقومية 0.3% . وهناك مجالات ستة للدراسة في رياض الاطفال في جميع انحاء اليابان وهذه المجالات هي: الصحة ـ المجتمع ـ الطبيعة ـ اللغة ـ الموسيقى ـ الفن, بصرف النظر عن رياض الاطفال, هناك مؤسسات للاطفال تسمى (هويكو ـ جو) (الحضانات النهارية) وعلى الرغم من انها تندرج تحت تصنيف مؤسسات الرعاية الاجتماعية الا انها تخدم ايضا كمؤسسات تعليمية لمرحلة ما قبل المدرسة وتقبل هذه الحضانات الاطفال من بعد ولادتهم مباشرة الى سن الخامسة بما في ذلك هؤلاء الذين في حاجة الى رعاية اجتماعية, ويتم عادة اعطاء الاطفال البالغين من العمر ثلاث سنوات او اكثر والمقيدين في تلك المؤسسات دروسا مماثلة لتلك المتاحة في رياض الاطفال. وتدار معظم الحضانات النهارية عن طريق الحكومات المحلية. ويبدأ اليوم المدرسي في رياض الاطفال في الثامنة والنصف صباحا حيث يفتتحون يومهم بفترة من اللعب الحر, مع اشراف محدود من مدرستهم التي يمكن ان تساعدهم في تصميم بناء القلاع الصغيرة او في نحت التماثيل واللعب في صناديق الرمال او تشاركهم اللعب في الارجوحات بالمدرسة او في بعض الاجهزة الاخرى المنتشرة حولها او قد تشاركهم في الكثير والعديد من اوجه النشاط الاخرى. وتنتهي فترة اللعب الحر هذه في منتصف الصباح وبعد ان يعطى الاطفال فترة قصيرة يذهبون فيها الى دورات المياه يدعون الى اجتماع تحضره مديرة المؤسسة لتحية الاطفال, وتغني احدى الاغنيات المدرسية, ويعقب عمل مدرسي جاد بواسطة المدرسات, وبعد تناول طعام الغذاء يمنح الطلاب نصف ساعة للعب الحر وبعد لحظات يجمعون حاجاتهم وينظفون حجرات دراستهم ويعودون الى منازلهم في الواحدة ظهرا, ومن الملاحظ ان جميع المدرسات في دور الحضانة ورياض الاطفال حاصلين على مؤهلات عليا, ان لم يكن حاصلين على دراسات عليا. وهذه التجربة تعنينا نحن العرب, فلقد حققت اليابان التحديث والتقدم بالمحافظة على تراثها وتقاليدها ومؤسساتها القومية والدينية الاصيلة والعرب يريدون تحقيق التقدم دون التضحية بتراثهم وتقاليدهم... وبالاضافة الى اليابان تمثل طليعة قوة بشرية حضارية هائلة جديدة توشك ان تستلزم زمام القيادة العالمية من الجنس الابيض وهي قوة شرقية ليست لها اطماع بالنسبة لنا... وقد عاش مسلمو الشرق الاقصى مع جيرانهم هناك معظم عصور التاريخ في وئام وتعاون ويعزي البعض هذا التقدم الهائل خلال ثلاثة عقود من السنين الى النظام التربوي الشامل. وبصفة عامة يمكن القول بأن ادارة التعليم تتقاسمها الحكومة القومية والحكومات المحلية بالاضافة الى مساهمة القطاع الخاص في التعليم وبالذات في مدارس رياض الاطفال حيث يبلغ عدد الاطفال في رياض الاطفال الخاصة حوالي 2 مليون طفل والمدارس الحكومية حوالي 537 ألفا وذلك بنسبة 88% من مجموع اطفال هذه السن, وبذلك كانت اليابان رائدة في هذا النوع من التعليم ليس في آسيا فقط بل في العالم كله. د. مصطفى رجب