تربية الأسرة لطفلها تربية سوية ليست بالمهمة السهلة, ولا تتم بصورة عشوائية, فلها متطلباتها, وفي مقدمة هذه المتطلبات تأتي ملاحظة الأمور البسيطة في سلوك الأطفال, التي من شأنها ان تلقي الضوء على سمات الطبع المتولد, ومن ثم استشعار التغيرات الطارئة في الأفكار مع ملاحظة التبدلات في المزاج. ولغايات التوضيح أسوق الحادثة التالية التي جرت بين الأب وابنه, فقد عاد الابن من المدرسة وهو في منتهى الفرح والسرور, ولما سأله الأب عن أسباب فرحه, قال الابن : ان صديقي أعطاني هذه العدسة المكبرة مقابل ثلاثة أسلاك ملونة صغيرة. لم يرض الأب عن سلوك ولده وقال مخاطباً ولده: لقد خدعت صديقك ومع ذلك تبدو سعيداً , انك قد تكون ذكياً, ولكنك خالٍ من الضمير, ارتبك الابن وقال: أنا لم أطلب منه ان يبادلني, فهو الذي عرض علي موضوع المبادلة, فرد الأب بقوله: اني أرى انك لم تصبح بعد شخصاً سيئ النية, ولكن ما حدث يا بني ليس جيداً بأي حال من الأحوال. مضت أيام وعاد الاب ليذكر ابنه بموضوع العدسة المكبرة, فقال الابن: انني ذهبت إلى صديقي وقلت له: ان الأسلاك التي أعطيتها له هي بمثابة هدية مني, أما العدسة المكبرة فهي ليست ضرورية لي..إلخ. هذه الحادثة تؤكد ان قوة ملاحظة الأهل من شأنها ان تساعدهم على اجتثاث بعض السمات السلبية في طبع الأطفال. وفي حادثة أخرى وصفت احدى الأمهات ابنتها بالمخادعة ذلك لأنها نسيت ان تعيد إليها باقي النقود التي بقيت معها بعد شراء حاجة من (السوبر ماركت) حيث بررت الأم تصرفها هذا بقوله انه كان فقط للتخويف حتى تعرف ابنتي انني أتابعها. وفي اعتقادي ان هذا الشك غير صحيح, فهو يزعج ويسيء إلى الطفلة الصادقة المخلصة, ويترك لديها آثاراً سلبية تنعكس على علاقتها مع أمها, وكذلك على نظرتها لذاتها. وكثيراً ما يتصرف الأهل تصرفات غير سوية عشوائية تتم في غياب ملاحظتهم لما يصدر عن أطفالهم, فهذه أم قد لفت الجيران والمعلمون انتباهها لي ان ابنها غالبا ما يكذب ويحمل اخطاءه للآخرين, وبدلا من قيامها بمتابعة ابنها ومراقبته, راحت تظهر غضبها وعدم ارتياحها للجيران الذين لفتوا انتباهها إلى سلوك ولدها, وتعبيرا عن غضبها على المعلمين أيضا قاطعت اجتماعات الأهالي مع المدرسة, واخذت تتحدث بامتعاض واستياء عن الهجوم غير العادل على ابنها, ويقيني ان هذا السند الأمومي يقدم أسوأ خدمة للشخص الناشئ. لا تتمثل قوة الملاحظة التربوية في الشك والتجسس بل انها الحالة الدائمة لمتابعة الطفل أو متابعة سلوكه, وأفكاره وأفعاله يرافق ذلك السعي الجاد لفهمها, وقوة الملاحظة هذه تساعد الأهل على فهم عالم الطفل الداخلي ومشاعره, وادراك دوافع أفعاله, ورؤية ذلك الشيء الجيد في الأطفال الذي يجب علينا كأهل ان نشجعه ونهذبه, وذلك الشيء السيئ الذي علينا ان نسويه ونستأصله. عبدالقادر جاد الله