في المرحلة التي سبقت انطلاقة النهضة الشاملة التي تشهدها الدولة, كانت مهنة صناعة السفن الخشبية من المهن المزدهرة على امتداد شواطئ الامارات, وفي دبي وحدها, ثمة اماكن عديدة كانت بمثابة مراكز معروفة بصناعة هذه السفن مثل (الشندغة) و(الغبيبة) قبل ان تحل محلها اماكن مثل (الجميرا) و(الحمرية) وأخيرا, الجداف, فمن أين جاءت فكرة الجداف, وكيف؟ كان الشغل الشاغل للمغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ان يجعل من دبي مركزا تجاريا هاما ليس في الخليج فحسب, بل في منطقة الشرق الاوسط وآسيا وافريقيا, فقام سموه بدءا من اواسط السبعينيات بوضع قواعد البنية التحتية الاساسية اللازمة لتحقيق هذا الهدف, فكانت المنطقة الحرة في جبل علي وميناؤها العملاق, وعلى اثر ذلك تم توسيع موانئ دبي البحرية والجوية, وخور دبي. وفي 29 يوليو عام 1978 وقف ـ رحمه الله ـ امام البحيرة التي تشكل نهاية الخور, وباحساسه العميق, ونظرته الاستراتيجية الى مستقبل دبي, وتصميمه على جعل دبي مركز اشعاع تجاري حضاري في المنطقة, ومن اجل الحفاظ على مهنة تراثية عريقة تمتد جذورها الى عشرات السنين, قرر سموه اقامة منشأة تعنى باصلاح وصيانة السفن المختلفة, وصناعة السفن الخشبية, فكان جداف دبي الذي يشهد هذا العام مرور 23 سنة على تأسيسه. وعن مراحل تطور وتنفيذ مشروع الجداف يقول حامد محمد مطر بن لاحج نائب الرئيس التنفيذي لجداف دبي انه يمكن ايجاز مراحل تطور المشروع في خمس مراحل اساسية, ففي المرحلة الاولى تم بناء الحوض رقم (1) للسفن الخشبية بحيث يتكون من 42 مربعا ويستوعب 50 سفينة في وقت واحد وتم تزويده بأحدث التقنيات عالية الاداء, وفي المرحلة الثانية تم بناء الحوض رقم (2) وذلك نتيجة لازدياد الطلب على صيانة واصلاح السفن ذات الاحجام الكبيرة وخاصة المصنوعة من الحديد, بحيث يتكون الحوض من 6 مرابط تتسع لعدد 18 ـ 20 سفينة, وخلال المرحلة الثالثة تم زيادة الرصيف البحري وتوسيع مرابط السفن في الحوض رقم (2) وذلك نظرا للطلب المستمر على اعمال الصيانة والتصليح, اما المرحلة الرابعة فقد تم خلالها توسيع رقعة الجداف وتخطيط ورش الصيانة نتيجة لتنامي اعداد السفن التي تحتاج الى صيانة وللزيادة المضطردة في اعداد الشركات المحلية والاجنبية, وفي المرحلة الاخيرة لتنفيذ مشروع الجداف تم زيادة المرابط في الحوض رقم (2) من 6 الى 8 مرابط. ويوضح حامد بن لاحج ان الجداف دخل الألفية الثالثة برؤية واستراتيجية تتفق ومتطلبات القرن الجديد, حيث يعكف حاليا على ربط كافة الشركات بشبكة الانترنت لبدء تنفيذ حجز عمليات الصيانة تماشيا مع سياسة تحويل دبي الى مدينة الكترونية, وقال ان نشاط الجداف يغطي شريحة واسعة من احتياجات السفن الخشبية والحديدية, فالحوض الاول يضم 42 مربضا للسفن بينما يضم الحوض الثاني ثمانية مرابض. واضاف بن لاحج ان الجداف يمتاز عن غيره من الاحواض بميزتين اولاهما انه يعمل بنظام السنكروليفت او الرافعة التزامنية التي تقوم برفع السفن من الماء ومن ثم وضعها على المرابض, وعلى قدر توفر المربض تتوفر الامكانية لرفع عدد اكبر من السفن, اما الميزة الثانية فتتلخص في ان الشركات المتخصصة والمرخصة والتي لديها ورش ومكاتب في الجداف هي التي تقوم بعملية الصيانة والتصليح, اما الجداف فيقوم بعملية رفع وتنزيل السفن وتأجير المرابض على اليابسة وتقديم الخدمات المطلوبة من ماء وكهرباء وتنظيف وصيانة للاحواض العامة والحفاظ على البيئة والاشراف على شئون الامن والسلامة وتأكيد الحجوزات. سوق مفتوحة وقال حامد بن لاحج ان الجداف يستقطب العديد من شركات الملاحة في العالم لاصلاح وصيانة سفنها علاوة على شركات الملاحة الاقليمية والمحلية, حيث تدخل للجداف سفن من آسيا ودول الكومنولث وبعض الدول الاوروبية, كما ان الجداف يضم شركات عالمية من العين وروسيا واليابان وأوروبا تزاول نشاطها من داخل الجداف, واضاف ان الجداف سوق مفتوحة للشركات الخاصة لتعمل به, وهناك شركات تعمل وتسوق للجداف ولنفسها, كما تأتي سفن للصيانة عن طريق الجداف مباشرة عبر مخاطبات متبادلة بين الشركات الراغبة في صيانة سفنها والجداف, مشيرا الى ان الدور الذي لعبه الجداف في تنشيط العمل خلال حرب الخليج الثانية والتي كانت من افضل مراحل عمل الجداف. التوطين وحول خطة الجداف لتوطين الوظائف قال خميس عبدالله بن جرش السويدي المدير الاداري والمالي ان الجداف نجح في توطين أكثر من 70% من الوظائف القيادية, والتوطين بشكل عام داخل الجداف وصل الى ما يزيد على 20% نظرا لوجود عدد كبير من وظائف العمالة العادية والفنية, وقال ان عام 2000 يشهد مراحل جديدة لتأهيل المواطنين لشغل وظائف في مجال الصيانة, واعداد دورات تدريبية, لاعداد استاذ رفع وتنزيل من المواطنين. واضاف بن جرش ان الجداف نجح في خلق وظائف جديدة, لأول مرة للمواطنين لم تكن متاحة لهم من قبل, واعداد كوادر مواطنة قادرة على الادارة, فالتوطين مرهون بقدرة المواطن على العمل حيث ان الابتكار والكفاءة عنصران رئيسيان, ويقوم الجداف ببرنامج تدريبي, ضمن موازنة خاصة لتدريب المواطنين والعاملين في الجداف وفق احدث النظم. واشار خميس بن جرش الى ان الجداف كان يضم عددا من الشركات لا يتجاوز اصابع اليد, وبدأ هذا العدد في التنامي حتى وصل اليوم الى ما يقرب من 277 شركة متخصصة في شتى مجالات الصناعة البحرية ولوازمها وتوابعها, وينطبق على هذه الشركات قانون العمل المعمول به في الدولة, وتسري بنود القانون المذكور على الشركات العاملة في الجداف, كما تسري على غيرها من شركات القطاع الخاص, وهذا يعني اننا نعمل في ادارة الجداف, على تطبيق كل توجيهات الحكومة وقراراتها, سواء المتعلق منها بالتوطين او بغيره من السياسات الحكومية. واضاف انه فيما يختص بالشركات العاملة داخل الجداف, فانها ملزمة بما تشرعه السلطات المسئولة عن قطاع العمالة في البلاد, وبالتالي فان ادارة الجداف في منأى عن الزام تلك الشركات بأية قوانين سوى تلك التي تسنها السلطات المعنية, لكن هذا لا يعني اننا لا نسعى الى استثمار علاقاتنا الودية مع الشركات العاملة في المنشأة في سبيل السير بخطوات التوطين على (النفس الطويل) والاقتناع الايجابي, وقد بدأت بعض الشركات ـ تلقائيا ـ بتعيين بعض المواطنين في كوادرها, ونأمل ان تكون هذه الشركات قدوة لغيرها. الجودة والبيئة وفيما يتعلق بتطبيق معايير الجودة قال صلاح سيف سعيد بن ضاعن منسق الجودة بالجداف ان نجاح جداف دبي في استقطاب كافة انواع السفن من اجل الصيانة منها سفن الشحن وناقلات البترول الصغيرة واليخوت وسفن صيد السمك ومراكب السباقات واللنشات و سفن شحن مواد البناء وغيرها لم يأت من فراغ, فالجداف يسعى دائما للبحث عن افضل الوسائل التي تخدم مجال عمله من ناحية الكفاءة وسرعة انجاز العمل لأهمية عنصر الوقت, ومن هنا يأتي الاعداد والدراسة المستفيضة لأي مشروع جديد استمرارا لنهج التطوير وتحقيق الاهداف بعيدة المدى والتركيز على الخدمة النوعية من خلال المنافسة بين الشركات وتشجيعها للحصول على شهادات (الايزو) في الجودة. ويؤكد بن ضاعن ان الحفاظ على البيئة عنصر من اهتمامات الجداف, حيث يتم رصد مبالغ مالية لاستيراد احدث المعدات الخاصة بمكافحة وتنظيف اي تسرب نفطي في خور دبي امام الجداف, ونضع هذا الامر على سلم اولوياتنا, ونولي الابقاء على الخور نظيفا اهتماما خاصا, للحفاظ على الحياة المائية والبيئة البحرية والطبيعية, واضاف انه لتحقيق ذلك يجري الجداف دراسات مستفيضة للبحث عن افضل واحدث التقنيات, ولهذا ندرس حاليا امكانية اعادة استخدام المياه المستعملة داخل الجداف بعد معالجتها, وهو ما سيساهم في خفض تكاليف الانتاج, وتخفيف الاعباء عن الاقتصاد الوطني بشكل عام, كما ندرس حاليا كيفية الاستعانة بأحدث الوسائل التكنولوجية لتقليل المخاطر البيئية من استخدام الكيماويات والدهانات في طلاء السفن, بالتنسيق مع قسم حماية البيئة في بلدية دبي. واشار صلاح بن ضاعن الى ان جداف دبي يسعى ليكون المؤسسة الحكومية الاولى التي تحصل على شهادة الجودة والبيئة العالميتين معا. كتبت رابعة الزرعوني
