لعله من الظاهرات التي يفرزها التعليم عندنا, وتكثر حولها أحاديث المعلمين وشكاويهم, ما يلاحظونه على شباب هذه الايام من ميل الى الاسترخاء, وزهد في طلب العلم, وعزوف عن الدراسة, وعدم الميل الى المطالعة, وعدم الرغبة في بذل مجهود أعلى لزيادة التحصيل وتحسين مستوى الاداء. وشيوع مثل هذه الاتجاهات في مدارسنا وبين طلابنا وشبابنا, مهما تعددت عوامله ومسبباته, انما يدل على انخفاض مستوى الطموح لدى هؤلاء الشباب, وعلى ذبول هذه الشعلة التي تتقد في الصدور والقلوب, فتحرك الهمم, وتثير الدافعية, وتقوي الميول, وتقدح زناد الاستعداد الداخلي الذاتي. حين يتوافر الطموح لدى الشباب, فانهم يندفعون الى العمل والانجاز, ولا يبالون بالمعوقات والمشكلات وما قد يعترض طريقهم من اشواك وعثرات, ومن السهل ان نستدل على ذلك وان نلمسه واضحا حينما نقرأ السير الذاتية للناس الناجحين والمتفوقين الذين كانت لهم ابداعاتهم واسهاماتهم في الحياة والعلم والفن والادب, نجد في داخل كل منهم شعلة متقدة تدفعه للوصول الى هدفه, وتوجهه الى هدف اسمى وابعد من الهدف الذي حققه. واذا كان علاج هذه الظاهرة يكمن في حسن توجيه الشباب وارشادهم, فان هذا التوجيه يجب ان يأتي من اكثر من طرف, وان يسير في غير مسار واحد. من الضروري ان تنهض المدرسة, بوصفها المؤسسة التعليمية والثقافية لمثل هذه المهمة الجليلة, اعادة بناء الطموح في نفوس الطلاب والشباب, ولابد ان تسهم معها في هذا الامر كذلك كل المؤسسات الثقافية والفكرية الاخرى الموازية, بل انني ادعو الى قيام حملة منظمة مخططة تستهدف رفع مستوى الطموح لدى الشباب والطلاب, واذكاء حب العلم والانجاز والتفوق لديهم. لابد من تبصير الشباب والطلاب أولا, ان اهداف سعي الانسان في الحياة, لا تتوقف عند اشباع الحاجات المادية, والحصول على الطعام والشراب, والمال والملذات فحسب, ولكنها تتجاوز ذلك الى ما هو أجل وأسمى وأرحب وأغنى, وهو ان يصبح المرء انسانا واعيا, له مكانته ودوره في المجتمع, يعمل وينتج, ولا يرضى أن يكون عالة على الآخرين, يستهلك ما يصنعون وينتجون. ويسهم بعلمه وفكره في اثراء حياته وحياة الآخرين. ولابد من تبصير الشباب والطلاب كذلك, بأن وسائل الراحة والرفاهية التي وفرها لهم مجتمعهم, ليست بديلا لنجاحهم وتفوقهم, ولا يصح ان تصرفهم عن بذل الجهد طلبا للانجاز والتفوق, ولكنها معينات لهم على النجاح والابداع, ومحفزات لهم على نبذ الاسترخاء وترك التهاون والميل الى السلامة والاستغراق في ملذات النفس. من الاقوال الصائبة التي صدرت عن المربين المسلمين القدامى قولهم: (يحتاج التعليم الى جد الثلاثة, المعلم والمتعلم وولي الامر) فلا يكفي ان يكون المعلم وحده جادا في عمله, لابد ان يتعامل مع طالب جاد في طلب العلم يبذل الجهد للوصول اليه, ولقد عبر الشاعر القديم عن ذلك حينما قال: ومن طلب العلوم بغير كد سيدركها, اذا شاب الغراب وبالطبع, فالغراب لا يشيب أبدا, والوصول الى الانجاز والعلم, لا يتحقق دون جهد من المتعلم أبدا. ومن اوجه هذا الارشاد ان يعلم الاب وولي الامر, ان اغراق الابن بالمال, وتحقيق كل رغباته لا يؤدي الا الى الاسترخاء والقعود عن بذل الجهد في طلب العلم, هذا ان لم يؤد الى الانحراف ويقود الى ما لا تحمد عقباه. ان ما يمكن قوله وتأكيده, في هذا المقام, اننا اذا نجحنا ـ آباء ومعلمين ومؤسسات تربوية وتثقيفية ـ في اشعال مصباح الطموح في نفوس الشباب وأبناء الجيل, فاننا بذلك نزيل من نفوسهم ظلام الاسترخاء, وننير أمامهم سبل النجاح والتفوق والابداع.