كشفت بلدية دبي مؤخرا عن مشروع تطوير منطقة (دوار بوكدرة) وانشاء تقاطعات ضخمة وجسور عديدة لاستيعاب حركة المرور المتوقعة على هذه المنطقة بتكلفة اجمالية تصل الى اكثر من 100 مليون درهم. وبمجرد الاعلان عن المشروع بدأت تساؤلات الناس تتركز حول شجرة (الغاف) الموجودة في دوار بوكدرة, والتي تم تسويرها بسياج من البلدية والمحافظة عليها في مكانها منذ فترة طويلة وعدم التعرض لها بالرغم من ان الدوار اشتمل على تنفيذ مشروع تشجير وتزيين وتمت زراعته بمختلف انواع الورود والمسطحات الخضراء واشجار الزينة في الوقت الذي ظلت شجرة الغاف راسخة في زاوية من زوايا الدوار ولم تتأثر بأي مشروع حتى الآن.. هذه التساؤلات تمركزت حول نقطة واحدة وهي هل سيتم ازالة شجرة الغاف؟! وكيف سيتم ازالتها؟! اما سبب هذه التساؤلات فهو اشتهار هذه الشجرة عند كثير من الناس وتناقلهم بكثرة قصصا واقاويل عن وجود قبر لولي اسفلها, او لانها شجرة مباركة لها بعض الفوائد الروحية كما ان البعض ذهب الى الاعتقاد بأنها (مسكونة) بالارواح والجن وبالتالي فإنه لا يمكن لأي شخص الاقتراب منها او ازالتها. اما القصص التي تناقلوها عن هذه الشجرة وحجم الغضب الذي حل على من يحاول اقتلاعها فهي كثيرة اشهرها ان سائق الجرافة التابعة لبلدية دبي والذي اراد اقتلاع الشجرة توفي بمجرد الاقتراب منها. كما ان هناك قصة اخرى في نفس السياق تقول ان الجرافة تتوقف عن العمل كلما اقتربت من الشجرة, ويشتغل محركها بمجرد توجيهها لأي اتجاه آخر تماما مثل فيل أبرهة الاشرم!! والاكثر من ذلك فقد نلاحظ بعض المواطنين اثناء مرورهم بدوار بوكدرة في اوقات متأخرة من الليل وجود اعداد من الناس من مختلف الجنسيات بمن فيهم الآسيويون يتمسحون في الشجرة ويشعلون البخور والعود ويمارسون طقوسا عجيبة, فما كان من البلدية إلا ان سورت الشجرة بسياج حتى لا يقترب منها احد. .. ولكن ما سر هذه الشجرة؟ ولماذا لم تزلها بلدية دبي من موقعها الحالي؟ وما قصة الولي الذي دفن تحتها؟ والاكثر من ذلك لماذا لم يشتمل مشروع تقاطعات بوكدرة الذي تعتزم البلدية تنفيذه على ازالة الشجرة؟ ولماذا فضلت البلدية المحافظة عليها حتى في ظل المشاريع الجديدة؟ هل لانها (مسكونة) ولا يستطيع احد ازالتها؟ ام هناك اسباب اخرى منطقية؟! هذه الاسئلة وغيرها هي ما سنجيب عنه في التقرير التالي: من هو بوكدرة؟! .. في البداية كان لابد من معرفة سبب تسمية المنطقة باسم (بوكدرة) ومن خلال هذا السبب سنتعرف على الشخص المدفون في هذه المنطقة. حول هذا الموضوع يقول علي بن محمد بن علي بن سعيد بن راشد بوكدرة (50 عاما) هذه المنطقة كانت تعرف قديما باسم (الجتابية) اما كدرة فهي ناقة كان يملكها جده سعيد بن راشد فسمي فيما بعد (بوكدرة) . ويضيف علي بن محمد وفي يوم من ايام حكم الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم 1894 ـ 1906 والد الشيخ سعيد بن مكتوم (صاح الصايح) بوجود غزاة يريدون الهجوم على المدينة وعلى وجه السرعة استعد الرجال والتحموا حول الشيخ مكتوم وهبوا للدفاع عن بلادهم, وخرجوا من منطقة بر دبي الى المنطقة المذكورة لملاقاة الغزاة, ووقعت المعركة واثناؤها اصيب سعيد بوكدرة في رجله ولكنه لم يأبه وواصل القتال ثم رمي برمح (شلفاة) اصابه في بطنه واستشهد على الفور, وبعد انكسار الغزاة وانتصار الشيخ مكتوم ورجاله قرروا تكريم سعيد بوكدرة الذي استشهد في الموقعة فتم دفنه في نفس المكان واطلق عليه اسم (عود بوكدرة) تخليدا لذكراه. وحول ارتباط الغافة بالواقعة اكد علي بوكدرة انه لا يوجد اي ارتباط بين دفن جده وبين الغافة خاصة ان هناك فترة زمنية طويلة تجعل المرء يعتقد بعدم وجود الغافة اصلا اثناء تلك الفترة او على الارجح وجود (عود) صغير فقط اصبح بعد هذه الواقعة بسنوات عديدة شجرة غاف. ويؤكد علي ان جده كان رجلا شجاعا ومواطنا صالحا دافع عن وطنه واستشهد وهذا كل ما في الموضوع, اما عن وجود كرامات للشجرة ووجود ولي مدفون تحتها وانها مباركة فقد استنكر علي كل من يقوم بأعمال من نوع التبرك او التمسح بالشجرة وقال: ان هذا هو قمة التخلف والجهل, وهذه شجرة لا تضر ولا تنفع مبديا استغرابه عن وجود اناس يؤمنون بهذه الخرافات في الوقت الذي وصل فيه الانسان الى القمر والمريخ. واكد علي بوكدرة الذي عمل 25 عاما ضابطا في وزارة الداخلية وله من الذرية ابنتان انه يؤمن تماما بأن هذه الشجرة عادية جدا وهو لا يصدق معظم الاحاديث التي سمعها من الناس خاصة فيما يتعلق بقصة (الشيول) مشيرا الى انه يحاول دائما شرح الحقيقة لكل من يسأله عن الواقعة او الشجرة بصدق تماما كما سمعها عن والده الذي اخذها من جده ويجيب بصدق عن السؤال الذي يردده عليه الناس دائما وباستمرار وهو هل أنت حفيد الولي؟! ويطالب بوكدرة بمعاقبة كل من يضبط بالقرب من الشجرة لممارسة اي نوع من الطقوس الغريبة وذلك عن طريق دوريات الشرطة لوضع حد لهذه التصرفات. حقيقة (الشيول) اما عن قصة (الشيول) التابع لبلدية دبي فقد ابدى المهندس حسين ناصر لوتاه مساعد مدير عام بلدية دبي لشئون البيئة والصحة العامة استغرابه الشديد من هذه القصة وكيفية انتشارها وقال: اتعجب دائما عندما يطرح الناس عليّ اسئلتهم عن مصداقية قصة (شيول) البلدية الذي توقف عن العمل كلما اراد ان يضرب الارض بالقرب من الشجرة لازالتها مؤكدا ان هذه القصة لا اساس لها من الصحة اطلاقا, لسبب واحد هو ان البلدية لم تحاول ازالة الغافة من الدوار ابدا!! ويضيف حسين لوتاه بأن البلدية وضعت سياجا حول الشجرة للمحافظة عليها, ولكنه للاسف لم يمنع البعض حيث يتم اكتشاف اجزاء متقطعة منه بين فترة واخرى!! الشجرة والمشروع الجديد اذن وما الحكمة يا ترى من عدم التعرض للشجرة في مشروع التقاطعات الجديدة التي تعتزم البلدية تنفيذه خلال العام المقبل؟! يجيب المهندس مطر الطاير عن هذا قائلا: ان مشروع تطوير دوار بوكدرة شمال منطقة العوير الصناعية يعد حاليا في مرحلة الدراسة الأولية واعداد التصاميم اللازمة وهذه المرحلة قد تستغرق ستة أشهر مشيرا الى ان المقترحات المطروحة حاليا تدعو الى انشاء تقاطع مزود بجسور والتفافات حرة على الزوايا الاربع والمعروف هندسيا باسم (ورقة البرسيم الكاملة). واكد مطر الطاير ان هذه التقاطعات ستكون على مسافة 700 متر شمال غرب الدوار القائم حاليا بمعنى انها لن تكون على موقع الدوار مباشرة وذلك لاتاحة امكانية استخدام الدوار امام حركة السير لحين الانتهاء من انشاء التقاطع الجديد وهذا يعني ان البلدية ستبقي على شجرة الغاف خلال هذه الفترة لأن الدوار سيظل يمارس مهامه. اما بعد الانتهاء من المشروع كليا فانه سيتم ازالة الدوار ولكن مع الاحتفاظ بالشجرة لأنها وببساطة شديدة لن تؤثر على الطرق الجديدة التي سيتم ايصالها بطريق العين لأن موقعها جاء حسب التصاميم في الجزيرة الوسطية بين الشارعين, وبالتالي فانه لا يوجد داع لازالتها لانها لم تتوسط الطريق. 80 موقعاً اخر اما احمد عبدالكريم مدير ادارة الزراعة والحدائق العامة بدبي فقد كشف اخر اسرار شجرة الغاف الموجودة في دوار بوكدرة والمتعلق بأسباب المحافظة عليها وعدم ازالتها حيث يقول ان عدم ازالة اشجار الغاف بشكل عام من كافة مناطق الامارة أصلا هو قرار من صاحب السمو رئيس الدولة وصاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي اللذين يؤكدان على أهمية الحفاظ على هذه الشجرة وعدم التعرض لها او ازالتها لأي سبب من الاسباب من كافة المناطق.. ومن اجل ذلك فان بلدية دبي ملتزمة بعدم ازالة اي شجرة غاف حتى لو كان وجودها يشوه الناحية الجمالية لمشروع تزيين او تشجير مؤكدا وجود اكثر من 80 موقعا في دبي تم الاحتفاظ بشجرة الغاف فيها بخلاف دوار بوكدرة وعلى سبيل المثال هناك شجرتان بالقرب من مركز وافي التجاري وموقعهما جاء على طرف مشروع تزيين زراعي الا ان البلدية لم تزلهما وحافظت على وجودهما والاكثر من ذلك قامت بتغيير بعض مخططات الطرق الداخلية والتحويلات في منطقة زعبيل حتى تتفادى التعرض لحوالي 142 شجرة غاف نبتت في المنطقة مؤكدا ان هناك قرارات صادرة من جهات عليا باحترام هذه الشجرة والمحافظة عليها نظرا لفوائدها العديدة وباعتبارها رمزا للبيئة الزراعية بالدولة. 15 محمية للغاف واشار ان البلدية انشأت 15 محمية في مناطق متفرقة من الامارة جميعها تحتوي على اشجار الغاف مؤكدا ان هذه الشجرة لا تحتاج الى أي عملية ري او عناية بعد مرور سنتين على زراعتها وهي الشجرة الوحيدة التي تعيش فترات طويلة دون اي مجهود بشري مصاحب كما انها مورد بيئي وطبيعي مهم وتلبي كافة الخطط والطموحات الزراعية وتتناسب بشكل كبير مع بيئة الامارات. واضاف ان سمو رئيس بلدية دبي يؤكد دائما على اهمية المحافظة على اشجار الغاف وعدم ازالتها ومن اجل ذلك فان البلدية تنفذ هذه القرارات وتحافظ على هذه الشجرة حتى لو كان وجودها يؤثر سلبا على الناحية الجمالية واذا توسطت الشجرة طريقا معينا فان الادارة تقوم بوضع قاعدة اسمنتية للمحافظة عليها, وعند الظروف القاهرة والجبرية فان البلدية تقوم برفعها باسلوب علمي يضمن المحافظة عليها سليمة واعادة زراعتها في المحميات التي تم انشاؤها لهذا الغرض مؤكدا ان هذا ما ينطبق على جميع مواقع الغاف في دبي وليس هناك اي خصوصية لشجرة غاف بوكدرة التي ينطبق عليها ما ينطبق على بقية الاشجار. من جهته يقول فالمير لوبابريتتش مهندس بستنة وتجميل ببلدية دبي ان شجرة الغاف من أجمل الاشجار التي رآها وهي تتميز بنواح جمالية عديدة خاصة فيما يتعلق بانسدال اوراقها على الجوانب بشكل يشبه الستائر.. واضاف ان شجرة الغاف تتميز ايضا بكونها دائمة الخضرة في كافة الفصول كما ان ظلتها قوية وهي من الاشجار المحببة في عمليات التنسيق والتزيين ولا تحتاج الى رعاية دائمة.