a . سعيد سلمان رئيس جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا شخصية تحمل في داخلها كل معاناة الإنسان العربي المعاصر وكل طموحاته وآماله للمستقبل المشرق, وهذا ليس وصفاً مجرداً لشخصه بل هو نتاج سنوات طويلة من العمل الدؤوب والمتواصل فى العديد من مجالات التنمية. b . d . وعلى رأسها مجال التعليم الذي شغل فيه د. سلمان العديد من المناصب القيادية ذات المسئوليات الكبيرة مثل رئاسة أكبر مؤسسة تعليم عالي فى الدولة وهى جامعة الإمارات, ووزارة التربية والتعليم والشباب فى مرحلة من أهم مراحل تاريخها فى نهاية السبعينيات. والحديث عن شخص الدكتور سلمان والمناصب التي تولاها والمسئوليات التي حملها على عاتقه والإنجازات التي قدمها في المجالات المختلفة يطول, ولا يتسع له المجال هنا في اللقاء الذي اقتطعه من وقته الثمين لجريدة (البيان) والذي أثرنا الاستفادة منه في التركيز على أهم القضايا الهامة والحساسة التي تواجه التعليم في دولة الامارات العربية المتحدة بصفته (إن لم يكن الأكثر) فهو واحد من القلائل المعدودين الأكثر خبرة وعلما بهذا القطاع الهام والحيوي والذي يلعب الدور الرئيسي في بناء المجتمعات ونهضة الأمم وتقدم الدول. الاعتماد على الأجنبي وفي بداية حديثه معنا بدا الدكتور سلمان غير راض عن مستوى التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص ليس فقط في دولة الامارات ولكن في الوطن العربي كله. يقول د. سلمان ان التعليم العالي في دولة الامارات رغم كل ما تقدمه الدولة له من امكانيات ومساعدات لم تغط حتى الآن أكثر من 20% من احتياجات التنمية في المجتمع, إن لم تكن النسبة أقل من ذلك بكثير, ومازلنا حتي الآن نعتمد على الاستيراد من الخارج بشكل كبير وفي كافة المجالات, وحتى في مجال التعليم نفسه كل شيء نستورده م الخارج من المعلم الى الأدوات والوسائل التعليمية الى أجهزة المختبرات وغيرها, وهذا أمر مؤسف الآن ونحن في عصر العولمة وفي مطلع القرن الجديد,, ومازلنا نعتمد كلية على ابداعات الآخرين ولم نبدع بعد, وهذا ليس فقط في مجال التعليم بل في مجالات عديدة, نحن مازلنا مستهلكين للحضارة الغربية صناعياً وعلميا وفكرياً, ولم نحاول حتى الآن أن نستفيد منهم في بناء أنفسنا بينما هم استفادوا منا الكثير في بناء حضارتهم وعلى مدى قرون طويلة, واستخدموا في ذلك شتى السبل والوسائل من حملات عسكرية مثل التي جاءت إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت في القرن الثامن عشر, والتي لم تأت من أجل الاستعمار بل أتت من أجل العلم والحضارة ومن أجل الاستفادة من التجربة والتاريخ المصري العريق, وفي القرن 19 في عام 1838 أرسل امبراطور اليابان (ميجي) الوفود العلمية الى مصر للاستفادة من تجربة محمد علي في تطبيق أفكار كتاب وصف مصر, لقد استفادوا منا كثيراً في بناء حضاراتهم, والآن يأتون الىنا ليستفيدوا منا بشكل أخر وليحققوا مصالحهم الخاصة, فالجامعات الغربية, والإنجليزية منها خاصة, تأتي الىنا (تشحت) من أجل الحصول على التمويل المالي لأكاديمياتها العلمية, ونحن نمول جامعاتهم ونهمل جامعاتنا. الإعتراف من الخارج ويضيف د. سلمان أنه للأسف ونحن الآن نبني جامعات المستقبل العربية ونحاول النهوض بها للمستوى العالمي ونطرحها للمواطن العربي نجد أن هذه الجامعات الناشئة لا تستطيع ان تقدم نفسها حتى للمواطن العربي نفسه إلا إذا اعترف بها الغرب وقدمها هو بنفسه نيابة عنا. وحول سؤال عن البحث العلمي ووجوده من عدمه في الامارات وباقي الدول العربية يقول د. سلمان لا يوجد عندنا بحث علمي بالمعنى الحقيقي وإن كان يوجد مسمى البحث العلمي, والبحوث العلمية أنواع منها الأكاديمي ومنها التطبيقي ومنها التطويري وهناك البحث (التناغمي) أو (الهارموني) الذي يربط كل العناصر ببعضها وهذا النوع الأخير موجود عندنا الآن في جامعة عجمان, والمشكلة الرئىسية التي يواجهها البحث العلمي عندنا هى التمويل, فهو يحتاج لنفقات كبيرة ولا تستطيع جهة واحدة أو وزارة أن تتحمله, ولهذا نجد في الخارج رجال الأعمال والقطاع الخاص يقومون بتمويل الأبحاث العلمية في الجامعات, مثلا جامعة هارفارد الامريكية تحصل على تمويل للبحث العلمي من مؤسسات خاصة يصل إلى 35 مليار دولار, وهذه بالطبع ليست تبرعات بل تعود بالنفع والفائدة الكبيرة على هذه المؤسسات التي تحصل على نتائج البحث العلمي وتوظفها في أعمالها وإنتاجها, أما عندنا في دولنا العربية فإن رجال الأعمال مازالوا بعيدين تماما عن هذا المجال. الجامعات الخاصة ـ وحول زيادة عدد الجامعات الخاصة وتأثيرها على الجامعات الحكومية يقول د. سلمان لقد سبق لي أن طرحت شعار (التعليم العالي هوية واحدة) ولا يجب ان يكون هناك فوارق بين الجامعات الحكومية والخاصة لأن هذا أمر غير منطقي, وفي الخارج لم يعد هناك فارق بين النوعين بل على العكس بينهما تعاون كبير يحقق الفائدة للباحث والطالب والمعلم, وهذا ما أقصده في الهوية الواحدة للتعليم العالي, وفي الدول الأخرى مثل السويد مثلا هناك جامعات مختلطة بين الحكومي والقطاع الخاص, وهذا ما أتمنى أن أراه عندنا لأن هذا يجمع بين مزايا النظامين, فلو أصبح عندنا جامعة يساهم فيها القطاع الخاص وتمولها الحكومة وتشرف عليها فسوف تحقق فوائد وأرباحا كبيرة للجهتين وهذا النوع من الجامعات المشتركة هو المطلوب بالفعل في مجال العلوم التطبيقية والتكنولوجيا بينما يمكن بقاء العلوم النظرية مثل الفلسفة والتاريخ وغيرها في جامعات حكومية, ويضيف د. سلمان قائلا إن التعليم الربحي ليس عيباً بل أصبح أمراً ضرورياً لأنه سوف يقدم الإنتاج الجيد وسوف يستفيد منه المجتمع والفرد في وقت واحد. الجامعات ليست كثيرة وحول تعدد وكثرة الجامعات في دولة الامارات يقول د. سلمان: اعتقد انه من الخطأ ان نربط بين حجم الدولة وحجم المؤسسات التعليمية فيها, وخاصة ان دولة الامارات كما نعلم بطبيعتها مستقطبة لأعداد كبيرة من الخارج سواء من الدول العربية أو غيرها, وتعدد المؤسسات التعليمية عندنا أمر مطلوب حتى يلبي حاجة المقيمين على أرض الدولة, ولكن هذا لا يعني أنني أوافق على التساهل في منح التراخيص للجامعات الجديدة بل على العكس انا أؤيد سياسة الدولة في التشدد في منح الترخيصات لمؤسسات التعليم العالي الجديدة, ويجب ان يكون متوافر في الجامعة الجديدة الشروط والأسس المطلوبة, وقد واجهنا نحن في جامعة عجمان صعوبات في الحصول على التراخيص ولكن هذا أمر ضروري ومطلوب, وقد بذلنا في جامعة عجمان جهوداً كبيرة من أجل تحقيق الجودة والمستوى العالي, وكنت أنا بنفسي أدخل الكليات وأتفقد قاعاتها ومكاتبها وأتصدى لعلاج مشاكلها وأراقب بدقة مسيرة العمل فيها. مصير الخريجين ـ وردا على سؤال حول مصير الأعداد الكبيرة من الخريجين في هذه الجامعات ومدى استيعاب السوق المحلية لهم يقول د. سلمان أن كل من جلس على مقعد دراسي في مؤسسة تعليمية عندنا الدولة مسئولة عنه وعن شهادته التي حصل عليها, فإن كانت الجامعة معترفا بها فلا مشكلة, وإن لم تكن فعلى الدولة أن تعادل شهادته بأي شكل حتى لو بمدة دراسة اضافية, ويجب على الدولة أن تعمل على تصحيح الأوضاع والارتفاع بمستوى الجامعات وخاصة غير المعترف بها منها, وأقترح وأطالب بعقد مؤتمر يضم النخبة من الخبراء لمناقشة المشاكل التي تواجه التعليم العالي في الدولة, خاصة وأن وزارة التعليم العالي تبذل جهوداً كبيرة وتسعى بجدية للأخذ بيد الجامعات الجيدة الموجودة في الدولة وهذا ما لمسناه نحن بشكل كبير في جامعة عجمان. الرسوم الدراسية ـ ورداً على ما يثار من ارتفاع المصروفات الدراسية في الجامعات الخاصة ومنها جامعة عجمان يقول د. سلمان هذا ليس صحيحا على الاطلاق وعندنا في كليات جامعة عجمان رغم الامكانيات الكبيرة التي وفرناها في الكليات والتي تفوق إمكانيات جامعات أخرى إلا أن المصروفات عندنا أقل من الآخرين, ولا أبالغ إذا قلت ان مصروفات الدراسة في جامعة عجمان أقل من مصروفات بعض المدارس الخاصة في الدولة. ـ وردا على سؤال حول الخدمات التي تقدمها جامعة عجمان لخريجيها في مرحلة البحث عن فرص العمل يقول د. سلمان: نحن في جامعة عجمان لا نفتح تخصصا جديدا الا بعد دراسة وافية لمدى احتياجات السوق في دولة الامارات وفي منطقة الخليج لخريجي هذا التخصص, ولدينا رؤيةخاصة في هذا المجال, واعتقد ان جامعة عجمان أفضل جامعة لديها معرفة باحتياجات السوق ومستلزماته. إسلامي عربي ـ وفي اطار الحوار المفتوح والصريح من الدكتور سلمان لم نتحرج أن نصارحه بما يقال عنه من أنه متأثر إلى حد كبير بالثقافة والحضارة والفكر الفرنسي بكم دراسته هناك ومتابعته الدائمة وإطلاعه على الأدب الفرنسي, وجاء رده مباشراً حيث قال: أنا إسلامي قومي عربي وقد نشأت نشأة دينية وأؤمن بضرورة أن تكون للتعليم العالي في دولة الامارات وفي الدول العربية كلها هوية إسلامية عربية وأعتقد أن هذا هو توجه الدولة والوزارة عندنا الآن, ولكن هذا لا يمنعنا من الاستفادة بتجارب ونتاج الآخرين, وهذا هو منهجي في العمل والحياة وهو الانتقاء من كل التجارب أفضلها ومحاولة التكييف بينها, وأضيف بأننا في جامعة عجمان عندنا اتفاقيات تعاون وعمل مشترك مع أكثر من خمسين مؤسسة تعليم عال في الخارج, ومنها مؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية, لكننا لا نأخذ ما يطرح علينا منها بدون دراسة وبحث وإنتقاء دقيق. اجرى الحوار : مغازي البدراوي