المنيعي, الوعب, اصخيبر, وادي القور, السمسمانية والحويلات.. اسماء لمناطق نائية في رأس الخيمة لم يسمع بها الكثيرون, مسافات تفصل أهلها عن حياة المدنية رغم انها لا تبعد عن كبريات مدننا الا ساعة زمان.. ورغم ذلك فان اهلها باقون على ارضهم متشبثون بها. لانها (ميراث) ابائهم واجدادهم, ولم يعرفوا غيرها سكنا ووطنا. محمد راشد سعيد الرفاعي 50 عاما يعمل بوزارة التربية كان ابرز المتحدثين عن مشاكل المنطقة وبدأ حديثه قائلا ان منطقة المنيعي لم تتشرف بزيارة اي من المسئولين في الوزارات والمؤسسات المختلفة, وربما لم يسمعوا بها! وقال ان صاحب السمو حاكم رأس الخيمة يسهر على حل قضاياهم الا انهم لا يلقون من جهات الاختصاص الا الصد حينما يقصدونها. وفصل محمد الرفاعي مشاكل المنطقة في الصحة والاسكان, مفضلا ارجاء الحديث عن مشكلة شح المياه لعرضها على الطبيعة.. فاشار الى ما تفضل به صاحب السمو الشيخ صقر القاسمي من انشاء مستشفى مجهزا بالاقسام والمعدات المختلفة, لكنه يشكو هجر الكوادر الطبية العاملة به.. ما جعله في مستوى عيادة صغيرة تخدم ما يزيد عن 150 ألفا من السكان يمتدون من النصة وشوكة وكدرة الى مناطق الحويلات النائية والمجاورة للحدود العمانية.. ورغم شكاواهم المتعددة لوزارة الصحة فانها لم تجد من يهتم بها. رئيس البلدية محمد علي خليفين امن على ما قاله, واضاف ان المنطقة في حاجة لدار لرعاية المسنين الذين يذهب بهم الآن الى شعم, فتنقطع صلتهم ـ خاصة النساء منهم ـ بذويهم لبعد المسافة ووعورة الطرق. الاسكان مشكلة واضاف ان مشكلة الاسكان يشكو منها كل مواطني المنطقة, حيث بنيت مساكن شعبية من غرفتين منذ اكثر من عشرين عاما على نفقة المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.. ولم تكلف وزارة الاسكان نفسها بعد ذلك صيانتها او مراقبتها مما جعل معظمها آيلا للسقوط فوق رؤوس ساكنيها من ذوي الدخل المحدود الذين لا يقدرون على صيانتها.. وقال ان اعداد الاسر تزايدت خلال هذه الفترة اضعافا مضاعفة.. وصار للرجل وزوجته ابناء متزوجون او في سن الزواج لا يسعهم المنزل مما اضطر معظمهم للبناء بالصفائح المعدنية والعريش لضيق ذات اليد.. وقال ان مجتمع المنطقة يعاني من انتشار العزوبية لعدم توفر مساكن لتزويج الشباب والبنات. اما حارب سهيل خميس 48 عاما فقال انه يسكن منذ عام 1982 في منزل من غرفتين مع زوجته وابنائه السبعة واحدهم متزوج.. وحمل على البلدية التي تمنح الاراضي للوافدين من الآسيويين ليقيموا عليها ويتوسعوا في البناء وتحرم منها الاهالي. اما خلفان راشد خلفان 65 عاما فقال ان له 6 أبناء وبنات وامهم يسكنون في منزلهم ذي الغرفتين.. ولتزويج اثنين من ابنائه اضطر لبناء (غرفة) من الصفائح المعدنية لكل منهما داخل البيت. مشكلة مياه الشرب اما عائشة خدوم مبارك ـ ارملة ـ فتقول: لي خمس بنات وثلاثة اولاد كلهم في سن الزواج.. ولا اقدر على تزويجهم لعدم قدرتي على زيادة غرفتي البيت. ويعود محمد راشد الرفاعي للحديث عن مشكلة المياه قائلا: لقد تم تركيب خزان مياه الشرب مع انشاء المدرسة في عام 1974 ليسقي 20 بيتا.. ومع مرور السنوات صار عدد البيوت 200 ومنذ انشائه لم تتم صيانته او نظافته وقد عزفنا عن شرب مائه لانه مليء بالاوساخ والاتربة والدود! وقال ان الماء انقطع قبل اسابيع لثلاثة ايام فاضطررنا للذهاب الى الذيد لابلاغ المسئولين عنه. ونتكلف الآن من رواتبنا الضعيفة ما بين 400 ـ 700 درهم شهريا لشراء الماء النظيف للشرب. ويصحبنا رئيس بلدية المنيعي ومحمد الرفاعي في جولة على بعض المزارع وهما يقولان: هاهي (اموالنا) تجف وتموت امام اعيننا بعد ان جفت الوديان منذ اشهر وغاض ماء الابار وحتى من قدروا على تعميق آبارهم بتكلفة 45 او 50 درهما للقدم الواحد حصلوا على ماء مالح قليل لا يروى ظمأ المزروعات. فجفت عشرات البساتين وماتت اشجار النخيل والحمضيات وهذلت الابقار والاغنام التي يكلفنا الابقاء على حياتها غاليا لشراء الماء والعلف. وقد شكونا الى مكتب وزارة الزراعة بالمنيعي ولكنه لا توجد لديه أي امكانيات لعمل شيء. طفنا بعدد من البساتين المهجورة ذات الابار المعطلة.. واقتادنا الرفاعي الى مزرعته وهو يقول: كنت اجني من محصول النخيل 20 ألفا كل عام, وهذا العام ليس لدي من التمر ما احمله الى اولادي.. وهاهي الاشجار تذبل امام ناظري. الى هذه المشاكل اضاف محمد الرفاعي اخيرا مشكلة بطالة الشباب, فقال اننا ربطنا على بطوننا لنصرف على تعليم ابنائنا.. وبعد 18 عاما من الدروس هاهم بناتنا في البيوت بلا عمل.. واشار الى ابنته الجامعية التي يرفض وترفض التقاليد كما قال ان تعمل بعيدا عن اسرتها او ان يقوم سائق اجنبي بنقلها وهو لا يملك ان يشتري سيارة.. وقال ان مدارس المنطقة اولى ان تستوعب فيها ابناء وبنات المنطقة كمعلمين وهم ذوو تأهيل يكفل لهم ذلك. واختتم اهالي المنيعي حديثهم بأنهم صابرون على كثير من المشاكل رغم تجاهل المسئولين بالذات في وزارتي الزراعة والاسكان لشكاواهم ومطالبهم.. ويتساءلون عن دور المجلس الوطني في حل قضاياهم وعرضها على جهات الاختصاص. وفي منطقة الحويلات بدأ سالم عبدالله راشد مسئول مركز الحويلات التجاري حديثه قائلا: كنا نشرب من الانهار والوديان التي تجري على مدار العام, وبعض الابار, ولم تتعرض المنطقة والمناطق المجاورة لمثل هذا الجفاف حتى في واسط الثمانينيات, ولكننا منذ عامين افتقدنا معظم اشجار المانجو والنخيل بسبب الجفاف وملوحة الماء.. وفي هذه السنة جفت عشرات المزارع وافتقد المزارعون دخلهم السنوي من النخيل.. وصرنا لأول مرة نشتري ماء الشرب. ومضى سالم راشد الى القول ان بالمنطقة بئرا جوفية واحدة يخصص ماؤها للمنازل ليلا لغير اغراض الشرب, وللمزارع نهارا رغم زيادة نسبة الملوحة فيها, واضاف ان وزارة الكهرباء والماء وعدت بحفر بئر اخرى منذ شهر الا ان ايا من مسئوليها لم يزر المنطقة وانهم لم يعودوا ينتظرون منهم فعل شيء. حمد بن مبارك المطوع 38 عاما يعمل بالقوات المسلحة.. قال انه انفق اكثر من 4 الاف درهم لتعميق بئر مزرعته 5 اقدام.. ورغم ذلك يجف البئر بعد كل 15 دقيقة من ضخ الماء منه.. وذكر انه صار يطوف بأنبوب الماء على الاشجار ليسقي كلا منها رشفات قبل ان يدركها الجفاف.. واشار المطوع الى ان محصول التمر والحمضيات هزيل جدا هذا العام وان التمر صغيرا وابيض اللون و(ماسخ) الطعم. وبعد.. هذا حال سكان المنطقة الجنوبية من رأس الخيمة بقوا فيها يرعون الزرع والضرع لتتواصل مسيرة الحياة.. لكن الدهر يقسو عليهم ويحرمهم من منابع البقاء والاستقرار. وهاهي السنتهم تفصح عن حاجتهم الى الغوث والعون.. وهم من بعد الله يأملون في ان تنتشلهم ايدي المسئولين من وهدة الضياع وان تؤمن لهم ولابنائهم العيش الكريم والمستقبل الآمن.. فهل من مغيث؟ محمد راشد سعيد الرفاعي (المنيعي)

