في الامارات مشروعان عظيمان لتحفيظ القرآن وهما مشروع زايد لتحفيظ القرآن, ومشروع مكتوم لتحفيظ القرآن, وفي الشارقة يولى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى للاتحاد حاكم الشارقة اهتماما كبيرا بمراكز التحفيظ, وفي رأس الخيمة كذلك حيث انشئت موسسة لتحفيظ القرآن. لكن في الحقيقة لست اعني اليوم تلك المراكز او المؤسسات التي تنشئها الدولة, وانما اعني المراكز الخاصة التي ينشئها الاهالي او الجاليات الموجودة على ارض الدولة. في شهر محرم من العام الهجري الجاري (1421) اقامت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم مسابقة محلية, شارك فيها عدد كبير من حفظة القرآن الذين حفظوا على ايدي آبائهم وامهاتهم, وشارك ايضا (30) مركزا للتحفيظ على مستوى الدولة. وقد اسفرت هذه المسابقة عن فوز عدد من الذكور والاناث بالمراكز العشرة الاولى وحصلوا على جوائز نقدية قيمة, اضافة الى شهادات تقدير. وكرمت جائزة دبي معهد ابي بكر الصديق لتحفيظ القرآن بأبوظبي باعتباره احسن المراكز في الدورة الاولى, على مستوى مراكز الذكور. وكرمت ايضا مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي بالعين باعتباره احسن المراكز على مستوى مراكز الاناث. هذه المسابقة جعلتنا نقف على ارضية واضحة من مراكز التحفيظ في دولة الامارات, حيث اننا لم نكن نعرف قبل ذلك عدد المراكز ولا جنسيات الحفظة, ولا مستويات اعمارهم. اذن فتلك المسابقة كانت مشجعتنا الاولى على ان نقترب من تلك المراكز اكثر واكثر, ولذلك فان سعادة الاستاذ ابراهيم محمد بوملحة رئيس اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ابدى توجيهاته للجنة الفنية بالجائزة على ان تقوم بزيارات ميدانية لهذه المراكز على مستوى الدولة لتجمع معلومات اكثر عن هذه المراكز التي منها القوية التي تعتمد على نفسها, ومنها الضعيفة التي تحتاج الى دعم مادي ومعنوي. بدأنا بالفعل بزيارة هذه المراكز, والبداية كانت بدبي حيث زرنا ستة مراكز تحفيظ لكن استوقفنا مركز خلفان لتحفيظ القرآن, من بين تلك المراكز التي زرناها. فالمراكز التي زرناها لم تخرج من كونها شقة مستأجرة, او مسجدا اتخذوه مركزا للتحفيظ, او بيتا قديما مستأجرا او صندقة ينقصها الكثير من وسائل الراحة. اما مركز خلفان فهو رغم حداثته, وانه لم يمض على انشائه الا عام واحد فاننا وجدناه مثاليا في الواقع, ومجهزا بشكل كامل ولائق. المدرسة لاتجد فيها تكلفا في بنائها, ولا مبالغة في فصولها, لانها مبنية بالطابوق والاسبستو, لكن تجد فيها الذوق الفني, فهي عبارة عن ارض مربعة الشكل بنيت جوانبها الثلاثة, وبقي الجانب الرابع مفتوحا كمدخل وسور من حديد. هذه الفصول تشبه فصول المدارس الحكومية من حيث سعتها ومحتوياتها, فهي مجهزة بالطاولات والكراسي, وبعضها مجهز بالرحل الذي يحمل المصحف, وهو اسلوب الكتاتيب سابقا. الفصول مكيفة كلها ومفروشة, وامام الفصول اروقة تمتد على امتداد الفصول, وهناك قاعة للمدرسين, وادارة وملاحق اخرى, وفي الوسط ساحة مكشوفة صالحة لاقامة الحفلات والانشطة فيها وهي مبلطة بالانترلوك الاحمر, والمدرسة بشكلها العام مصبوغة بالابيض او البيج, مكللة باللون الاحمر الذي لفت انتباهنا ورحنا نسأل عن السر. هذه المدرسة تضم بين احضانها ثمانين طالبا تقريبا بشكل دائم, وفي اشهر الصيف يزيد العدد بكثير حيث تعطل المدارس, ويقبل المواطنون والمقيمون على ارض الدولة على مثل هذه المراكز, لانها تشغل وقت الفراغ لدى اطفالهم, وهي لاتخلو من فائدة. موقع المدرسة مناسب حيث انه في شعبية الشرطة بالجميرة, وعلى الشارع العام تقريبا, وقريبة من المسجد, وهي مدرسة بحق, لانها تجمع بين التحفيظ وتعليم الناشئة شيئا من علوم القرآن. ولقد لفت نظرنا كونها تجمع بين النظامين نظام الكتاتيب, ونظام المدارس فوجدنا (الرحل) بجانب الطاولة والكرسي. واخبرنا مسئول المدرسة بأن المدرسة تعتمد قراءة حفص رسميا لكنها تعلم الطلبة القراءات الاخرى مثل ورش وقالون والدوري. اعتقد ان هذه ميزة لو استمرت المدرسة عليها لربما تميزها عن المراكز الاخرى التي تعتمد على التحفيظ وحده. اقول انني على مستوى مراكز التحفيظ الخاصة بدبي لم اجد افضل من هذا المركز من حيث الاعداد حيث انه رغم بساطته وفق في التحفيظ والتوزيع لدرجة ان اعضاء اللجنة الفنية الذين كانوا معي قالوا بان المدرسة تصلح ان تكون نموذجا لمراكز التحفيظ التي يمكن ان تنشأ في المستقبل. واعتقد ان هذا صحيح, لان الشقق غير صالحة لمثل هذا النشاط, والبيوت القديمة التي تستأجر غير مهيأة ايضا لمثل هذا النشاط, والمساجد لم تبن في الاصل لمثل هذا النشاط, لانها دور الصلاة فحسب. اما مراكز تحفيظ القرآن التي يفترض ان تحتضن الذكور والاناث, وهم صغار السن فانها ينبغي ان يبني لها بناء خاص يتفق مع متطلباتهم التي هي اشبه بمتطلبات طلبة المدارس. المبنى الذي شاهدناه غير مكلف ولكنه يفي باحتياجات الحفظه ويعطي انطباعا عاما للزائر بأن هذا النشاط اخذ حقه من العناية والرعاية. وهنا يتبادر الى ذهني فأقول وماذا لو تبرع المحسنون ببناء ستة او سبعة مبان اخرى على غرارها, ووزعت على مراكز التحفيظ الموجودة في دبي, واعني بها تلك المراكز الفقيرة التي تشكو من سوء حالتها المادية؟ توزع عليهم لا على انها ملك خاص لهم, ولكن مبان موقوفة على التحفيظ والحفظة. ما اقترحه يسري على الامارات الاخرى ايضا التي لم نزر مراكزها حتى الآن, ولكنني على يقين بأنني سوف ارى مثلها بل احوج منها. على كل فان الدعوة مفتوحة الى اهل الخير لعمل الخير ولي دعوة مرفوعة الى السماء للذي انشأ مدرسة خلفان لتحفيظ القرآن بدبي. فطالما تمنى الوالد خلفان تميم رحمه الله ان تنشأ هذه المدرسة في حياته ليراها بعينيه. لكن شاء الله ان يرحل الوالد خلفان ويقوم ابنه البار بانشاء المدرسة لينزل ثوابها بردا وسلاما على خلفان في قبره. نعم قمنا بزيارة لمدرسة خلفان ثم خرجنا فلم يكن لنا من ملاحظة فقلنا للمسئول بورك فيك وفي ابي فارس, وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال: (اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له) . اعتقد انه ليس هناك صدقة افضل من تعليم الناس العلم بالمجان, وليس هناك علم افضل من القرآن, وقديما قال الشاعر: كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وغير الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين هنيئا لخلفان ولابي فارس, وهنيئا لمن حذا حذوه, وانا اعلم ان اهل الخير في البلد كثيرون, وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة الذي وضع قاعدة الخير وحمل لواء الخيرين, فسار وسار الناس خلفه يدعون له بطول العمر, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ