المناخ في قاعات امتحان الثانوية العامة متقلب جداً ويخرج في تقلباته هذه وانقلاباته عن نواميس الطبيعة, ليدخل في دائرة الظواهر الغريبة العجيبة, التي لا تحكمها قوانينها ولا تستطيع ضبطها أو كبح جماحها رؤي البشر بما وهبها الله العلي القدير من قدرات وخبرات. وتتعطل في ظل هذا الواقع القدرة على التوقع, ويغدو الانتقال من مناخ تسوده الحرارة الشديدة جداً إلى آخر حيث الاعتدال, ومن ثم الصقيع والجليد أمر ممكن ويصبح تقسيم السنة إلى فصول اربعة بلا معنى ولا دلالة. هكذا هو حال المناخ السائد في اجواء امتحانات الثانوية العامة فبالأمس القريب كان مناخ الكيمياء برداً وسلاماً على طلابنا وطالباتنا, وكان يوماً معقولاً بكل المقاييس, ولم يستمتع الطلاب والطالبات طويلاً به حيث احدثت اسئلة الاحياء انقلابا عنيفاً يرافقه زلزال عالي الدرجة يذكرنا بزلزال الاحياء في امتحان العام الماضي الأمر الذي يصدق فيه القول بأن الطبع يغلب التطبع لدى بعض الناس. فالاجابة عن اسئلة مادة الاحياء لم تكن بحاجة إلى اختبار وتطبيق مهارات علمية اكتسبها الطالب على مدار العام الدراسي. بقدر ما كانت بحاجة إلى مهارات الانشاء والتعبير والقدرة على التأليف واللف والدوران, ولم يكن المطلوب منها بحاجة إلى التفكير الناقد ولا إلى التفكير الابداعي, بقدر ما كان بحاجة إلى مهارات التخمين وإلى قدرات سحرية خارقة تجعل الطالب قادراً على تحديد المطلوب من السؤال, وقد فتحت أمامه ابواب الخيال الادبي واغلقت في المقابل ابواب الخيال العلمي. فغموض المطلوب من بعض الاسئلة وعدم وضوحها جعل طلابنا وطالباتنا في القسم العلمي يلجأون إلى منهجية (حظك يا ابو الحظوظ) . وكذلك الحال, لم يستمر المناخ الذي اشاعه امتحان الاحياء الذي اتلف اعصاب الممتحنين (بفتح التاء) وفقدهم لصوابهم والسيطرة على انفسهم, الأمر الذي جعلنا نرى بكل اسف وحزن بعض شبابنا وشاباتنا يذرفون الدموع في قاعات الامتحان وخارجها, ليس خوفاً من الرسوب ولكن حزناً واسفاً على جهدهم وجدهم الضائع, وتعبيراً عن حرصهم على تحقيق ذاتهم والحصول على الدرجات التي تؤهلهم لها قدراتهم وامكانياتهم ومستوى استعدادهم لاداء الامتحان. وجاء يوم الفيزياء ـ الورقة الأولى ليحدث انقلاباً آخر يعيد الاجواء المنعشة إلى قاعات الامتحان ويمسح شيئا من عفن الاحياء ورائحته الكريهة. ومن قبل كانت الأمور قد سارت على نفس الوتيرة. ان هذا الواقع المؤلم يبعث في النفس مشاعر الحزن والاسى, ويثير في الرأس سيلاً من الاسئلة والتساؤلات. فهل هو مقصود اللعب باعصاب الطلاب ومشاعر كل واحد منهم نحو ذاته؟ والا لم تحدث هذه المفارقات العجيبة الغريبة؟ وهل الرؤية المشتركة لفلسفة الامتحانات واهدافها وقواعدها غير واضحة ومحددة لدى واضعي الاسئلة؟ والا لم هذا التذبذب الذي نراه يحدث بين ورقة امتحانية واخرى, فواحدة طويلة والوقت المحدد للامتحان لا يكفي للاجابة عنها, واخرى طويلة وصعبة ولم تتقيد بحدود المادة المقررة ورابعة تحمل خطأ, وخامسة سهلة جداً ولا تتمتع فقراتها بالحد الأدنى من القدرة على التمييز من حيث مستوى الصعوبة والسهولة, واخرى معقولة جداً وسابقة صياغة فقراتها غير دقيقة وغير محددة ويكتنفها الغموض والمطلوب منها غير واضح. أرى لو كانت هناك رؤية مشتركة, واضحة ومحددة المعالم والأهداف والطرائق مدروسة ومتفق عليها كاستراتيجية تحكم مسيرة امتحانات الثانوية العامة لما حدث ما يحدث, وان كانت هذه موجودة فعلاً ومتفق عليها ومع ذلك تسير أمور الامتحانات على هذا النحو, فإن درجة استيعاب البعض لها تكون للأسف دون المستوى المطلوب!. عبدالقادر جاد الله