لقد تحدثت مرارا عن الدراسة المنزلية ومدى جدواها حتى اوشكت على ان أمل ويبدو اني سوف اتحدث عنها الى ان يصدر قرار يشفي غليلي. ـ كنت اتحدث عنها فيما مضى وانا احسن الظن بها وبالذين يتقدمون للامتحان من خلال الدراسة المنزلية, واليوم سوف اتحدث عنها وانا اتذكر وصية دويد بن زيد الجاهلي لأولاده عندما دنا اجله, حيث جمعهم وقال لهم: (اوصيكم بالناس شرا, لا ترحموا لهم عبرة, ولا تقيلوا لهم عثرة) . ان الدراسة المنزلية في الواقع فرصة تعليمية اتاحتها وزارة التربية والتعليم والشباب لفئة من فئات المجتمع وهي الفئة التي فاتها التعليم الصباحي والمسائي بحكم العمل او كبر السن, او ظروف صحية او مجتمعية اخرى. لكن يا ترى الى اي مدى حققت الدراسة المنزلية اهدافها او الى اي حد يمكن القول بأن وجود فرصة تعليمية من هذا النوع له مبرراته, او فيه مصداقية؟ يفترض اذا كان طلبة الدراسة المنزلية رغم اخفاقهم سنويا عقلاء فإننا نحن في وزارة التربية مجانين او العكس اي اذا كانوا هم مجانين فإنه من المفترض ان نكون نحن عقلاء. على كل حال فإن المسألة لا تحتاج الى جدل بيزنطي والموقف مكشوف لا يحتاج ايضا الى اقامة براهين وحجج دامغة, فالامتحانات لم تزل قائمة والنتائج بعضها ظهرت للعيان, وبعضها في طريقها للظهور. امامي الآن قائمة تتضمن اسماء رجال ونساء في مختلف الاعمار ومن مختلف الجنسيات والمؤسسات. وامامي ايضا اسماء لبنين وبنات كانوا طلبة اصلا فتحولوا الى الدراسة المنزلية. فتح المجال امام هؤلاء منذ بداية نوفمبر من العام الماضي حتى نهاية فبراير من العام الجاري, ولا اكذب عليكم اذا قلت انهم استمروا الى ما بعد تلك الفترة لاسباب استطاعوا ان يقنعوا بها الوزارة. شمل التسجيل الصفوف من الاول الاعدادي الى الثالث الثانوي بقسميه العلمي والادبي, لكن يا ترى ما حصيله هذا التسجيل؟ تعالوا بنا لنقرأ هذه الاحصائيات التي سجلتها اقلام شعب الامتحانات في المناطق التعليمية. بلغ عدد المسجلين في الاول الاعدادي على مستوى الدولة 404 طلاب وطالبات, وبلغ عدد المسجلين في الصف الثاني الاعدادي 578 طالبا وطالبة, وفي الثالث الاعدادي بلغ عددهم 496 طالبا وطالبة. اما في الصف الاول الثانوي فقد بلغ عددهم 1147 وفي الصف الثاني الثانوي العلمي بلغ عددهم 66 طالبا وطالبة, وفي الصف الثاني الثانوي الادبي بلغ عددهم 470 طالبا وطالبة. اما في الصف الثالث الثانوي العلمي فقد بلغ عددهم 273 طالبا وطالبة, وفي الصف الثالث الثانوي الادبي بلغ عددهم 1907 طلاب وطالبات. اي بمجموع قدره 5237 طالبا وطالبة على مستوى الدولة بمختلف الصفوف من الاول الاعدادي حتى الثالث الثانوي, وبما ان انظار الناس اليوم تتجه الى الثانوية العامة فإن عدد المتقدمين لامتحان الثانوية العامة من طلبة المنازل بلغ 2176 طالبا وطالبة من اصل 5237 طالبا وطالبة. هذا عن عدد المتقدمين اي الذين تقدموا بطلباتهم منذ بداية التسجيل, ودفعوا رسوم التسجيل واربكوا موظفين في المناطق التعليمية والوزارة, بل وترجوا ادارة الخدمات التربوية ان تمد لهم فترة التسجيل. اما عن حضورهم ودخولهم الامتحان فإن قراءاتنا لاحصائيات لجنة النظام والمراقبة لهذا العام تجعلنا نقف على حقائق لا تقبل الشك بأنهم يعبثون, ويختبرون صبرنا ورب الكعبة. تقول آخر احصائية للجنة النظام والمراقبة بأن عدد المتغيبين والمتغيبات عن امتحان الثانوية العامة بالقسم الادبي اي في مادة الاقتصاد لهذا العام 2000 بلغ 527 طالبا وطالبة. لو قارنا هذا العدد بعدد الغياب في اول يوم من ايام الامتحانات في جدول الادبي لوجدنا الغياب في ازدياد يوما بعد يوم, بدليل ان عدد المتغيبين في اليوم الاول كان 484. وفي القسم العلمي بلغ عدد المتغيبين في آخر احصائية وصلت الي لهذا العام 109. اذن فإن الغياب ظاهرة لافتة للنظر في القسم الادبي والقسم العلمي, إلا انها ظاهرة متفشية في القسم الادبي اكثر. ـ وبدراسة متأنية نجد ان الغياب متمركز في فئتين فئة المنازل وفئة المراكز المسائية, والظاهرة العظمى لفئة المنازل الذين اشبههم بجمال السباق التي تخرج في البداية مئة ثم بعد ذلك تتخلف واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى في النهاية الا عشرين او اقل. ـ هذا التغيب لابد ان يكون له اسباب فمن هذه الاسباب الحمل والولادة ومنها السفر والارتباط بدورات العمل ومنها المرض ومنها الكسل وعدم الاستعداد للامتحان. لكن يا ترى هل يجوز للانسان ان يعد ثم يخلف في وعده؟ وهل يجوز ان يذاكر ثم في نهاية الامر يقرر السفر ويؤجل الامتحان؟ او هل يجوز ان يدفع رسوما ويأخذ الكتب لا للدراسة بل لمجرد العبث, ليقال ان فلانا يدرس, او يتقدم للثانوية العامة؟ او هل يجوز ان يفعل ذلك لمجرد الحصول على اجازة من العمل لا للامتحان بل بحجة الامتحان؟ ـ هؤلاء الستمئة الذين تخلفوا عن الامتحان تخلفوا بعد انعقاد الامتحان, وقبل ذلك الكثيرون منهم طلبوا سحب استماراتهم وتأجيل الامتحان الى العام المقبل. فعلوا ذلك بعد تحرير الاستمارة ودفع الرسوم, وحرق اعصاب الموظفين في المناطق وديوان الوزارة. ـ رغم ذلك فإنهم يتقدمون بطلباتهم في العام المقبل, وكأن شيئا لم يحصل ولتتكرر المأساة من جديد ومنهم من يقدم عذرا ومنهم من لا عذرا له ابدا. ـ ان الوزارة في الواقع اصدرت قرارا وزاريا في العام الماضي مفاده ان كل طالب يتغيب عن الامتحان من غير ان يقدم عذرا مقبولا يحرم لسنتين متتاليتين من التسجيل بعد ذلك. ـ والواقع ان قرارا آخر صدر فحصر تلك الاعذار التي هي: المرض والوضع ووفاة احد الاقارب من الدرجة الاولى, والاستدعاء من جهة رسمية, والدورات العسكرية وما في حكمها والسفر الاضطراري. ـ صدر هذا القرار, والغياب هو الغياب نفسه, وكأنه حق من حقوقهم, وكأن واجبنا ان نعبث بالوقت والمشاعر. ـ لو سألتكم بعد هذا فماذا يا ترى تقترحون علينا؟ اعتقد انكم لا تقترحون اغلاق باب الدراسة المنزلية نهائيا, لأن فيه الصادقين والمحتاجين لكن تقترحون يقينا ان تفرض الوزارة رسوما تكسر الظهر او مبلغا كبيرا من المال ويبقى المبلغ تأمينا لدى الوزارة بحيث لو تغيب صاحبه عن الامتحان بعذر غير مقبول يذهب ذلك المبلغ لصالح الوزارة. ـ في الواقع ان هذا الاقتراح اقدمه ليس في مجال الدراسة المنزلية فحسب, بل حتى في مجال اعادة امتحان الثانوية العامة حيث ان الكثيرين من الخريجين يتقدمون بطلب الاعادة وفي تخصص غير التخصص الذي درسوه. ـ كان هذا الحق يمنح في البداية للمواطنين ثم توسع الخرق فصار يمنح لكل من درس على ارض الدولة ثم توسع اكثر فصار اهل الارض جميعا يأتون الينا ليحصلوا على قدر من هذا المغنم. ـ اذن فإن المسألة في حاجة الى حزم وحسم وخصم, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ