قالوا في الامثال (اعط الخبز لخبازه) لو تركنا هذا المثل ودلالاته قليلاً, وقمنا باجراء محاكمة نحتكم فيها إلى شروط المنطق العلمي والسيكلوجي لبناء الورقة الامتحانية وحاكمنا على أساسها ماورد من ملاحظات وتعليقات وردود افعال في هرج ومرج طلابنا وطالباتنا الاخذ في التزايد, والذي يشارك فيه الجميع بمختلف مستوياتهم وقدراتهم الدراسية المتميزة منها والعادية والمتوسطة والضعيفة, لوجدنا فيها ما يستحق الوقوف عنده باحترام وتقدير حيث انهم برهنوا انهم يتمتعون برؤية واضحة ودقيقة لخصائص ومواصفات ومعايير الورقة الامتحانية الجيدة ومقوماتها. فقد كانوا ملمين الماماً واعياً بمفردات المناهج الدراسية المقررة, ولذلك رأيناهم يكتشفون الخطأ الذي ورد في بعض الاسئلة كسؤال التاريخ مثلاً, قبل ان يسبقهم إلى ذلك من هم أولى بمثل هذا الاكتشاف قبل ان تصل الورقة الامتحانية إلى ايدي الطلاب. وكانوا الادرى من غيرهم بما هو مطلوب حفظه وما هو غير مطلوب ومن هنا كان رد فعلهم سريعاً على مطالبتهم بذكر البيتين الثامن والتاسع من قصيدة (لن ابكي) وكانوا على حق بدليل الاجراء الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم والشباب حين وزعت درجات هذا الفرع ولو كان واضع الاسئلة ملماً بالمطلوب وغير المطلوب على الأقل كالطلاب لما وقع هذا الاشكال اصلاً. وكان قسم منهم يعكسون استيعابهم لملاحظات مدرسيهم حتى غير الدقيقة منها لذلك ابدى البعض تذمره من سؤال الرد في الجيولوجيا واعتبروه بناء على ملاحظات البعض من مدرسيهم انه غير مطلوب منهم, وهذه قضية غاية في الأهمية وتستدعي ان يتم اشعار الطلاب بالمطلوب منهم وغير المطلوب عبر قنوات الوزارة الرسمية حتى لا يترك المجال لتخمينات البعض من المعلمين والمعلمات ويكون الطالب ضحيته الأولى. وكانوا على جانب من الحس النقدي حين اعتبروا سؤال التصويب الخطأ الوارد في الورقة الامتحانية الثانية لمادة اللغة العربية سؤالاً مركباً اذ لم يكن هناك خط تحت الخطأ المطلوب تصويبه الأمر الذي يزيد من احتمالات الاجابة غير الصحيحة. ذلك لان الاجابة هنا تستدعي من الطالب مطلوبين الأول التعرف على الخطأ والثاني تصحيحه. وأظهروا مهارة نقدية اخرى حين رأوا ان الاسئلة التي وردت في كثير من الأوراق الامتحانية لم تكن موزعة على مفردات الكتاب المدرسي المقرر بقدر معقول من المعقولية التي تأخذ في اعتبارها وزن كل واحدة منها بدليل التكرارات التي وردت في فروع بعض الاسئلة اضافة إلى التركيز الزائد على بعض الموضوعات واهمال غيرها. أما القضية الاكثر اثارة والتي نالت تركيزاً وشبه اجماع من الطلاب والطالبات هي قضية الوقت المتاح للاجابة عن الاسئلة, فالوقت اللازم للاجابة اكثر من الوقت المخصص رسمياً له فأهم الأسس التي تبنى عليها فقرات الورقة الامتحانية تفترض ان الوقت المحدد للامتحان هو الوقت اللازم للطالب الضعيف حتى يحقق أفضل اداء له, وفي الوقت نفسه يتيح له ولغيره فرصة مراجعة اجاباته. ذلك اذا كنا نتوخى تحقيق عدالة الامتحان واذا كنا نتطلع إلى تحقيق جودة الاداء التعليمي اما عملية حشو الورقة بكم هائل من الاسئلة لا يتناسب مع الوقت اللازم للاجابة عنها مع الوقت المحدد للامتحان فانها تعبر عن دعوة الطلاب صراحة إلى هرولة غير واعية أو واثقة, وراء اجابات ستكون بالتأكيد غير ناضجة وغير دقيقة وبأقصى سرعة, وكأن وظيفة التعلم قد اصبحت مركزة على الغربلة والفرز لكن في مناخ يفتقر إلى الاعتدال وعوامله. هذا يذكرني بعض الدول الصناعية التي عملت على تجزئة عملية الامتحانات وبعضها الآخر التي تركت نظمها للطالب حرية الوقت الذي يتناسب مع امكانياته, وحكمتهم من ذلك العمل على اكتشاف معارف الطالب في احسن احواله بعيداً عن المعاناة المفرطة أو القلق الحاد. ويبدو ان مبدأ الوسطية يكون غائباً عن فكرنا التربوي خلال بناء فقرات الورقة الامتحانية, ونكون اقرب إلى التطرف منه إلى الوسط, هذا ما اشارت إليه أسئلة مادة التربية الإسلامية بالأمس, حيث انتهى جميع الطلاب بمختلف مستوياتهم قبل نهاية الوقت المحدد للامتحان بأكثر من ساعة, غادروا قاعاتهم ولم تغادر التعليقات أفواههم فالكثير منهم علق بقوله والامتحان كله معلومات عامة.. ومنهم من قال ايام حارة جداً ويوم بارد جداً جداً. الطلاب اذن يعرفون المطلوب منهم دراسته وغير المطلوب (المحذوف) وغيرهم لا يعرف في الوقت الذي كان يجب عليه ان يعرف بدقة, الطلاب لم يمر عليهم السؤال الخطأ ومر على غيرهم, الطلاب يلمون بمواصفات ومعايير ومقومات الورقة الامتحانية الجيدة وغيرهم لم يضعها حتى على هوامش تفكيره. الا ترون بعد كل هذا اننا لو طبقنا المثل الشعبي على واقع ما جرى لكان الطلاب هم أولى بخبز العجين. عبدالقادر جاد الله