من الناس من اذا دخلت عليه أو خرجت من عنده, لا تفارق الابتسامة وجهه, واذا لقيك لقيك بوجه باسم. تجد هذا دأبه وديدنه في حال الصفاء وفي حال الغضب.ومن الناس من اذا قابلته, او دخلت عليه او صافحته قابلك بوجه عابس, وتكشيرة لها بداية, وليس لها نهاية, وتجده كذلك في جميع احواله, سواء أكان في حال رضا أم في حال غضب.ومن الناس من يمتلك القدرة على التكيف مع الاوضاع المختلفة, وان كانت له حالتان, حالة صفاء وحالة غضب, الا انه اذا قابل الناس لم يبد لهم الا وجها صبوحاً مشرقاً, فلم ير منه الناس الا الانشراح والانبساط, رغم انه يحمل في نفسه معاناة كبيرة. علي حد قول الشاعر: لا تحسبوا ان رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحاً من الألم هذا النوع الاخير اعتقد والله اعلم انه مثل صالح للاقتداء به, ويحتذى حذوه, لانه ذاق حلاوة الايمان, ودخل الإسلام من اوسع ابوابه, والا فبم تفسر عندما تدخل على رجل يدعي انه مسلم يخاف الله, ويزعم انه يعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك فانه ابعد ما يكون عن الله وعن رسوله. هذا الرجل الذي لبس قميصاً غير قميصه, وارتدى زياً غير زيه, وتحلى بما ليس فيه يدعي الإسلام, والإسلام أمره ان يستقبل اخوانه واصدقاءه بوجه طلق, وهو مع ذلك يستقبلهم بوجه غضوب, وتكشيرة ملؤها الأسى والأسف. هذا الرجل الذي يدعي انه مؤمن يقابل اخوانه الباشين في وجهه بوجه لا يعرف الابتسامة, حتى يتخيل الداخل عليه بأن وجهه خلق من صخر لا من طين. يفعل ذلك وهو يحفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (وتبسمك في وجه اخيك صدقة). وهو عندما كان طفلاً لم تكن الابتسامة تفارق شفتيه. اذن ماذا جرى لصاحبنا؟ لماذا هذا الاكفهرار الذي يحمله في غدوه ورواحه؟ ولماذا كل هذا الاشمئزاز الذي يبديه لاصدقائه عندما يلتقي بهم؟ مع العلم بأنهم لا يريدون منه مالاً, وهو لا يطالبهم بمال. ان الذي يجمعه بهم, ويجمعهم به ساعة اجتماع, وربما كان هذا الاجتماع اجتماعاً على كتاب الله وسنة رسوله أو اصلاح حال من احوال المجتمع. يا ترى ما الذي يجعله يحمل هموم الدنيا بشكل مأساوي, فلا يضحك ولا يبتسم الا مع اشخاص, ويكشر ويكفهر ويعبس في وجوه آخرين, وهو يعلم ان تلك الساعة التي يكشر فيها ربما تكون آخر سويعاته من الدنيا. انني في الواقع درست اعماق مثل هذا الرجل فوجدت ان الايمان لم يباشر قلبه, وانه ما زال يدور في فلك الإسلام من غير ايمان, اذ لو آمن بقلبه لخضعت جوارحه, فحسنت خصاله وعندئذ لم تنتفخ اوداجه لمجرد ان صاحبه خالفه في الرأي, ولم يوافقه على هوى في نفسه. نعم ان الانسان يثور ساعة الاختلاف وعند مناقشة امر ما, لكن العاقل أو المؤمن سرعان ما تنقشع غياهب حمقه, فيعود إلى صفائه وحسن ظنه باخوانه ويقول: لعل الحق معهم, اما وانه يحقد ويفكر في الانتقام والكيد بصاحبه فان ذلك دليل على انه لم ينتفع بصلاته رغم انه يقوم الليل, ولم ينتفع بصيامه رغم انه مواظب على صيام التطوع فضلا عن الفريضة. هذا الرجل مثله مثل ذلك المغتاب أو النمام الذي كان يكثر من قيام الليل ومن صيام النهار, وعندما اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يغتاب وينم قال هو أو هي في النار. هذا الموقف من هذا الرجل جعلني اتأمل مراراً في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (وتبسمك في وجه اخيك صدقة). لماذا امرنا الرسول بأن نبادىء غيرنا بالابتسامة؟ ثم لماذا جعلها صدقة, وكأننا تصدقنا بجزء من مالنا للمحتاج؟ ان الرسول لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى. أراد عليه الصلاة والسلام من ذلك ان يربي انفسنا على حب الآخرين, والحب من مظاهره البارزة هذه الابتسامة التي تعلو الوجه. ومن تعود على الابتسامة لا اعتقد انه يعود إلى التكشير, لانه لابد وقد وجد ثمرة هذه الابتسامة التي أدت إلى انشراح نفسه, وانبساط قلبه, وانفتاحه على الدنيا. بخلاف الذي تعود على التكشير فانه يظل طول عمره في انقباض مع نفسه, واعصابه مشدودة, ودمه في حال فوران, وضغطه في ارتفاع دائم, لماذا لانه يحمل حقداً على هذا وذاك وذلك فلن يهدأ حتى يبلغ مداه من الانتقام منه. اما الذي تعود على الابتسامة فإنه يظل ينعم في هدوء وراحة بال, لأنه يرى الناس على بساط أخضر, لذلك نجد ان الطبيب يطلب من المريض ان يكون (ريلكس) دائماً. بناء على ذلك فإنني استنتج من هذا الحديث ان الابتسامة هي بمثابة (خليك ريلكس) دائماً, فهى خير مهدىء للنفس. بل أكثر من ذلك فإن الدراسات العلمية اثبتت ان الضحك علاج لكثير من الأمراض, أو انه وقاية منها, لماذا؟ لاننا اذا ضحكنا نشطت الدورة الدموية, فتحركت الاوعية الدموية القريبة من الجلد, وقل عندئذ ضغط الدم, ونشطت العضلات. ومما اثبته العلم هو ان الضحك يؤثر في كل عضو من اعضاء الجسم ويساعد على الاسترخاء, فهو لا يقل مفعوله عن أي تمرين رياضي. وبالمناسبة فان الطبيب الفرنسي المعروف الدكتور هنري روبنشتين يقول: (ان دقيقة من الضحك تعادل 45 دقيقة من تمرينات الاسترخاء) . يعتقد الناس ان الابتسام يكون في حال الرضا, وبالتالي فإنه لا يفيد اذا كان الانسان حزيناً. لكن نتائج الدراسات التي اجريت على ما قام به ستة من الممثلين المعبرين عن ستة من الاحاسيس وهي السعادة والحزن والغضب والاشمئزاز والدهشة والتعجب اظهرت ان جميع التعبيرات كانت مرتبطة بالتعبيرات الجسدية فقللت ضربات القلب وضغط الدم والتوتر. اذن فإنه مهما يكن شعورنا الداخلي فان الابتسامة تحسن من حالنا. من هنا ادرك العلماء ان الضحك دواء, والمرء يجب ان يتعلم كيف يغرس المرح في اعماقه. لذلك فإن بعض المراكز العلاجية في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية أوجدت فيها فيه قسماً خاصاً للضحك والتسلية حتى يتعلم المريض مواجهة مشاكله بالضحك والابتسامة, بدلاً من ان تتراكم عليه. ويقول العلماء ان للضحك فوائد كثيرة, فهو يعالج القلق ويزيل التوتر, وله قيمة جمالية, لأنه يقضي على التجاعيد في الوجه, وهو أفضل منظم لضربات القلب. واثبتت الدراسات أيضاً ان الشخص دائم الابتسام هو اقدر على اقناع الناس لانهم يتقبلونه أكثر. ويذكر العلماء البريطانيون ان الضحك سبعة أنواع هي: الضحكة الانعكاسية وهي التي تصدر من الإنسان عفوية لمجرد مجاراة الآخرين, والضحكة الهستيرية وهي ضحكة جوفاء لا اثر للمرح فيها, لأنها تصدر من المعتوهين والضحكة الساخرة, وضحكة التهكم التي فيها انتقاص من الآخرين. وضحكة الشماتة, وضحكة التسلية وتكون في الحفلات والمناسبات التي يكون فيها المرح. وضحكة التنفيس والتفريج وغالباً انها تكون عندما يسود التوتر جماعة, فيحدث من أحدهم ما يجعلهم ينفجرون ضاحكين. أقول وبعد ان علمنا ان العلم الحديث اثبت أهمية الضحك والابتسام في حياة الانسان, وقبل ذلك فإن ديننا الحنيف جعل الابتسامة صدقة جارية الا يجب ان يعلم علماء الدين وعلماء التربية بأن الابتسامة جزء من مناهجنا التي يجب ان ندرسها لأبنائنا؟ فإذا لم يكن الطفل تعود في بيته على ان يبتسم وجب على المعلمين في المدارس ان يغرسوا حب الابتسامة في نفسه, لان الابتسامة وقاية من الامراض من جهة, وسلوك حضاري راق دعا اليه معلم البشرية قبل (15) قرناً من الزمن. فهل يا ترى ادرك أهل الدين قبل غيرهم بأن التكشير صفة منافية للدين والعلم, وهل ادرك اهل التربية بأن التبسم في وجوه الآخرين علاج نفسي واجتماعي لكثير من الأمراض النفسية والاجتماعية؟ اذا ادركتم ذلك فابتسموا واكسبوا اجرها, ولا تحرموا أنفسكم منها بسبب اختلاف في الرأي, فإنكم أولى بتناسي الاضغان, وقد قال الشاعر: يا أيها العالم يا ملح البلد من يصلح الملح اذا الملح فسد د. عارف الشيخ