الأمن السياسي والاجتماعي بدولة الامارات كان موضوع الرسالة العلمية التي نالت عنها الشيخة شمة بنت محمد بن خالد آل نهيان رسالة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الاولى من جامعة كمنيويل بجمهورية سلوفاكيا. والرسالة عبارة عن دراسة علمية حول الامن السياسي والاجتماعي بالدولة، باعتباره من ابرز القضايا المطروحة على الساحتين السياسية والاجتماعية في دول الخليج العربي بصورة عامة ودولة الامارات على وجه الخصوص. قام على مناقشة الرسالة لجنة ضمت كل من البروفيسور ماروسلف كوسا, البروفيسور بيتركرسيك, البروفيسور زوملاني, البروفيسور سيكيفيافاها ليكوفا, البروفيسور الكسندر جوكيا وعدد من الاساتذة المختصين من جامعة كمنيول والدكتورة موزة عبيد غباش. واثنت اللجنة على جهود الباحثة وتميزها الاكاديمي في جمع وتحليل المادة العلمية الخاصة بالدراسة واستخلاص النتائج المرتبطة بها. واشادت باختيار الباحثة لهذا الموضوع الحيوي والذي تعالج من خلاله عددا من مظاهر الخلل في دراسات علمية سابقة لم تتطرق الى موضوع الامن السياسي والاجتماعي بصورة مباشرة وذلك على الرغم من اهمية هذا الموضوع وآثاره العديدة على منطقة الخليج وفي تقديمها العلمي للرسالة. اشارت الشيخة شمة بنت محمد بن خالد آل نهيان الى ان موضوع الامن السياسي والاجتماعي ظل غائبا عن الاهتمام المباشر للدراسات السابقة, فلم تحاول اية دراسة ان تتطرق لهذا الموضوع بصورة مباشرة بل جاء تناوله عرضا. وشددت على اهمية الامن السياسي والاجتماعي خاصة في اعقاب التطورات المتلاحقة التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ اواخر الثمانينات. الشرك الغربي ورصدت الباحثة عددا من المبررات العلمية التي دفعتها لاختيار موضوع الدراسة ومنها غياب الاهتمام في الدراسات السابقة بطبيعة البنى الداخلية وتأثيرها على قضايا الامن والاستقرار في المنطقة وذلك على الرغم من اهمية هذا التأثير سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حيث تبنت معظم الدراسات السابقة الاسلوب العسكري في تناول قضايا الامن والاستقرار داخل منطقة الخليج العربي واصبح موضوع الامن محكوما بالقوة العسكرية ومرتبطا باستراتيجيات التحالف مع القوى الكبرى التي تمتلك هذه القوة كما وقعت الدراسات السابقة في مأزق فهم قضايا الامن والاستقرار بالمنطقة ونظرت اليها من البعد الغربي الذي حصر هذه القضايا وفق مصالح واستراتيجيات الدول المتقدمة, كما وقعت معظم الدراسات السابقة في شرك الفهم الغربي لهذه القضايا وارتباطها بمصالح الدول المتقدمة وهي مصالح قد تتعارض مع متطلبات الامن والاستقرار الداخلي لمجتمعات دول الخليج العربي. واستعرضت الباحثة في سياق اطروحتها التطورات التي مرت بها دولة الامارات منذ بداية السبعينيات وما ترتب على هذه التطورات من تغيير يكاد يكون جذريا في بنى المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وفي هذا السياق احتل موضوع الامن السياسي والاجتماعي اهمية بالغة بالنسبة للدولة. وتعرضت الى طبيعة الخصائص التي يتسم بها المجتمع الاماراتي سواء على مستوى التركيبة السكانية لهذا المجتمع, وعدم التوازن بين القاعدة السكانية المواطنة والقاعدة السكانية الوافدة, او على مستوى مظاهر الخلل التي يتسم بها سوق العمل, من حيث عدم التوازن بين العمالة المواطنة والعمالة الوافدة, ولاشك ان هذه الخصائص وما تفرزه من مظاهر خلل متعددة تجعل من قضايا الامن السياسي والاجتماعي من اهم القضايا الحيوية بالنسبة لحاضر هذا المجتمع ومستقبله. واكدت الباحثة على ان مسارات التغير الاجتماعي والاقتصادي والتي اعتمدت بالدرجة الاولى على التجارب الرأسمالية وسياسة (الباب المفتوح) ولدت العديد من التحديات التي تهدد الهوية الوطنية للانسان في مجتمع الامارات بجميع فئاته, الاطفال والشباب, والنساء والرجال ومن اهم المؤشرات الخطيرة الدالة على ذلك التعددية الاثنية والعرقية التي يشهدها المجتمع وما يترتب على ذلك من تشوه اللغة العربية التي هي اللغة القومية للمجتمع, ولاشك ان تشوه اللغة يفضي الى تشوه التفكير, لان اللغة هي وعاء التفكير ووسيلة التعبير عنه, ومما يزيد الامر خطورة ما يحدث في مجال التعليم, والازدواجية بين التعليم الحكومي والتعليم الخاص الاجنبي, وكل هذه التحديات تستلزم ضرورة التصدي لموضوع الامن السياسي والاجتماعي للدولة. بالاضافة الى ارتفاع مؤشرات الجريمة والتفكك الاسري مما يعني انكشاف البنية الاجتماعية وغياب احساس المواطن بالمسئولية تجاه هذه المشكلات وتهديدها للامن السياسي والاجتماعي للدولة. وطرحت الباحثة عددا من التساؤلات التي تعد في جوهرها فروضا يتم التحقق من صحتها منها: هل تستطيع النظريات الغربية المتصلة بموضوع الامن ان تقدم تفسيرا ملائما لقضايا الامن والاستقرار داخل منطقة الخليج العربي بشكل عام وداخل دولة الامارات على وجه الخصوص؟ ما طبيعة التحديات الخارجية والداخلية للامن السياسي والاجتماعي للدولة؟ وما هي انعكاسات وتأثيرات عملية التغير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي شهدتها دولة الامارات العربية المتحدة خلال العقدين الماضيين على قضايا الامن السياسي والاجتماعي؟ وما طبيعة السياسات والاستراتيجيات التي نفذتها الدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق الامن السياسي والاجتماعي؟ وما طبيعة التأثيرات التي ولدتها التطورات التي شهدتها منطقة الخليج العربية خاصة حرب الخليج الاولى والثانية على قضايا الامن السياسي والاجتماعي داخل الدولة. وما هي التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجه تحقيق الامن السياسي والاجتماعي لدولة الامارات؟ نظريات الامن واضافت الباحثة ان الدراسة تهدف الى التعرف على مدى كفاءة النظريات الغربية التي تناولت قضايا الامن بشكل عام والامن السياسي والاجتماعي بشكل خاص في تفسير قضايا الامن السياسي والاجتماعي لدولة الامارات وصياغة رؤية نظرية ملائمة لتفسير قضايا الامن السياسي والاجتماعي والتعرف على طبيعة التحديات الخارجية والداخلية التي تهدد حاضر ومستقبل الامن السياسي والاجتماعي وكذلك التعرف على طبيعة السياسات التي اتخذتها الدولة لتحقيق الامن السياسي والاجتماعي, وصياغة رؤية استراتيجية تهدف الى استكمال تحقيق وترسيخ مقومات الامن السياسي والاجتماعي بالاضافة الى صياغة بعض التساؤلات المستقبلية التي تهم قضايا الامن الوطني لدولة الامارات في القرن الحالي. واستخلصت الباحثة عددا من النتائج العامة منها ان النظريات والاتجاهات النظرية التي تطورت داخل البلدان الغربية لا تقدم تفسيرا موضوعيا لقضايا الامن بشكل عام والامن السياسي والاجتماعي بشكل خاص داخل منطقة الخليج العربي فهذه النظريات قد ظهرت وتطورت في مجتمعات تختلف جذريا عن مجتمعاتنا, وبالتالي فإنها لا تصلح لفهم وتفسير خصوصية الابنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل مجتعاتنا ولابد ان نتخذ من هذه النظريات موقفا نقديا ولا نستخدمها بشكل آلي لفهم قضايا الامن والاستقرار داخل مجتمعاتنا وعلينا ان نطرح نظريات تتلاءم وخصوصية التكوين السياسي والاجتماعي لهذه المجتمعات. كما ان الامن السياسي لا يتحقق بمعزل عن الامن الاجتماعي والاقتصادي فكلاهما وجهان لعملة واحدة فالارادة او السيادة السياسية المستقلة, والقدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل, وهي من اهم المؤشرات الدالة على الامن السياسي للدولة, لن تتحقق من دون وجود ابنية اقتصادية واجتماعية قوية تدعم سلطة اتخاذ القرار السياسي المستقل. وان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي يستلزم ضرورة ايجاد علاقة متوازنة لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية في وقت واحد. فالتحديات الداخلية لا تقل خطورة في تأثيرها على الامن السياسي والاجتماعي من التحديات الخارجية, والعكس صحيح ايضا, ومن هنا نؤكد على عدم الاهتمام بأي منها على حساب الآخر بل اننا نذهب اكثر من ذلك ونقول انه كلما كانت الابنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية (الداخلية) ابنية صلبة كلما استطاعت ان تقف في وجه التحديات الخارجية. بالاضافة الى ان العلاقة بين الامن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة والتبعية الخارجية علاقة عكسية ولا يعني ذلك اننا نتبنى دعوة للعزلة, بل العكس هو الصحيح فالانفتاح على العالم الخارجي ضرورة تمليها التطورات المعاصرة داخل النظام الدولي الجديد, ولكن هذا الانفتاح يجب ان يكون في مصلحة الاستقلال الوطني والارادة السياسية المستقلة للدولة وليس العكس. كما ان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي لا يتم بالاعتماد على الاسلوب العسكري وحده فعلى الرغم من اهمية القدرة العسكرية للدولة, لكن هذه القدرة ليست هي وحدها التي تحقق الامن السياسي والاجتماعي. ولهذا فإن الاسلوب المجتمعي او الحضاري هو الاسلوب الامثل لتحقيق الامن السياسي والاجتماعي فهذا الاسلوب هو الكفيل بتحقيق التوازن في الاهتمام بين الجوانب العسكرية والسياسية والاجتماعية وهو الاسلوب الذي يكفل تحقيق الامن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع. كما حاولت الدراسة ان تصوغ استراتيجية متكاملة تكفل استكمال تحقيق مقومات الامن السياسي والاجتماعي لدولة الامارات العربية المتحدة وتعمل على ترسيخ هذه المقومات في الحاضر والمستقبل. واكدت الدراسة في هذا الصدد على ما يلي: ان صياغة هذه الاستراتيجية يجب ان تتم في ضوء الثوابت الوطنية والاقليمية والعربية لدولة الامارات العربية المتحدة لان الامن السياسي والاجتماعي للدولة يتعدى مسألة الحدود السياسية ويصل الى الدول المحيطة بها اقليميا (دول الخليج العربي) , وقوميا (على مستوى الوطن العربي) ولن تستطيع اي دولة بمفردها على مستوى الوطن العربي ان تحقق امنها السياسي والوطني بمعزل عن بقية الدول العربية الاخرى سواء على الصعيد الاقليمي او القومي وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد على ضرورة تفعيل دور المؤسسات الاقليمية والعربية. كما ان صياغة هذه الاستراتيجية يجب ان يتم في ضوء صيغة متوازنة في التعامل بين الاخطار او التحديات الخارجية والاخطار او التحديات الداخلية فالاخطار الداخلية لا تقل خطورة واهمية عن الاخطار الخارجية بل ان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي الداخلي يمثل شرطا ضروريا لمواجهة اية تحديات خارجية, كما ان صلابة الابنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة يمثل شرطا ضروريا للصمود امام اية تحديات او اخطار خارجية. كما يتطلب ضرورة الوعي بالامكانيات المادية والبشرية للدولة, وحسن استخدام هذه الامكانيات بما يكفل تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة. كما يجب ان يتم في ضوء علاقات التوازن والتفاعل بين الابنية او المكونات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية فاذا اخذنا في اعتبارنا صعوبة الفصل بين هذه الابنية, فإن التعويل على مكون واحد من هذه المكونات او الاهتمام بمكون ما على حساب بقية المكونات الاخرى لن يكون في صالح الاستراتيجية المتكاملة التي يجب ان تأخذ في اعتبارها كافة المكونات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. ويترتب على ذلك ان الاستناد الى الاسلوب العسكري في تحقيق الامن السياسي والاجتماعي خارجيا وداخليا لن يكون اسلوبا فعالا ومن هنا تبرز ضرورة الاهتمام بالاسلوب المجتمعي في تحقيق مقومات الامن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري, ذلك الاسلوب الذي ينقل المجتمع الى مرحلة التنمية المجتمعية الشاملة على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية. كما ان صياغة الاستراتيجية المتكاملة يتطلب ضرورة الوعي بالتحديات التي تعوق استكمال وترسيخ مقومات الامن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة, خصوصا تلك التحديات التي تفرضها طبيعة التكوين السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الاماراتي. كما اثارت الباحثة بعض القضايا والتساؤلات التي تهم الامن الوطني لدولة الامارات وهي تقف على اعتاب القرن الحادي والعشرين منها: سؤال الهوية والثقافة: وتأتي اهمية هذا السؤال من واقع التحديات الاجتماعية والثقافية التي تواجه دولة الامارات وهي على اعتاب القرن الحادي والعشرين ولاشك ان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي يرتبط ارتباطا تفاعليا بالحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية للمجتمع ولن يستطيع المجتمع الاماراتي ان يحافظ على هويته الوطنية والثقافية من دون ان يكون قادرا على مواجهة التحديات التي تفرضها طبيعة التركيبة السكانية, واصلاح جوانب الخلل الناجمة عن عدم التوازن بين السكان الوافدين والسكان المواطنين, وكذا اصلاح جوانب الخلل, داخل سوق العمل, الناجمة عن هيمنة الايدي العاملة الوافدة على معظم اوجه النشاط الاقتصادي داخل المجتمع. اما سؤال الاستقلالية السياسية فتنبع اهميته من ان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي للمجتمع لا يتحقق إلا من خلال السياسات التي تدعم الاستقلالية السياسية للدولة, فالعلاقة بين الامن السياسي والاجتماعي والتبعية الخارجية علاقة عكسية. اما سؤال الخروج من نفق التنمية المعتمدة على النفط فتنبع اهميته من ان تحقيق الامن السياسي والاجتماعي لا يتم إلا من خلال بناء اقتصاد قوي وتنويع مصادر الدخل القومي ولا يعتمد هذا الاقتصاد الوطني او الدخل القومي على مورد قابل للنضوب مثل البترول بل يعتمد على قطاع صناعي قوي يوازي في قوته وفي قدرته على توليد الناتج القومي, قطاع البترول. اما سؤال التنمية البشرية: فتنبع اهميته من ان التنمية البشرية هي الركيزة الاساسية التي تكفل تحقيق الامن السياسي والاجتماعي بمعناه الشامل فإذا كان البشر او المواطنين هم اداة التنمية وغايتها فإن هؤلاء البشر هم في الوقت نفسه اداة تحقيق الامن السياسي والاجتماعي وهم الذي يجنون ثمار الامل السياسي والاجتماعي.