ايا كانت المبادرات التي يتم تقديمها لمكافحة الجريمة سواء كانت من قبل الشرطة او اي مؤسسة حكومية اخرى او من قبل بعض الافراد فيجب ان تخضع لعمليات تقييم موضوعية ومستقلة واذا كنا جادين بشأن مكافحة الجريمة علينا ان نحلل كل ما نقوم به بدلا من الاستمرار في التركيز على الماضي. فالتحدي الجديد الذي يواجهه واضعو السياسة والقائمون على وضع خطط مكافحة الجريمة هو ايجاد مادة او اختراع ممكن ان يتنبأ بأنواع الجرائم الجديدة التي ستواجه العالم في الاعوام المقبلة. لذلك يستلزم الامر من المختصين اجراء البحوث التي تتعلق بالاثار التي ستنتج من جراء التحول في المجتمع مثل دخول العولمة وثورة الانترنت وظهور الاختراعات الجديدة في عالم التكنولوجيا الذي اصبح يطاردنا كل يوم بما هو جديد. جاء ذلك في الاصدار الجديد لمركز البحوث والدراسات التابع لشرطة دبي والذي تم خلاله ترجمة بحث للدكتور (آدم جري كار) مدير المعهد الاسترالي لعلم الاجرام حيث قامت بالترجمة آمنة علي يوسف. واشار الباحث الى ان هناك ثلاثة انواع من الجرائم ينبغي التمييز بينها اولها الجرائم التي تسيىء الى الافراد وهذه مدرجة ضمن السجل الجنائي منذ سنوات طويلة مثل القتل والاعتداء والسرقة والاغتصاب والسلب والسطو.. الخ وتعد هذه الجرائم في الغالب من اكثر الجرائم التي تروع المواطنين وهي ترتبط غالبا بمفهوم ارتفاع معدل الجريمة, وتحظى هذه الجرائم باهتمام كبير من قبل وسائل الاعلام, اما النوع الثاني فهي الانشطة التي تروع وتزعج وتضر الافراد وتعتبر معظم هذه الانشطة من الجرائم التي لا تسفر عنها ضحايا او تحمل مفاهيم الخطر او السلوك الخطير الذي قد يؤثر على الاشخاص المتواجدين بالقرب من الحادث. اما النوع الثالث فهو جرائم جديدة حيث ظهرت نوعية جديدة من الجرائم برزت بقوة على السطح خلال السنوات الاخيرة, وارتبطت بشكل خاص بالجريمة المنظمة, وتجارة المخدرات, وغسيل الاموال وجرائم الكمبيوتر والجرائم التي ترتكب بحق البيئة. اننا نعيش في عالم التغير السريع والذي لا يمكن سبر اغواره في بعض الاحيان ومن السخافة ان اذكر لكم التطورات التكنولوجية التي غيرت مجرى حياتنا وغيرت الانشطة الاجرامية, غير انه من الواضح ان قدرتنا على التعامل مع التغير الاجتماعي تراجعت كثيرا امام قدرتنا على التعامل مع التغير التكنولوجي. ان التنبؤ بجرائم المستقبل والتعامل معها ليس بالامر السهل, فمنذ زمن ليس ببعيد لم نكن نتخيل وجود جرائم مثل الاحتيال ببطاقات الائتمان او الاحتيال في رواتب التقاعد او قرصنة الكمبيوتر.. الخ كما لم يكن لدينا طيف شبحي يخبرنا عن التوقعات الجينية قبل الولادة بأن شخصا ما قد يتميز بسلوك عنيف عندما يكبر, بيد ان العولمة, واستمرار حركة المنتجات والاموال والاشخاص والحيوانات والنباتات والمعلومات, هي التي ستخضعنا للاختبار حقا وكل ما نعرفه هو انه مهما توقعنا المستقبل فإنه لن يكون استمرارا للماضي. هناك مقولة قديمة تقول ان التاريخي يعيد نفسه ولكن الحقيقة هي ان المؤرخين هم الذين يعيد كل واحد منهم الآخر. لقد اثر التغير الجديد والسريع للافراد والمعلومات والاموال والسلع والخدمات والافكار بصورة واضحة على المجتمعات في جميع انحاء العالم, ومن آثار ذلك تغير الجريمة والسلوك الاجرامي والهدف من هذا هو دراسة الجريمة كظاهرة متغيرة. يتناول هذا البحث بعض العوامل الحالية والمستقبلية التي قد تؤثر على المحيط الاجتماعي الذي ترتكب فيه الاعمال الاجرامية, كما يناقش بشكل موسع انماط الفرص الجديدة لارتكاب الجريمة الى جانب بعض العوامل العرضية التي تساهم في ارتكاب الجريمة. المحيط الاجرامي وأولى العوامل التي يمكن ان تحدث تغييرا على طبيعة الجريمة هي الاصلاحات الاقتصادية والتغيرات التي قد تنجم عن هذه الاصلاحات في الهيكل التنظيمي لكل من القطاعين العام والخاص فالقطاع العام يميل الى التقلص في الحجم وقد اصبحت معظم وظائفه, بعيدة عن الهدف الاساسي الذي وضعت من اجله, او بطريقة اخرى تحولت الى مؤسسات غير حكومية. وقد تنطوي مثل هذه الاجراءات على انخفاض في عمليات المراقبة وعدم الانضباط الذي بدوره يمكن ان يهيىء فرصا جديدة لارتكاب الجرائم وخاصة الاحتيال. كما ان مثل هذه التصاغر في الحجم يعني وجود عدد كبير من الموظفين السابقين الذين قد يشعرون بالاستياء حيث ان مثل هؤلاء الموظفين وخاصة اولئك الذين لديهم معرفة وامكانية تتعلق بتكنولوجيا المعلومات يكونون في وضع يسمح لهم بالحاق اضرار كبيرة او التكسب من خلال بيع المعلومات بأرخص الاسعار, ولا ينطبق هذا الامر على خدمات القطاع العام فحسب, بل انه يشمل مؤسسات الاتصال اللاسلكي وتكنولوجيا المعلومات في القطاع الخاص ايضا, فعندما تتوسع هذه الشركات او تتقلص في حجمها, يؤدي صرف عدد من الاشخاص من ذوي المهارات المطلوبة للدخول في الحروب الالكترونية الى اخطار كبيرة وهناك الكثير من امثلة العنف الناتج عن الانتقام ليس في مجال الحرب الالكترونية فحسب فعمليات القتل التي وقعت مؤخرا في هاواي والولايات المتحدة كانت بسبب اعمال انتقامية قام بها موظفون سابقون وادت الى نتائج مأساوية. كما ان الاتجاه نحو مجتمع بلا أوراق نقدية يبشر بتغييرات ممكنة في مجال طبيعة الجريمة وفرص ارتكابها وطرق مكافحتها حيث ان ظهور ما يسمى بـ (البطاقات الذكية) يشجع بلا شك محاولات التزوير في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات الاحتيال بواسطة بطاقات الائتمان والحوالات المالية, وفي الواقع يشكل ازدياد حجم الصفقات المالية وسرعتها بواسطة اجهزة الكمبيوتر تحديا واضحا في عمليات التحقيق في بعض الجرائم مثل غسيل الاموال والتهرب من الضرائب. ويركز الكثير من كتاب الجريمة هذه الأيام على فكرة طلاب السنة الاولى في الجامعة التي يبدو بأنها اصبحت وظيفة هياكلنا الاجتماعية المتغيرة فهؤلاء الاشخاص وعيهم محدود, كما ان فرص حصولهم على الوظائف قليلة, وهم في الغالب يتورطون في ارتكاب الجرائم كجزء من نمط الحياة الذي يتضمن نبذ المبادىء والقواعد الاجتماعية. من جهة اخرى فإن العولمة الاقتصادية هي التي تقود عملية تنظيم الاقتصاد حيث ان هذا الامر يخلق عناصر رابحة واخرى خاسرة وهو بدوره له اثر عميق على اتجاهات الجريمة والعدالة وعلى العلاقات الاجتماعية بشكلها الموسع. وقال الباحث ان الرابحين هم اولئك الذين يمتلكون مهارات قابلة للتكيف وقابلة للتحويل ومطلوبة عالميا, هؤلاء الرابحون سوف يعيشون في رخاء وسيركبون امواج الازدهار والاخفاق الديموجرافي والاقتصادي اما الخاسرون فهم اولئك الاشخاص ضحايا التغيرات التركيبية (المنعزلون) اجتماعيا وديمجرافيا, الشباب الذين لا يمتلكون اية مهارات ومتعاطو المخدرات وكبار السن الذين يجدون التكنولوجيا الجديدة امرا محيرا. سيكون من بين ابرز الخاسرين مجموعة من الشباب الذكور الناقمين والعاطلين عن العمل والذين قد لا يعثرون على عمل نهائيا, اولئك الذين يعيشون ليومهم فقط دون التطلع الى المستقبل ويسعى افراد هذه الفئة الى نيل الرضا متى وكيفما استطاعوا الحصول عليه, ولا يعرف المجتمع كيف يتعامل مع هذه الفئة من الشباب.. وهناك تحديات كبيرة يواجهها المختصون في جهاز العدالة الجنائية تتعلق بتطوير وتطبيق الاستراتيجيات للتعامل مع هؤلاء الشباب. واضاف الباحث ان المخدرات وتعاطيها يعدان كذلك جانبا متناميا في حياة العديد من افراد المجتمع والواضح انه كلما تزايدت الضغوط المصاحبة للتغير السريع في المجتمع فإن الكثير ينجذبون نحو الراحة والسلوى التي يعتقدون بأنها قد تتوفر في تعاطي المواد المخدرة وهذا الامر بدوره سيخلق المزيد من الطلب والاسواق لبيع وتصنيع المخدرات. التكنولوجيا والبيئة المتغيرة لقد عمل التقدم التكنولوجي على تغيير طبيعة الجريمة وطرق مكافحتها اكثر من اي تطور آخر خلال القرن العشرين حيث اصبحت عمليات الاحتيال وتبادل الصور الخليعة عبر شبكة الانترنت التي لم تكن معروفة حتى وقت قريب, تشكل مأزقا حقيقيا بالنسبة لمؤسسات مكافحة الجريمة. ومن ابرز التطورات التكنولوجية تلك التي تتصل مباشرة بأجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال اللاسلكي, وليست مصادفة ان يكون هذان العنصران من اسهل العناصر التكنولوجية التي يمكن الوصول اليهما من قبل الاشخاص العاديين فقد تم بالفعل استخدام اجهزة الكمبيوتر الشخصية لارتكاب جرائم الاحتيال, والتلاعب بالبيانات مثل التزوير وقرصنة برامج الكمبيوتر. وقد اتاحت التكنولوجيا الفرصة امام المجرمين للقيام بأنشطتهم الاجرامية مع تقليل فرص اكتشاف امرهم. تغيير اساليب مواجهة الجريمة هناك تحديات كثيرة تفرضها التكنولوجيا على ادارات مكافحة الجريمة وعلى افراد هذه الادارات, كما ان التحدي اصبح عالميا مع وجود المحتويات والمواد التي تنشأ عن او تخرج من اي مكان في العالم. ومن التحديات التي تواجهها ادارات مكافحة الجريمة في الوقت الحاضر شبكة الانترنت وآليات التنسيق والتعاون بين الادارات وهو امر حيوي جدا بالنسبة لمسألة وضع سياسة خاصة بهذه الشبكة المتنوعة كما ان مسألة المهارات والتدريب الخاصة بالتحقيق في هذا المجال يعد تحديا آخر, فحتى الشرطة وادارات مكافحة الجريمة الاخرى غير قادرة على منافسة العروض المربحة التي تقدمها شركات القطاع الخاص عندما يتعلق الامر باكتساب الخبرة والمعرفة اللتين تتطلبهما مسألة الامن والحماية, وتعتبر عملية التحقيق عبر شبكة الانترنت مكلفة للغاية وتحتاج الى موارد بشرية كثيرة فيما يتعلق بمسألة الموظفين. لقد اصبحت التطورات التكنولوجية المتعلقة بعمليات المراقبة والكشف اكثر انتشارا واكثر تيسيرا, ومن امثلة هذه التطورات اجهزة الانذار الخاصة بالسيارة والمنزل واجهزة الانذار الخاصة بالسلامة الشخصية ورغم ان هذه التقنيات تعتبر وسائل للوقاية من الجريمة إلا انها تؤثر على نوع وطبيعة العمل الشرطي واساليب المواجهة التي تتبعها الشرطة وقد تم توكيل مهمة الاستجابة المبدئية لاجهزة الانذار الخ.. الى المؤسسات الامنية الامر الذي يعني تكريس الشرطة لمهمة التحقيق في الجرائم. وتلعب التكنولوجيا دورا كبيرا في مساعدة رجال الشرطة على تطوير طرق جديدة للقبض على المجرمين الخطرين دون اللجوء الى استخدام قوة مميتة ومن احدث الامثلة لمثل هذه الطرق انتاج بخاخ الفلفل الخاص برجال الشرطة, وهناك وسائل اخرى تستخدم الصوت والضوء والكهرباء والمواد الكيماوية وكلها اقتراحات جديدة تهدف الى جعل تقنيات مكافحة الجريمة اكثر فعالية واكثر امانا بالنسبة لكل المعنيين. كما يجري الآن تطوير طرق اخرى للتقليل من المخاطر التي يتعرض لها كل من المجرمين, ورجال الشرطة والاشخاص المتواجدين بالقرب من الحادث خلال عمليات الشرطة مثل مطاردات السيارات السريعة وتتضمن احدى الطرق التي يجري تطويرها ارسال ذبذبات الكترومغناطيسية قصيرة تقوم بتعطيل الاجزاء الالكترونية في جهاز التشغيل بالمركبة فيؤدي الى توقف محركها عن العمل, وهناك جهاز آخر هو عبارة عن قذيفة صغيرة لاصقة تحتوي على جهاز ارسال ذبذبات يمكن من خلاله التعرف على موقع المركبة ويمكن التصور بأن هذا الجهاز يتيح الفرصة امام رجال الشرطة للتراجع من الموقف في الوقت الذي تستمر فيه عملية تعقب المجرمين ويأمل القائمون على تطوير هذه التكنولوجيا ان تمنع وقوع الحوادث حيث يتسبب المجرمون احيانا في وقوع حوادث التصادم والحاق الاصابات بأنفسهم وبغيرهم. المخاطر الجديدة للتكنولوجيا رغم قدرة التكنولوجيا على اجراء تغييرات كبيرة على طرق مكافحة الجريمة فإن هناك احتمالا آخر باستخدام التكنولوجيات الجديدة بطريقة غير قانونية او استخدامها في ارتكاب انشطة غير قانونية. ومن الامثلة الحديثة للاستخدام غير الملائم للتكنولوجيا استغلال تكنولوجيا المراقبة بهدف التلصص على الآخرين بالاضافة الى ان بعض تكنولوجيا الاعتقال يتم استخدامها لمعاقبة وتعذيب الاشخاص بدلا من استخدامها لاغراضها الاصلية التي تتضمن تعجيز الاشخاص بطريقة انسانية.