بعد ثلاثة أيام بالتحديد أي في الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 6/6/2000 تبدأ امتحانات الشهادة الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي, والدبلومات الفنية, لتستمر حتى 20/6 للقسم الأدبي و 22/6 للقسم العلمي والفني. لكي أطمئن أولادي الأعزاء أقول: ان الامتحانات تبدأ يوم الثلاثاء المقبل, أما رحلتكم مع الدراسة والمراجعة فقد بدأت منذ سبتمبر من العام الماضي. وقد مررتم طوال هذه المدة بالعديد من الاختبارات الشفهية والتحريرية, وتخلل العام الدراسي بفصليه العديد من التقويمات التمهيدية والتشخيصية والتكوينية والنهائية. إذن لم يعد هناك غريب عليكم في المسميات, لأنها كانت لو سميت الامتحانات العامة فإنها سوف تصاغ على غرار الاختبارات التي كانت تجريها المدارس في نهاية كل فصل دراسي من كل عام. ان الفارق بينهما ان تلك الأسئلة توضع من خلال المدرسين, وأسئلة الشهادات توضع من خلال الموجهين الذين كانوا يوما ما مدرسين أيضا, ومازالوا على صلة بالميدان, حيث انهم يوجهون المدرسين, ويقومون أساليب تدريسهم. ان الأسئلة اينما وجدت في صفوف النقل أو في الشهادات العامة توضح من خلال تسعة معايير: 1ـ دراسة أهداف المنهج ومحتواه من قبل واضعيها. 2ـ شمولية الأسئلة وتوزيعها على أجزاء المنهج. 3ـ تنويعها لتعيين مستويات التفكير المختلفة لدى الطلاب. 4ـ تمثيل المستويات المختلفة للطلاب. 5ـ التدرج في مستوى الأسئلة. 6ـ وضوح العبارات. 7ـ ربط الأسئلة بالحياة. 8ـ مناسبتها للزمن المحدد للاجابة. 9ـ تجنب الأسئلة المركبة التي تؤدي إلى بناء مجهول على مجهول. ـ إذن فإن الأسئلة لا تخضع للذاتية لأنها مقننة بأطر فنية, وذات مواصفات دقيقة, بل أكثر من ذلك فإنها يراعى فيها ان تعطى نسبة منها للتذكر, ونسبة للفهم, ونسبة للتطبيق, ونسبة للمهارات العقلية العليا. ـ ويعني هذا ان حاجة الطالب ليست إلى الحفظ فحسب, بل الفهم وحل المسائل والمهارات العقلية الدقيقة التي تميزه أحيانا عن غيره, وهذا يدعونا إلى ان نطمئن الطلاب أيضا بان النتائج على قدر المجهود الذي يبذله الطالب في حل الأسئلة يوم الامتحان. ـ فبعض الطلاب يتسلم الأسئلة, فيجيب عن الأسئلة التي يحفظ اجابتها, وبعضهم يجيب عن الأسئلة التي يحفظ اجابتها والتي يفهم اجابتها. وبعضهم يضيف إلى السابقتين بأنه يتعب نفسه فيحل كل الأسئلة بترو وتأن ويكمل الاجابة, ولا يخرج إلا عند انتهاء الفترة الزمنية كلها وليس بعد منتصف الوقت. وبعض الطلاب يضيف إلى الثلاثة السابقة بأنه يتذكر ما كان يقوله أستاذه أثناء الشرح, وفهمه من خلال مواظبته على حضور المختبرات, وما هو مكتوب في هوامش الصفحات, اضافة إلى ما اكتسبه من معلومات وفهم من خلال قراءاته الحرة حول المناهج الدراسية. ـ هذا الصنف الأخير من الطلاب لا يريدون نجاحا فحسب بل نجاحا وتفوقا وتميزا, لذلك فإنهم لا يفرطون في أي جزء من أجزاء الدرجة. ـ لاشك ان جميع الطلاب في البداية يتمنون التفوق لكن التفوق لا يريدهم جميعهم, وبالتالي فإن التفوق جوهرة عصماء في قلادة تتزين بها رقبة الحسناء, لا يحصل عليها إلا الخاطب الذي يدفع أغلى المهور. ان النجاح قد يحصل عليه المجد والكسول معا في نهاية العام, إذ ربما نشط الكسول في نهاية العام فلحق بالمجد. أما التفوق فهو ثمن بذل وفداء وتضحية وسهر, لن يناله إلا المجاهد الذي لم تنم عينه طول العام. لذلك لا تستغربوا إذا نجح جميعهم, ورب نجاح طالب أضر به من رسوبه, فالحاصل على نسبة 40% مثلا أو حتى 60% يقول ليتني لم أنجح وبقيت معيدا في صفي, لأن هذه النسبة لا تؤهله لدخول أي كلية اليوم. بل أكثر من ذلك فإن في التخصصات العلمية حتى لو حصل الطالب على 90% فإنه لن يحصل على مقعد في جامعة بلده, لأن التنافس شديد على 97% فماذا يفعل هو بالمعدل 90%. من هنا أقول: ان نظرتنا إلى الامتحان يجب أن تتغير, والنجاح ليس معيارا للفهم, لكن الناجح في المهارات العقلية العليا هو الذي يعد نجاحا عمليا لأنه تجاوز مرحلة الحفظ الببغاوي, أو الفهم البسيط الذي يحققه جميع الطلبة تقريبا. ان حلبة التنافس اليوم هي 5 أو 10 أو 15% التي تخصص للمهارات العقلية العليا, فليطمح طلابنا للوصول إلى تلك الدرجة إذن, لا ان يكتفوا بالنجاح فحسب. والذي يريد التفوق لا يتأفف إذا وضع في بعض الأسئلة جزئيات تختبر ذكاءه, لأنه يريد التميز ولكي يتميز يجب ان يصبر على حرارة تلك الجزئيات لأنها فلفل الورقة, والفلفل بهار يطيب الطعام, وان لم يصبر على ذلك فله النجاح فحسب. نعم ان مجرد النجاح قد ينقذ رقبته من حرمانه من سفر الصيف مع العائلة إلى بلاد الله الباردة, لكنه يحمل ولي أمره تبعات ما بعد العودة من السفر, أي عندما يريد ان يلحق ابنه بكلية من الكليات. عندئذ يضرب والده يمينا ويسارا بحثا عن شفيع يشفع له بقبول ولده. ربما يحصل بعد طول المحاولة على ما يريد, لكن مع ذلك فإن الطالب نفسه يظل غير مقتنع بالتخصص الذي يدرسه, أو انه يقبل في كلية ما, لكنه ضعيف لا يستطيع مسايرة متطلباتها, لأن الضعيف يبقى ضعيفا, حتى لو غيروا اسمه واسموه قويا, فالطبع يغلب التطبع. على كل فإن أملي فيكم كبير, والفرصة مازالت متاحة أمامكم للرجوع إلى تلخيصاتكم التي كنتم قد أعددتموها أثناء العام الدراسي, فقليل من التأني والتروي عند الاجابة عن الأسئلة يرفع من نسبة النجاح والتفوق. فلا تكونوا من أولئك الذين إذا تسلموا ورقة الاسئلة بدأوا بالسؤال الأول من غير التفات إلى الأسهل فيها, فضيعوا جل الوقت مع أصعب سؤال, ثم اشتكوا بأن الأسئلة كانت صعبة, والوقت غير كاف. ولا كونوا أيضا من الذين إذا تسلموا الورقة أجابوا بما يحفظون من غير انتظار لعل القريحة تذكرهم ببعض الاجابات التي قد تختفي بعضا من الوقت لكن مع تغير الجلسة أو مع تنفس عميق, أو مع ترداد أدعية من أدعية الرسول صلى عليه وسلم مثل (بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) تعود إلى الاسترسال. نعم ولا تكونوا من الذين يكتبون أكثر من اجابة ثم يشطبون احداها ظنا منهم بأنها خطأ والأخرى هي الصواب, والصحيح ان تبقى الاجابتان من غير شطب, حتى يتمكن مقدر الدرجات من اختيار الأصلح لك, وإلا فإنه سوف يعتمد غير المشطوب حتى لو كان خطأ, ويلغي المشطوب حتى لو كان صحيحا. ولا تكونوا أيضا من الذين إذا خرجوا فتحوا الكتاب ليعلموا هل أجابوا اجابة صحيحة أم لا, لأن هذا الأسلوب قد يربككم في مذاكرتكم للمواد المقبلة, وذلك لو تبين ان اجابتكم عن المادة السابقة لم تكن صحيحة. إذن فاتبعوا الأسلوب الأمثل في الاجابة عن الأسئلة يوم الامتحان, واتبعوا الأسلوب الأفضل للمذاكرة قبل الامتحان, إذ ان الكثيرين يحرمون انفسهم من الطعام والشراب والنوم ظنا بأنهم يحسنون صنعا, والحال انهم وقت المذاكرة يحتاجون إلى المكان المناسب والزمان المناسب والاهتمام بالجانب الصحي والنفسي, واعطاء فرصة للجسم ان يرتاح. والأهم من ذلك الانتهاء من مذاكرة كل المواد قبل الامتحان من خلال جدول يوزع المواد الصعبة والسهلة بشكل دقيق. أما أثناء الامتحانات فيفترض ان يكون الرجوع إلى التلخيصات وقراءة العناوين الكبيرة هو الكافي. نعم وبئست العادة ما رأيناها لدى بعض الطلاب حيث انهم يرهقون أنفسهم ليلة الامتحان بالمذاكرة والسهر, وإذا قاموا صباح يوم الامتحان قاموا كسالى لا يهتدون إلى باب لجنة الامتحان. والأشنع من ذلك ان يتأخر عن الامتحان بحجة ان النوم غلبه, أو لم يجد وسيلة نقل توصله, أو انه قام يوم الامتحان يبحث عن مقر لجنته, فصار يتنقل من منطقة إلى منطقة للتعرف على لجنته, وكان الواجب ان يتعرف إليه من ان تسلم رقم جلوسه. نقول لكل هؤلاء الذين اتبعوا الأسلوب الخاطئ في المذاكرة وأداء الامتحان: سار الرفاق وخلفوك مع الألى قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني ورأت أكثر من ترى متخلفا فتبعتهم ورضيت بالحرمان فلسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا امكان اسأل الله ان يجعل النجاح حليف أبنائي وبناتي الذين يتقدمون للشهادات العامة وهم 23191 طالبا وطالبة, يتقدمون للامتحان من خلال 140 لجنة. د. عارف الشيخ