رأيتهم يتحدثون عن مشروع التعليم الثانوي المطور الذي طرحته وزارة التربية في الاسبوع الماضي. ورأيتهم قد اكثروا حوله الجدال, وكأنه ابن يومه, لا انه مشروع قد اعد واعيد اعداده اكثر من مرة اي منذ عام 1993. هذا المشروع الذي يأتي ضمن سلسلة مشاريع تربوية قررت الوزارة طرحها ومن ثم اقرارها تنفيذا للرؤية 2020, اعتقد ان له جانبان: الجانب الاول انه جزء من ذلك الكل, وبالتالي فإن الحكم عليه جزء من الحكم على الكل. والجانب الآخر انه ليس بجديد بل مشروع معد منذ سنوات لكن في كل مرة يؤجل طرحه واقراره, وقد آن الأوان ان يطرح للمناقشة من جديد. في الواقع انني لست مع ولا ضد لاني لي رؤيتي واستقلاليتي في اصدار الحكم على ما يطرح. لذلك فإن موقفي من هذا المشروع نابع من قناعة المجتمع بضرورة التجديد في نظام التعليم الثانوي. وقد بات من المسلم الآن ان التجديد الذي ينتظره المجتمع ليس تجديد غلاف الكتاب المدرسي, ولا تبديل نص ادبي بنص ادبي آخر, ولا سورة بسورة اخرى. لانه لو كان ذلك هو المطلوب لتحقق المطلوب خلال العقود الثلاثة الماضية. اعتقد اننا كلنا شهود منذ 1971 الى يومنا هذا, على ما تم اعداده في اروقة ادارة المناهج, وتم تنفيذه في ردهات ادارة التعليم العام او التعليم الابتدائي, وادارة التعليم الاعدادي والثانوي. منذ ان كانت مناهجنا تأتي من الكويت والى ان صدرت المناهج الوطنية التي مازالت بين ايدي الطلاب فلم نر حولها غير الوجوه العابسة التي تقف منها موقف الذي يقول: (الصغيرة فيها شوك, والطويلة ما تنرقى) . فمرة يعترضون على حجمها, ومرة يعترضون على مواضيعها ومرة اخرى يعترضون على بداية التشعيب ونهايته. والحقيقة ان ذلك الاختلاف ما هو إلا من قبيل اختلاف بني اسرائيل قديما على ذبح البقرة, او موقف من يقول: الصاحي لا تكسره, والمكسور لا تأكله, كل الى ان تشبع, وموقف الوزارة المسكينة منهم موقف جحا وابنه والحمار من الناس. حيث ان الناس سامحهم الله من الصعب ان ننال رضاهم وقد اختلفوا على الرسول فكيف لا يختلفون على الوزارة وصدق الشاعر اذ يقول: يتمنى المرء في الصيف الشتا واذا جاء الشتا انكره لا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الانسان ما اكفره انني في الواقع كنت افكر بتفكيرهم, فعندما اجد طالبا راسبا, واهله يبكون ويشتكون من طول المنهج كنت ابكي معهم واقول: الطالب مسكين, والوزارة ظالمة له, اذ كيف يدرس هذ الكم من المنهج, وهو وقته لا يتسع لكل هذه المواد؟ وكنت اقول ايضا: يجب ان لا نجبر الولد على دخول العلمي او الادبي بل نترك له الخيار, ليختار ما يناسب قدراته. كنت افكر هذا في بداية عملي, واستمر بي التفكير هذا فيما بعد لفترة زمنية اخرى, والآن وبعد ثلاث وعشرين سنة قضيتها في التربية ادركت ان المسألة ليست مسألة قدرات, بل استغلال الطلاب طول صبرنا عليهم, وطول صبر الدولة علينا نحن رجال التربية. انظر الى اولياء الامور حفظهم الله, لقد الهتنا امهاتهم الفاضلات بقولهن: (حليله الولد كم يحفظ كم يدرس, كم يذاكر ماشي وقت عنده) . ثم انظر الى الطلاب الاعزاء, لقد دخل جميعهم القسم الادبي والذي دخل العلمي تحت اجبار والديه رسب ثم تحول الى القسم الادبي. ما رسب لانه غير قادر ولكنه رسب لانه مدلع فهو لا يسمع (غير ما يقدر, او وايد عليه) ولم يسمع مرة (حاول او هو سهل) . كراهية الطلاب للقسم العلمي مازالت متمكنة من نفوس الطلاب وتعاطف اولياء الامور مع اولادهم بأنهم (حليلهم) ما يقدرون مازال مستمرا. ادى هذا الشعور من اؤلياء الامور الى خلق شعور سلبي لدى الطلاب ايضا, فصاروا يتوجسون خيفة من القسم العلمي, لا لشيء بل لمجرد دلع نحن اصطنعناه. ألا ترى اننا في حين ان الدولة محتاجة الى التخصصات العملية نقف وننادي بأن الطالب حر في اختيار التخصص الذي يريده والتخصص حق من حقوقه التي لا يجوز لاحد ان يحرمه منه. نعم هذا القول يصح لو كان الطالب يحسن الاختيار, او انه منصف وعادل في اختياره. اما انه يتهرب من الصعب الى السهل وولي أمره يقف ويناضل من اجل الدفاع عنه, وكأنه وقع ظلم عليه فإن المسألة تحتاج الى اعادة النظر, لانه كان من الجائز ان نقول هذا عندما كان عدد طلابنا 70 ألفا لا اليوم حيث يزيد عدد الطلاب على نصف مليون, وعدد مدارسنا الذي كان يبلغ 32 مدرسة لا اليوم حيث يبلغ 728 مدرسة حكومية. وكانت مؤسسات الدولة تدار من خلال كتبة يتفنون في تحرير دواوين الحكومة من خلال الخطوط اليدوية. اما وقد اصبحت التربية والتعليم مسألة مرتبطة باقتصاد الدولة وتنمية جوانبها المتعددة والدولة تدار بوساطة الحواسيب والانترنت وما يدرس في بلدان العالم يدرس ضمن مناهجنا, فلم يعد المجال متروكا للطالب الكسول ولا لوالديه, لانه كما قيل, ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب. اذن فإن المسألة اكبر من ان اقول: حليله ما يقدر على المواد العلمية والادبية معا, لان الحياة العصرية التي يعيشها الطالب اصبحت مزيجا من العلم والفكر والادب, فلو تركنا الميدان كما هو فإن الميدان لن يتركنا لانه يتأثر بمن حوله وما حوله. فحافظ القرآن اليوم يستخدم جهاز الحاسوب في حفظه واستذكاره, ولقد ودع المعجم المفهرس الذي الفه العالم الفاضل محمد فؤاد عبدالباقي قبل عدة سنوات في مجلد فخم, لأنه الآن يستعرض الآيات من خلال قرص صغير. والشاعر لم يعد يحمل دواوين العرب على ظهر البعير في 18 صندوقا كما كان يفعل الاصمعي, ولكن يحفظها في قرص صغير يضعه في جيبه. والطلبة لا يتلقون دروسهم في المساجد, بل في رحاب الجامعات التي تدرسهم باللغة الاجنبية شاءوا ام ابوا في داخل الدولة او خارجها. واتصالات دولتنا بالدول الاخرى لا تتم من خلال بروة مكتوبة بل من خلال تقارير ودراسات ومحاضر احصاءات بالغة التعقيد وباللغة الاجنبية. هل يا ترى في ظل هذا الجو الذي نعيشه يبقى مجال للدلع والكسل والهروب من الواقع؟ انني جلست في يوم من الايام انظر في الشارع العام الذي بجانب الوزارة وأتأمل في السيارات التي تمر وعمال الطرق, والكهربائي المعلق في عمود الكهرباء وهو يركب اللمبات. جلست انظر اليهم وأقول: من هم هؤلاء الذين يقودون كل هذه السيارات؟ ومن هم هؤلاء العمال؟ انهم كلهم وافدون من خارج الدولة, وليس بينهم إلا ..% مواطن فحسب. يا ترى لماذا ترك هؤلاء بلادهم وجاءوا الينا؟ نعم انهم جاءوا بطلب منا ليسهموا في تعمير بلادنا. ولكنني اتساءل, لماذا لا نشتغل نحن مكانهم؟ اليس البلد بلدنا؟ عندئذ اجيب نفسي فأقول ولكن الحاجة اكبر من الكفايات الوطنية الموجودة. اعود فأقول: وهل الكفاية الوطنية الموجودة فعلا تقوم بجزء من عمل هؤلاء ام انها تنفض يدها منها؟ ـ ذهبت استعرض الصناعيين كلهم, فلم اجد لا كهربائيا ولا مصلح مواسير, ولا ميكانيكيا ولا حلاقا, ولا صانع قرقور سمك, ولا استاذ بناء, ولا عامل بناء, ولا مترجما فنيا مواطنا. ـ قلت اذن, لماذا نشجع ابناءنا على دخول القسم الادبي؟ يا ترى ما موقفنا لو خرج هؤلاء من بلادنا؟ هل نخرج معهم؟ واذا بقينا فهل نصلح العطل الفني في هذه الاجهزة ببيت من الشعر؟ ـ اننا اليوم نسوق السيارة, ولا نعرف عنها شيئا حتى لو كانت شمعة محروقة. ونستخدم اجهزة الحواسيب ولا نعرف عنها الا وضع الورق فيها اذا نفد, ونسافر الى الخارج فنبحث عن المطاعم العربية, لاننا لو دخلنا المطاعم الاجنبية ربما اطعمنا لحم الخنزير ونحن لا نعلم, لاننا لانعرف القراءة ولا الحديث معهم الا (برنك ووتر). ـ هذا العرض المؤلم في الواقع ليس انتقاصا من احد, فانا اعلم ان فينا رجالا قد رفعوا شأن البلد عاليا, وهم يتقنون مخاطبة العالم وهم رجال المواقف, لكن كم عددهم, وهل يتنازلون ويعملوا في كل الميادين. كلا ـ اذن فان الدور دور اولادهم ان يتجهوا اتجاها علميا وفنيا ليملأوا هذا الفراغ الذي اوجدته مداهمة التكنولوجيا لبلادنا. ان اسرائيل اليوم لاتتحدى العالم بالعدد, ولكن بالعلم, سلوهم بالله عليكم لتعرفوا كم عدد طلاب القسم العلمي عندهم؟ ـ فلنعد انفسنا اذن لمواجهة عصر العلم الذي سوف يغزونا بشراسة ولا نردد ما كنا نقوله قبل ثلاثين سنة. ـ نعم لا اقول الغوا الادبي نهائيا ولكني اقول مثل ما اعطيتم الفرصة للادبي لكي يستولى على ثلاثة ارباع الطلاب اعطوا الفرصة للعلمي الآن. وانني اقول عن نفسي لا ادري كيف اعيش غدا في بلدي دبي, وقد اعلن حاكمها بانها مدينة الانترنت؟ وانا لا اجيد التعامل مع الحاسوب كما هو المطلوب. ـ اعتقد ان مشروع التربية الجديد وما تضمنه من خلط مواد علمية بادبية ما هو الا محاولة لاعداد جيل قادر على التكيف مع المستقبل المفروض علينا, لذا يجب ان يناقشه المجتمع بتمعن وفي النهاية له اصدار الحكم عليه ولكن بعيدا عن الذاتية ولا يقاس على ما سبق ايضا اذ لكل مقام مقال, وخير الكلام ما وافق الحال. ـ ثم ان التربية لا اعتقد انها تفرضه على الطلاب ابتداء من العام المقبل لان المناهج الموجودة الآن لاتخدم المشروع المطروح. كما ان كم المناهج في القسمين ثقيل جدا والمنطق السليم يقول: (اذا اردت ان تطاع فاطلب المستطاع) اي ان المنهج المنتظر يجب ان يكون مخففا ويكون كذلك, لانني سمعت اكثر من مرة من معالي الوزير بان الطالب عندما يتخرج يجب ان تكون عنده ثقافة عامة. ـ اذن فقليل من التروي في التطبيق حتى يعد المنهج المناسب, ثم قليل من التخفيف حتى يستسيغ الطالب الوضع الجديد. اما الحصص الاسبوعية فلم ترد في المشروع الجديد اكثر مما كان عليه الوضع سابقا, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ