هكذا الجندية يا اخي.. مهنة اخترناها بمحض ارادتنا.. نبنى فيها رجولتنا وندافع بها عن وطننا واهلنا, ونعود من خلالها انفسنا على الصبر وقوة التحمل, تلك عبارة قالها جنود اماراتيون من جنود الدفاع الجوى بقوة الامارات لحفظ السلام فى كوسوفو, وكعادة الصحافى الذى يبحث عن الخبر اينما كان توجهت بعثة وكالة انباء الامارات والاعلام العسكرى فى كوسوفو الى موقع عسكرى قيل لها انه على مرمى حجر من مدينة فوشترى الخاضعة لحماية قوة الامارات. لكن البعثة التى سارت عبر طرق جبلية وعرة وهى تصعد جبلا وتنزل واديا وتسير فى سفوح الهضاب ظلت اكثر من ساعة وهى تقطع مسافة لاتزيد عن خمسة كيلومترات لوعورة المنطقة التى يعسكر فيها اولئك الجنود الشباب الذين لبوا امر قائدهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رئيس الدولة القائد الاعلى للقوات المسلحة بالتوجه الى تلك البلاد لحماية شعب مضطهد ومبتلى بالحروب. هذه الكلمات التى قالها الجنود فى الموقع العسكرى فى قرية سلاتينا الصربية لم تجد البعثة خبرا مثلما كان فى خيالها لكنها وجدت قصة حقيقية لرجال يسطرون بثباتهم تاريخا عسكريا سيدون فى مؤلفات قواتهم المسلحة وسيكتب فى مذكرات كل جندى وطئت قدماه هذه الارض البعيدة عن وطنه ليسأل نفسه فيما بعد عن الهدف الذى حققه من تلك المهمة التى اداها فى زمن ما, وستظل تلك المهمة محطة ذكرى طيبة فى حياته لان يديه امتدت خلالها لتقدم حقيبة مدرسية لطفل فقد ابويه فى حرب لاترحم الصغير قبل الكبير اوغطاء لاسرة ترتجف من برد الشتاء القارس فى تلال هذه البلاد الثلجية اواعمار منزل يؤوي تلك الاسرة التى وجدت نفسها فى العراء فجأة فى غفلة من الزمن. المفارقة التى لفتت نظر بعثة الوكالة والاعلام العسكرى ذلك الموقع الذى يعيش فيه جنود الدفاع الجوى وهو عبارة عن منزل متهاو مهجور كأنه من منازل العصور الوسطى .. وبالمقابل تلك البيوت الفارهة التى يملكها بعض من اولئك الجنود فى وطنهم .. هذه المفارقة تحتاج الى وقفة تاريخية لترد على اولئك الذين يتهمون جنودنا بانهم ابناء جيش مدلل. ولسنا هنا فى مجال الدفاع او نفي الاتهامات التى ترمى جزافا من هنا او هناك .. لكن المفارقة نفسها والمشهد الذى رأيناه بام اعيننا هما الرد الابلغ تأثيرا على كل اتهام وحجة بالغة لكل كاتب او قارىء متأن يخشى الله ويراعى ضميره عند تقييم الامور .. وحتى لاتضيع مهمتنا فى المقدمة بادرنا اولئك الجنود الذين كان بعضهم متحفزا فى موقعه واخرون يقطعون الاخشاب لايقاد النيران لطهى طعامهم والبعض الاخر يتوضأ استعدادا للصلاة ماذا تفعلون هنا .. ولماذا جئتم الى هذا الموقع الذى يتوسط طرفين عدوين لدودين .. الالبان والصرب. اجاب الملازم ثانى حمد مصبح الخاطرى قائد فصيلة الدفاع الجوى فى ذلك الموقع الوعر جئنا الى هنا لنوفر الحماية لهذين الطرفين اللذين ذكرتهما ونمنع اعتداء اى طرف على الاخر واذا حدث ان اطلق احدهم النار على الاخر نتدخل فورا ونوقف الاشتباكات ونطلب الشرطة الدولية لنداهم معا بيوت المعتدين ونصادر اسلحتهم وذخائرهم ونعتقلهم لنسلمهم الى الشرطة التى تتولى امرهم. ومضى الملازم الخاطرى يقول .. فى كثير من الحالات ندخل وننجح بحمد الله فيها للثقة التى نتمتع فيها منهم .. فنحن جنود سلام وليس لنا هدف سوى نشر الامن والطمأنينة بين هولاء السكان الذين عاشوا عشرات السنين فى حروب وعداء مستحكم فى نفوسهم ونحاول بكل ما اوتينا من حكمة وموعظة حسنة ان نشرح لهم بان الحروب لاتجر سوى الخراب والدمار والاحقاد وان السلام يولد الحب والمودة .. فمنهم من يستجيب ومنهم مازال على الطريق والقليل منهم متعصبون ولايزالون يرفضون هذه الافكار ولكننا سنستمر على هذا النهج الذى ربتنا عليه قيادتنا الرشيدة ولانه الوحيد الذى يؤتى ثماره ولو بعد حين. واضاف قائد فصيلة الدفاع الجوى قائلا ( انظر الى سكان هذه البيوت .. وكان يشير الى الغرب من الموقع .. انهم من الصرب واولئك السكان من جهة الشرق هم من الالبان وكل واحد منهم يتربص بالاخر شرا) . وعما اذا كان جنود الدفاع الجوى يتعرضون لاى اذى كونهم يقعون فى وسط النيران قال الملازم الخاطرى .. فى بعض الاحيان يطلق احد الاطراف النار فى الهواء للتخويف ويرد عليه الطرف الاخر فيسقط بعضها فى جهة موقعنا لكننا لسنا مستهدفين ومع ذلك نحن متأهبون ونرد الصاع صاعين وعندما تسقط بعض الرصاصات باتجاهنا نستنفر ونسكت مصادر النيران على الفور .. وفى الصباح يأتى الطرفان الينا ويعتذرون عما بدر منهم ويؤكدون لنا انهم لايقصدوننا ابدا .. ونحن نعرف ذلك ولكن الاحتياط واجب. وقال قائد فصيلة الدفاع الجوى انهم يبررون افعالهم بالدفاع عن انفسهم ولارهاب كل طرف الطرف الاخر خشية ان يعتدى عليه مشيرا الى ان اكثر النيران تاتى من جانب الصرب الذين يحاولون لفت انتباه القوات المتواجدة فى المنطقة الى انهم مستهدفون من الاخرين ويدافعون عن انفسهم وبالتالى بحاجة الى الحماية. وتحدث الملازم ثانى حمد الخاطرى عن وحدة الدفاع الجوى التابعة لقوة الامارات لحفظ السلام فى كوسوفو فقال انها وحدة الاسناد الوحيدة المتواجدة فى القاطع الشمالى الفرنسى المتعدد الجنسيات ورغم انها لم تستخدم بعد لكن وجودها ضرورى (لان الجيوش لاتضع حساباتها او خططها وفقا للواقع ولكنها تعد عدتها وتؤمن جاهزيتها استعدادا لاى طارىء فى المستقبل) . وعن الخبرة المكتسبة من وجودهم فى الميدان قال اننا فى موقع معركة حقيقية نطبق ما تدربنا عليه فى ميادين التدريب العسكرى فى بلادنا وخلال التجربة نجحنا فى مهمتنا واكتسبنا ثقة السكان الذين نحرسهم بجميع اعراقهم وطوائفهم الامر الذى دفع القوات المتعددة الجنسيات فى القاطع الشمالى الفرنسى الى الاستعانة بقواتنا لتفرىق المظاهرات التى ينظمها الالبان والصرب وكذلك اقامة نقاط التفتيش فى المواقع الساخنة بين الجانبين مشيرا الى انه لايمكن تسيير قافلة مدنية لاى منهما الا بحراسة قواتنا . وذكر ان وجودنا فى مهمات امنية وانسانية خارج نطاق عملنا كرجال صواريخ الدفاع الجوى لم ينسنا مهمتنا الاساسية واسلحتنا ولذلك نواصل التدريب المستمر عليها فى الميدان ونتلقى الدروس النظرية والعملية عليها باستمرار. اما الوكيل راشد عامر السعدى مساعد قائد الفصيلة فقد قال ان وجودنا هنا ليس هدفه حفظ الامن فقط ولكن العامل الانسانى مهم عندنا ففى كل يوم نذهب الى بيوت السكان البانا او صربا ونقدم لهم المواد الغذائية والاغطية والحقائب المدرسية لاطفالهم كما نقوم بحراسة قوافلهم المدنية التى تنتقل من موقع الى اخر ويضطر كل طرف خلال رحلته الى المرور فى قرى واحياء الطرف الاخر بالاضافة الى اقامة نقاط الدورية والحراسة والتفتيش فى الطرق الرئيسية والجبلية وفى المنعطفات حتى نضمن عدم تهريب الاسلحة او حملها. وعندما سئل عما اذا كانت الاسلحة التى يصادرونها من السكان خفيفة او ثقيلة قال ان معظمها من الاسلحة الخفيفة مثل البنادق الرشاشة والمسدسات والمتفجرات كما تمت فى بعض الاحيان مصادرة مصانع يدوية للمتفجرات والذخائر يقيمونها داخل البيوت. ويقول الجندى اول احمد على المعمرى اننا هنا فى موقع حقيقى فى المعركة يختلف كليا عما تدربنا عليه فى بلادنا .. وهذا مكسب عظيم لنا نطبق ذلك عمليا رغم اننا لسنا اعداء لاحد ولسنا مستهدفين ايضا من اى طرف فنحن دعاة سلام وجنودنا ينشرون الامن والطمأنينة بين الجميع . ويضيف قائلا .. ان اشد ما يواجهنا هو طبيعة الجو القاسية هنا فالبرد شديد خاصة واننا نعسكر فى مواقع جبلية مرتفعة تزداد فيها البرودة عن الاماكن الاخرى لكننا بحمد الله تأقلمنا عليها واصبحت عادية بالنسبة لنا وقد تغلبنا على العمل فى المواقع الجبلية الوعرة ونقوم بمهمات امنية مثل قوات الكيفور الاخرى ومستعدون لاى احتمال فى المستقبل.