تبذل بلديات الدولة ومختبرات رقابة الأغذية بها جهودا كبيرة حاليا لاتخاذ القرار المناسب بشأن الأغذية والحبوب الزراعية التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية لدول العالم ومنها الامارات, بعد ان تقوم بانتاجها عن طريق الهندسة الوراثية التي تتمثل في نقل بعض الجينات إلى هذه الحبوب الزراعية بهدف زيادة الانتاج وتحسين نوعيته, وتكمن خطورة هذا الموضوع في انه مازال في بداياته حيث يجهل العالم مخاطر هذه الأغذية المحسنة ولاتستطيع أعتى المختبرات الرقابية في العالم التفريق ما بين الحبوب الزراعية الطبيعية وبين المحسنة جينيا, بل تزداد المخاطر حينما يكشف أحد المسئولين لـ (البيان) ان الأغذية المحسنة جينيا تعتمد على عملية نقل الجينات إلى النبات المراد تحسين انتاجيته, وهي العملية ذاتها التي أدى الخطأ فيها إلى جنون البقر, فهل نحن على أعتاب جنون البشر؟ ولتوضيح هذه القضية الخطيرة والهامة حرصت (البيان) على فتح ملفاتها مع عدد من المسئولين عن رقابة الأغذية بالدولة, من الذين شاركوا في ندوة حول هذا الموضوع, نظمها القسم الإعلامي والثقافي بالسفارة الأمريكية بأبوظبي ـ الأربعاء الماضي ـ عبر الأقمار الصناعية مع عدد من المسئولين بالولايات المتحدة الأمريكية وهم الدكتور جيمس مارينسكي منسق التقنية الحيوية بادارة الأغذية والأدوية بوزارة الزراعة الأمريكية, والدكتور اندورو بنسن مدير مجلس المعلومات الغذائية بوزارة الزراعة, والدكتورة برنس سلانسكي المسئولة بادارة الأغذية المحسنة جينيا بالولايات المتحدة, ومن أبوظبي شارك خالد محمد شريف العوضي رئيس قسم رقابة الأغذية بادارات الصحة العامة بدبي, والدكتور موسى علي أحمد المستشار ببلدية دبي, والدكتور عبدالله سليم أبو رويضة, مستشار الصحة العامة والبيئة بالأمانة العامة لبلديات الدولة, والدكتور صلاح الدين أحمد رئيس مختبر رقابة الأغذية والبيئة بالفجيرة, والدكتور متوكل محمد مدير الجودة بمركز رقابة الأغذية والبيئة بأبوظبي, والدكتور عبدالوهاب علي أحمد رئيس مختبر الأغذية ببلدية الشارقة والدكتور عماد علي أحمد رئيس مختبر الأغذية ببلدية عجمان. وفي بداية الندوة سأل الدكتور موسى علي أحمد عن كيفية تنفيذ العلماء الأمريكان لعملية تحسين الحبوب الزراعية جينيا باعتبارها عملية دقيقة وحساسة ومعقدة, وتسأل عن الضمانات التي تتوفر لديهم بمراكز الابحاث لضمان عدم حدوث أخطاء؟ وأجاب الدكتور جيمس مارينسكي قائلا بأن العملية فنية جدا وتحرص مراكز الأبحاث الأمريكية على توفير أقصى ضمانات النجاح لاتمامها. رقابة كما سأل الدكتور موسى حول وجود أية رقابة من منظمة التجارة العالمية أو منظمة الأغذية والزراعة العالمية أو منظمة الصحة على هذه التقنية الجديدة التي تنفذها حاليا الكثير من الهيئات ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية, وذلك للتأكد من سلامة اتمام عملية تحسين الأغذية الزراعية جينيا, فأجابت برنس سلانسكي قائلة بأن المنظمات العالمية لديها لجان لمراقبة هذه العملية في كثير من الدول التي تنفذ بها, فلجنة دستور الأغذية العالمية التابعة لمنظمة التغذية والزراعة العالمية ومنظمة التجارة العالمية وغيرها تقوم بذلك الدور الرقابي, إلا ان ذلك لا يمنع من ضرورة ان يكون هناك هيئات عالمية متخصصة في رقابة هذا النوع من التقنية, كما يجب على كل دولة ان يكون لديها هيئة رقابية تشرف على عملية تحسين الأغذية جينيا في الدول التي تستورد منها هذه الأغذية للتأكد من سلامة العملية وصلاحية الأغذية للبشر والحيوانات أيضا, قبل دخولها إلى دولهم. 50% أغذية محسنة أما خالد العوضي رئيس قسم رقابة الأغذية بدبي فسأل عن نسبة الأغذية المحسنة جينيا في المنتجات الأمريكية ومدى حرص الحكومة على وضع ملصقات على هذه المنتجات تبين للمستهلك انها محسنة, أجاب منسب التقنية الحيوية بادارة الأغذية الأمريكية قائلا: بأن نسبة الذرة الصفراء المحسنة تصل إلى 40% من جملة الانتاج الأمريكي من هذا النوع من الحبوب, و 50% من منتج الفول الصويا والقطن, أما من ناحية الملصقات فإن مراكز الأبحاث لا ترى أهمية كبيرة لذلك ولا تطالب الشركات المنتجة لهذا النوع من الحبوب بوضع ملصقات توضح ان كانت الحبوب محسنة جينيا أم لا. كما سأل الدكتور صلاح الدين أحمد رئيس مختبر رقابة الأغذية والبيئة في الفجيرة عن مدى تحذير العلماء من البروتينات الجديدة المتكونة من الريبوزومات في الأغذية المعدلة أو المحسنة جينيا ومدى تأثيرها على سلامة الأغذية وعلى المنتجات الحيوانية من لحوم وألبان وبيض والمعايير المتبعة لمواجهة أية مخاطر ناتجة عن ذلك, فأجاب الدكتور جيمس مارينسكي قائلا ان هذه البروتينات نسبتها ضئيلة, وهي عبارة عن انزيمات يجري حاليا دراستها لمعرفة مدى خطورتها على المستهلك. التأثير على الحشرات المفيدة كما وجه الدكتور صلاح سؤالا آخر إلى الدكتورة برنس سلانسكي قال فيه: إذا كانت المحاصيل الزراعية المحسنة جينيا تتميز بمقاومتها للحشرات الضارة والطفيليات, فماذا عن قتلها للفراشات وتأثيرها السلبي على النحل والحشرات المفيدة؟ فقالت مسئولة ادارة الاغذية المحسنة بوزارة الزراعة الامريكية بأن هذه المشكلة تقلقهم وهناك دراسات تتم حاليا لايجاد حل لها, من اجل قصر التأثير على الحشرات الضارة دون المفيدة. وتساءل الدكتور متوكل محمد احمد ـ مدير الجودة بمركز رقابة الاغذية والبيئة ببلدية ابوظبي ـ حول مدى مسئولية الحكومة الامريكية عن سلامة الاغذية المحسنة, فقال الدكتور اندروبنسن مدير مجلس المعلومات الغذائية بوزارة الزراعة الامريكية ـ بأن ادارة الاغذية والدواء الامريكية FDA مسئولة عن سلامة جميع الاغذية الامريكية, كما تحرص الحكومة على تفعيل قانون حماية الاغذية والدواء. وحضر الندوة تيري فوراتشيك ـ المدير الاقليمي بدبي لمجلس الحبوب الامريكي, ورونالد فيردونك ـ المدير الاقليمي لمكتب التجارة الزراعية بالقنصلية الامريكية بدبي وهواسم كيزيريان ومحمد طه مساعدا المدير الاقليمي الاخير وعطا خوشان ـ ممثل القسم الثقافي والاعلامي بالسفارة الامريكية في ابوظبي, كما شارك في الندوة من الرياض بالمملكة العربية السعودية عدد من المسئولين في البلديات. لقاءات (البيان) وعقب الندوة التقت (البيان) نخبة من المشاركين فيها من المسئولين بالدولة, فيقول الدكتور عبدالله سليم ابو رويضة ـ مستشار الصحة العامة والبيئة بالامانة العامة لبلديات الدولة: لا توجد حتى الآن اية ادلة على خطورة الحبوب المحسنة, ولو كان بها اية مشاكل صحية, ما اطعمها الامريكان لانفسهم, والمشكلة تكمن في ان جمعيات اهلية حاربت الفكرة منذ بدايتها دون مبرر او تقييم علمي دقيق مما جعل هناك نوعاً من القلق والتخوف وعلينا ان ننتظر حتى يقول العلم والمنظمات العالمية المسئولة كلمتهم, خاصة وان كل ما يفعله هؤلاء العلماء هو البحث عن جين معين يحمي النباتات ويجعلها تنمو في بيئة مالحة او بيئة مكافحة للحشرات الضارة, والجين هو عبارة عن تركيبة يقوم العلماء بفصلها بطريقة معينة تمكنهم من الحصول على جين معين يقومون بغرسه في خلية ثانية لتنمية الصفات الوراثية بها, مما يجعل النبات يعطي انتاجية افضل دون الحاجة الى استخدام مبيدات حشرية او مواد كيميائية او سماد وهذه بعض فوائد الحبوب المحسنة جينيا. تشريعات وقال الدكتور ابو رويضة ان العالم لا يوجد به قوانين او تشريعات تحرم انتاج هذا النوع من الحبوب, كما ان بالولايات المتحدة الامريكية هيئة تسمى بدستور الاغذية العالمية ـ الكودكس ـ تعمل حاليا على دراسة هذا الموضوع بصورة اكبر, بهدف وضع آلية معينة لكيفية انتاج هذا النوع من الحبوب, وكيفية استخدامه حتى يلتزم الجميع بالطرق الصحيحة لانتاجه دون وقوع اية مشاكل او مخاطرة وخلال الشهر المقبل سيعقد اجتماع في كندا لدراسة الموضوع ذاته, بعد ان عقدت اليابان اجتماعا آخر مماثل في مارس الماضي اكد عدم وجود اية مشاكل من وراء هذه التقنية الجديدة حتى الآن. الموقف الخليجي وقال مستشار الصحة العامة والبيئة ان موقف دول الخليج والعالم كله لم يتحدد حتى الآن وبالتالي لا توجد اية قوانين تحرم دخول هذه الاغذية الى دول العالم بل ان الحكومة الامريكية وبالتحديد ادارة الاغذية والادوية الامريكية سمحت بتداول واستعمال هذا النوع من الحبوب وربما كان ذلك بفعل الضغوط القوية التي تتعرض لها الحكومة من المنتجين الذين يستفيدون ماديا من زيادة الانتاج بفعل هذه التقنية الجديدة. الاغذية بالدولة سليمة اما خالد شريف العوضي ـ رئيس قسم رقابة الاغذية بدبي ـ فقال: (اننا حاليا في مرحلة جمع المعلومات عن الاغذية المحسنة جينيا ونجري اتصالاتنا بالمنظمات العالمية التابعة للامم المتحدة ونحرص على المشاركة في مختلف الندوات واللقاءات العلمية التي تتناول هذه القضية حتى يمكننا ان نحدد قرارنا بشأن دخول مثل هذه الاغذية الينا من عدمه, فنحن جهة رقابية مسئولة عن سلامة كل الاغذية التي تدخل الدولة واقوالها بأنه لا خوف من جميع الاغذية الموجودة بالدولة, اذ ان مختبرات الاغذية بالدولة تعمل على اختبار كافة الاغذية قبل دخولها ولا يسمح بدخولها إلا بعد التأكد من سلامتها. وقال الدكتور موسى علي احمد ـ المستشار ببلدية دبي اكد العلماء المتخصصون ان هذه التقنية الجديدة لم ينفذوها إلا بعد اجراء الكثير من الابحاث عليها لسنوات عديدة, وبعد التأكد من عدم وجود اية مخاطر بسببها على صحة الانسان, وهذه التقنية الجديدة هي عبارة عن نقل جين او تتابع جيني معين من حمض نووي لحيوان او نبات او بكتيريا أو فيروسات الى حمض نووي اخر في النبات, وذلك بهدف تحسين بعض الصفات الوراثية لهذا النبات, مما يؤدي الى زيادة الانتاج في محصول ما, ويجعله ذات قيمة انتاجية اعلى, وذات قدرة على مقاومة الجفاف والمبيدات الحشرية والحشرات الضارة, كما تستخدم ذات التقنية في انتاج محاصيل معينة لانتاج مادة فعالة محددة تستخدم في صناعة الادوية والعلاج. معارضون وقال الدكتور موسى ان هذه التقنية معقدة وتحتاج الى دقة في تحديد الجين المراد نقله اذ ان أي خطأ في اختيار ذلك الجين او عند وضعه في مكان خطأ في الحمض النووي للنبات, فإنه يؤثر سلبيا على تسلسل التتابع الحمضي ويؤدي الى ظهور إما سلالات جيدة او سلالات تحمل مواد كيميائية وسموماً ضارة بالصحة, وهذا ما يقوله العلماء غير المؤيدين لهذه التقنية خاصة في ظل قول بعض العلماء والعاملين في مراكز ابحاث ادارة الاغذية والادوية الامريكية, ان الابحاث التي اجريت على هذه التقنية الجديدة ـ الحبوب المحسنة جينيا ـ غير كافية لتحديد مدى سلامتها, اذ ان النتائج الحقيقية لتقنية نقل الجينات ربما تظهر بعد سنوات طويلة, مما يجعل هؤلاء العلماء المعارضين يعتقدون ان مراكز الابحاث الحكومية قد تسرعت في قرار تداول هذه التقنية نتيجة ضغوط المنتجين عليها نظرا لاستفادتهم المادية من زيادة الانتاج بسبب هذه التقنية. جنون البقر ويضيف الدكتور موسى ـ المستشار ببلدية دبي قائلا: لقد اكد هؤلاء العلماء المعارضون في امريكا ان ظهور مادة البريون التي ادت على مرض جنون البقر في انجلترا وعدد من الدول الاوروبية, كان نتيجة خطأ فني في نقل الجينات, ولذلك فعلينا ان نترقب بدقة كل ما يحدث على الساحة العالمية حول هذا الموضوع من معلومات وأمور تمكن المسئولين من اتخاذ قرارهم السليم بشأن هذه الحبوب المحسنة جينيا. واختتم المستشار ببلدية دبي حديثه لـ (البيان) قائلا ان المختبرات العالمية حتى في الولايات المتحدة الامريكية لا تستطيع ان تكشف الاغذية التي تم تحسينها جينيا, اللهم إلا في حالات قليلة جدا, وبخاصة عندما تحتوي هذه الاغذية على مواد سامة نتجت عن عملية نقل الجينات وهنا فقط يمكن كشفها, وعموما فإن هذه الحبوب المحسنة جينيا لم يثبت ضدها حتى الآن, وتبذل الجهات المسئولة بالولايات المتحدة الامريكية جهودا جبارة من اجل التأكد من سلامتها ومن اجل ذلك خصصت الحكومة الامريكية ميزانية ضخمة لتقوم مراكز الابحاث بادارة الاغذية والادوية بوزارة الزراعة الامريكية باثبات سلامة هذه التقنية, وحتى الان تؤكد هذه المراكز عدم وجود اية مخاطر من استعمال الانسان لهذه الحبوب المحسنة جينيا, إلا ان المسئولين بدولة الامارات العربية المتحدة يعملون على التأكد من سلامة هذه التقنية الجديدة قبل السماح بدخولها الدولة, حفاظا على صحة وسلامة كافة ابناء المجتمع. تحقيق: عادل عرفة