دخل قاعة جمعية الاصلاح في يوم المسابقة المحلية للقرآن الكريم, وهو لا يكاد يبين, لصغر جسمه وحجمه. نعم ليس له حجم لانه اكمل السادسة من عمره او كاد. وليس له جسم لأنه يحمل ثلاثين جزءا من القرآن في صدره, فالجسم ذهب بشحمه ولحمه فداء للقرآن. رأيته يتحرك داخل القاعة من ناحية الى ناحية كأنه عصفور, وهو بالفعل عصفور لانه طفل اشبه بالرضيع في شكله, ونعومة جلده, وهشاشة عظمه. جلس الطفل الصغير ينتظر دوره ولم اكن اصدق انه يحفظ لانه صغير جدا, ورائحة اللبن تشتم من فيه. حتى جاء دوره قام واندفع نحو المنصة, ثم اعتلى الكرسي ولا يظهر للجمهور الا رأسه لانه صغير, وجلس قارئنا الصغير يقرأ عن ظهر قلب, من غير ان يعطي اي اهمية لمن حوله. وجهت لجنة التحكيم اليه خمسة اسئلة مقدار كل سؤال صفحتان في مصحف المدينة المنورة, وكان قارئنا يجيب عن كل سؤال وقد فتح الله عليه. ومن المعلوم انه مطلوب منه الحفظ الجيد والتجويد والاداء, وحسن الصوت. في اعتقادي انه ابلى بلاء حسنا لولا انه كان يتعثر احيانا تعثرا طفوليا ملؤه البراءة والصفاء. والحفظ كما حددت لائحة التحكيم عليه 70 درجة, والتجويد 25 درجة, وحسن الصوت عليه 5 درجات. انني في الواقع لست الآن في مقام بين ما حصل عليه القارىء الصغير, قدر ما انا اريد ان اسجل اعجابي بهذا الطفل الذي من الله تعالى عليه بهذه النعمة الكبيرة. هذا الطفل في الحقيقة معجزة إلهية, وإلا كيف يستطيع ان يحفظ ثلاثين جزءا من كتاب الله عز وجل؟ انه باسم الله ما شاء الله تبارك الله حفظ وجود وأتقن التلاوة لولا بحة في صوته. عندما اكمل دوره الذي استغرق 25 دقيقة تقريبا نزل, وكانت عيناي مغرورقتين بالدموع, فلم اتمالك نفسي, ودعوته الي فحضنته, فإذا هو جسم اصغر وادق مما كنت اراه على المنصة. حضنته فذاب في يدي, وذلك الموقف ابكاني اكثر, وجعلني افكر واقول اين قضى هذا الطفل طفولته؟ وكيف قضى السنوات من عمره؟ إن امثاله يرقصون ويمرحون, وتكاد جلودهم تضيق بأجسامهم من اثر النعمة والرفاهية والمرح, اما هذا الطفل فيبدو انه ولد وهو يحفظ القرآن, فمنذ ذلك الوقت وهو مغموم مهموم. مغموم لأنه يحفظ ثلاثين جزءا من القرآن وتلك مسئولية. ومهموم لأنه يخاف ان ينسى ما حفظه, وعندئذ يحاسبه الله. سألته عن اسمه فقال اسمي معاذ, ثم سألته عن جنسيته فقال مصري يقطن العين ثم سألته هل هو تلميذ؟ فأجاب نعم, وفي الصف الاول الابتدائي, قلت له فتح الله عليك يا ولدي, وحفظك لوالديك, ووقاك الله حسد الحاسدين. ثم لقيت والده في الممر فسألته عن سنه فقال ست سنوات, وسألته عن الذي حفظه؟ قال والدته هي التي حفظته, قلت باسم الله ما شاء الله, اي ام هذه؟ اذا كانت مدرسة فنعمت المدرسة هي, وان كانت ربة بيت فنعمت المدرسة هي. لكن الذي اقوله هو: هل هذه الام ام عادية؟ ام انها فيها من صفات الملائكة؟ ولذلك فإنها لم صفت صلحت ان تكون وعاء ايمانيا صالحا لحمل هذا الجوهر الثمين. هنا نزلت دمعة عيني مرة اخرى, وانا اقول: ويل لأمهات اليوم, اين هن من هذه الام المباركة؟ إن امهات اليوم لا يهمهن الا البحث عن اسواق الذهب, وصالونات التجميل, وشراء العطور الباريسية, وكان اولى بهن لو عملن ما عملت هذه الام التي لم ارها, ولو رأيتها لكانت شعثاء غبراء يقينا لو اقسمت على الله لأبرها. جلست اقول هذا وافكر في جواب الطفل الصغير لما قال انا تلميذ في المدرسة, وفي جواب والده الذي قال ان امه هي التي قامت بتحفيظه القرآن. ظللت اقول: ان الام هي المدرسة الاولى اذن, فمتى صلحت الام صلحت الذرية, اما المدرسة فهي دار تعليم لا التربية, ذلك ان التربية خلق يرضعه الطفل مع لبان امه, وصدق الشاعر اذ يقول: ما انتجت امة في قومها بطلا إلا ومن خلفه انثى تربيه هذه الانثى هي الام الصالحة وليست الخدامة الآسيوية التي لا تنتمي الى بلد الطفل ولا الى لغته ولا الى ديانته. انعم بالانثى واي انثى؟ هل كل امرأة انجبت لز وجها ولدا او بنتا اصبحت انثى ام ان هذه الانوثة هذه خصال جليلة يضفي الله على بعض النساء, وروح جميلة يبثها الله في بعض النفوس؟ اعود الى القارىء الصغير معاذ فأقول حان وقت صلاة المغرب في ذلك اليوم, فسبقنا هو الى المسجد, ولما دخلنا وجدناه في ساحة المسجد يصارع غترته التي اكبر من جسمه بمرتين, يحاول ان يطويها فلا يستطيع, ويحاول ان يضعها على رأسه فلا يستطيع ايضا, رأيته وقد تأذى من غترته يقلبها ذات اليمين وذات الشمال وعندئذ تذكرت قصة الاعرابية الصغيرة التي ذهبت بقربتها الى البئر فملأتها وبعد ان ملأتها حاولت ان تربط فم القربة الا انها غلبتها فنادت بأعلى صوتها قائلة: يا ابت ادرك فاها قد غلبني فوها, لا طاقة لي بفيها, فذهبت تلك العبارات الجميلة التي اطلقتها البنت الصغيرة عفويتها حجة للنحويين حيث قرروا ان الاسماء الخمسة التي هي (ابوك واخوك وحموك وفوك وذو مال ترفع بالواو وتنصب بالالف وتجر بالياء. رأيته يفعل ذلك مع غترته فقلت يا سبحان الله استطاع ان يتغلب على ثلاثين جزءا من كتاب الله فيحفظها في صدره, ولا يستطيع ان يلبس غترته.. أليس هذه معجزة إلهية؟ وصدق الله اذ يقول (إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) كيف يحفظ الله القرآن؟ لولا ان يهييء له صدور الرجال والنساء الاطفال. هذا القران الذي تحفظه الصدور حري بأن يبقى الى ابد الآبدين, ولو قدر احد على محوه من السطور فإنه لايقدر على محوه من الصدور, ولذلك قال احد طغاة العالم بعد انه اباد شعبا بأكمله وظن انه قضى على الاسلام قال وهو ميئوس من نفسه, ولكني لن افعل شيئا مادام هذا القرآن بينهم. اقول ان المدارس اليوم من واجبها ان ترفع كتاب الله عاليا ولا تكتفي بمقتطفات من الآيات, وجزى الله الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع الذي انشأ لابناء العالم مسابقة قرآنية دولية, وانشأ لابناء الدولة والمقيمين على ارض الدولة مسابقة قرآنية محلية, وجعل لكل منهما جوائز نباهي بها بين الامم. هذه المسابقات القرآنية هي نبراس للناشئة في حياتهم المستقبلية, ونبراس لسموه يوم القيامة سوف يلقاه وقد اضاء له طريقه الى ربه. ألا فيبارك الله في القارىء الصغير معاذ الذي حفظ القرآن, وليبارك في أم معاذ التي حفظته القرآن, وليبارك في الشيخ محمد بن راشد الذي رعى أهل القرآن وجزى الله العاملين في جائزة دبي الدولية والمحلية للقران الكريم خير الجزاء. د. عارف الشيخ