أبت الشارقة إلا ان تكون عاصمة الثقافة, وهي منذ ابتسامتها الاولى اخذت على عاتقها ان تقدم للمجتمع ما يفيد. تلك الابتسامة لم تنطلق من تلقاء نفسها, بل كانت انعكاسة لاشعاع حضاري لرجل حضاري ألا وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى للاتحاد حاكم الشارقة. فسموه ينتقل من بناء الفكر الى تبني المفكر, ومن العلم والفن الى تبني العلماء والفنانين, لعلمه ان الدولة مليئة بالخامات الطيبة, وهذه الخامات بإمكاننا ان نشكل منها ما يريده الوطن منا. واما لو تركناها هدرا كما كانت تذهب مياه المطر هدرا في منطقة حتا بدبي الى ان قيض الله لها رجلا مثل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله حيث بنيت عشرات السدود لتقف في وجه مياه الامطار, وتحفظها من التسرب والانتشار. ذلك الرجل الفذ وهذا الرجل الفذ اعتبرهما من القلائل الذين يجود بهم الزمن, اذ انهما نذرا وقتهما لخدمة الوطن والمواطن, ألا ترى ان ماء المطر وموهبة العالم او الفنان نعمتان عظيمتان يجب علينا ان نعرف كيف نستثمرهما. اما الماء فقد قال الله عنه: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) . واما الفكر فهو ما يميز الانسان من غير الانسان ويجعله يرقى من مستوى الثرى الى الثريا. اذن فلنستثمر فكر الانسان وعلم الانسان اينما وجد, وبالاسلوب الذي يناسب كل عصر ووزارة التربية معنية بهذه الاستفادة في الدرجة الاولى, لانها حملت على كاهلها مسئولية تربية وتعليم النشء منذ نعومة اظفاره. قلت هذا واردت به تلك التظاهرة الشارقية التي اثارتها دائرة الاعلام في مجال المسرح والمسرحيين, وبدعم من صاحب السمو حاكم الشارقة كما قلت. هذه المسرحيات او أي مسرحية ربما ينظر اليها الناس بأنها نوع من العبث او اللهو او الفكاهة, لكن ليس الامر كذلك. ولكي تتضح المسألة اكثر يستحسن ان نعرف المسرحية اولا فنقول: المسرحية هي قصة معدة للتمثيل على المسرح, والتمثيل هو التصوير والتشبيه والتشكيل والممثل هو الذي يقوم بعملية التمثيل. اذن فإن التمثيل والمسرحية قد تشتركان في معنى واحد اذا كانت تلك القصة التي اعدت للتمثيل تؤدى على المسرح, لكن تبقى كلمة التمثيل اشمل من المسرحية لانها قد تكون اذاعية او سينمائية مصورة. ونفهم من هذا ان التمثيل هو تقمص دور الآخرين وحالتهم او استحضار صورة شخص من شخص او حادث كما يقول زكي طليمات. وقال ارسطو عن التمثيلية بأنها محاكاة للفعل البشري. وعرفها نيكول بأنها تعبير عن افكار حياتية يمكن تفسيرها من قبل الممثلين لغرض امتاع المتفرج. اقول بعد هذا ان التمثيل هو تعبير عن الرغبة الكامنة في النفس, وتحليل لتفاعلات الآخرين بأسلوب ادائي متقن يعتمد على الاقوال والافعال. ويعني هذا ان العملية في حاجة الى حركة وحوار وشخصيات او الى موضوع وفكرة وشخصيات. هذا اللون من العمل الابداعي واعني به المسرحية والتمثيل رغم انه كان مرتبطا بالمعابد عند الشعوب كما يقول الاستاذ علي احمد باكثير إلا انه اختلف وضعه عند العرب في الجاهلية, لان الوثنية العربية لم تكن وثنية اصيلة بل صورة مشوهة من دين قائم على التوحيد هو دين ابراهيم واسماعيل. ويقول باكثير ايضا لذلك فإن مناسك الحج يمكن ان تعد صورة درامية لتمثيل ذكريات ابراهيم وسيرة زوجته هاجر, وقد كان العرب في الجاهلية يقومون بهذه الشعائر من قديم, وعندما جاء الاسلام اقرها على انها مناسك لحج بيت الله, فالسعي بين الصفا والمروة مثلا تخليد لذكرى هاجر أم اسماعيل اذ كانت تتردد بينهما باحثة عن الماء لتروي به عطشها وعطش ابنها. اقول ومن هنا نستطيع القول بأن التمثيل والمسرح له اساس عند العرب, ولكن ليس بالشكل المعروف لدى الامم الاخرى التي كانت تقدس الذات وتسند الصفات البشرية الى الالهات. واستطيع القول ايضا بأن التمثيل اسلوب من اساليب التعليم, وطريقة من طرق التحصيل العلمي وترجمة للتاريخ. نعم وقد يكون وسيلة للتسلية واللهو, وقضاء وقت الفراغ ولكنه وسيلة من وسائل عرض قضايا المجتمع, وحل مشاكلهم ايضا. من خلال التمثيل يمكن ان تنتقل عادات وتقاليد الشعوب ومن خلاله يمكن ان تنشر الدولة الوعي بين افراد شعبها. اذن لماذا نفهم من التمثيليات انها مدمرة دائما؟ اليست التمثيليات والمسرحيات منها المأساة ومنها الملهاة؟. ثم اليس منها الاذاعية ومنها المسرحية ومنها المصورة؟. ثم اليس منها الكلاسيكية ومنها الرومانسية ومنها الطبيعية والواقعية ومنها الرمزية ومنها التعبيرية, ومنها السيرالية؟ اذا عرفنا كل ذلك فالانتقاء متروك لنا, فلنختر منها ما يفيد, وندع ما لا يفيد, ولاسيما اننا امة لنا قيمنا, ولنا معتقداتنا ولنا الوسطية بين الامم. ما اردت ان اصل اليه هو ان التمثيل والتصوير في هذا الزمن اداتان مهمتان للتعليم المدرسي وبث الوعي في البيوت فلا يحملنا التعصب الاعمى الى ان نهمل هاتين الطاقتين او الموهبتين في شبابنا. بل الواجب ان نوجه مواهبهم نحو البناء, ونتخذ من التمثيل مسرحا لحل مشاكل الاسر, ووسيلة لغرس القيم الاصيلة والمعاني الجميلة, وتوصيل المعارف والمعلومات الى عقول واذهان الناشئة. لقد كفانا الدرس النظري, والناس ملهم حمل الكتب والاستماع الى المحاضرات العقيمة, ولذلك فإنهم هجروا البيوت الى الشوارع واماكن اللهو. فلنستغل اذن تواجدهم في دور السينما والمسارح ونلقنهم دروسا تغذي عقولهم وقلوبهم لا بأسلوب التلقين والوعظ, بل بأسلوب التمثيل والوصف. وفي النهاية نجد ان الهدف المرجو هو هو, اذ المهم ان نحقق ذلك الهدف المرجو, وليس المهم ان نجلس في الفصول وأروقة الجامعات ونتصفح الكتب ذات الالوان والاحجام. ان الحياة هي الكتاب, وتفاعلنا معها هي العلم وابداعنا هو الفن, اما واننا ندرس الجد من الاقوال المكتوبة, ونمارس الهزل من الافعال المكبوتة فهو لعمري الحياة العقيمة بعينها. د. عارف الشيخ