اكد علي الهاشمي المستشار بديوان الرئاسة على ان الهجرة النبوية كانت نقطة الانطلاق في بناء الدولة الاسلامية الكبرى وظهورها في هذا الوجود. جاء ذلك في الامسية الدينية التي نظمها المركز الثقافي المصري بأبوظبي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة والتي ادارها وقدم لها المستشار الدكتور طارق عبدالعظيم المستشار الثقافي لسفارة جمهورية مصر العربية الشقيقة. وقال لقد اصبحت الدعوة الاسلامية بعد الهجرة مشرق هداية ومبعث حياة للناس اجمعين في كل جوانب الحياة على وجه الارض وتقديرا لهذا الحدث العظيم ارخ المسلمون به ليذكر المسلم دائما ان قوة العقيدة وحدها هي التي تصنع المعجزات وتصوغ حياته التي بها بلغت الدعوة غايتها بالانتصار. وسيظل التاريخ يسجل والى الابد ان الهجرة المحمدية حدث جليل, من ابرز احداث التاريخ الانساني كله, من حيث خطر دلالاته ومعطياته وثمراته, وسيظل هذا الحدث ابعد اثرا في تاريخ الانسانية ومعينا لا ينضب لاعذب المعاني واصفى المبادىء واسمى القيم. واضاف علي الهاشمي لقد كانت الفترة المكية للدعوة الاسلامية مرحلة من ادق مراحل الجهاد واشقها, فقد لبثت الدعوة واتباعها ثلاثة عشر عاما لم يضعا خلالها السلاح لحظة واحدة ولم يكن السلاح ماديا فقط, بل كان الى جانب ذلك معنويا ـ الايمان يسانده وتساعده الروح في مواجهة القوة المادية التي يساندها الباطل ـ وانتصر الايمان على القوة وانتصر الحق على الباطل. لقد حدثت الهجرة بعد ان عبئت الفئة المؤمنة بالعقيدة الراسخة, وصقلت بالايمان القوي وغذيت بأكبر طاقة من الصبر والاحتمال فلما دعيت الى الهجرة لبت النداء الذي تحدت به قريش كلها. ولقد هيأ الله تعالى لهذه الهجرة كل اسباب النجاح من اسلام البعض من المدينة المنورة في موسم الحج ثم بيعتي العقبة الصغرى والكبرى والرعاية والحماية الالهية الكاملة لنبيه صلى الله عليه وسلم بدءا من خروجه من بيته في مكة المكرمة ومرورا بالطريق من الغار الى سراقة وانتهاء بوصوله الى المدينة المنورة سالما آمنا وكان أول ما بدأه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد وصوله الى المدينة بناء المسجد لتقام فيه شعائر الله التي طالما حوربت في مكة ثم كانت الخطوة الكبرى وبالغة الاهمية وهي المؤاخاة بين المهاجرين والانصار الذي ذابت في بوتقتها كل عوامل التفرقة ولقد ظلت حقوق هذه المؤاخاة مقدمة على حقوق القرابة حتى في التوارث حتى غزوة بدر الكبرى حين نزل قوله تعالى (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ثم كانت المعاهدة التي ابرمها المصطفى صلى الله عليه وسلم مع اليهود والمشركين. بهذا استقرت الاوضاع بالمدينة ووجد المسلمون الفرصة مواتية لتجديد قواهم وترتيب شئونهم, ثم كان من الضروري الانطلاق الى مرحلة جديدة, تعلوا فيها كلمة الاسلام ويكون الدين كله لله وتكون العقيدة الدينية وسلطانها هو الذي يوجه سفينة الحياة ويربط بين المسلمين برباط ترفرف في سمائه ألوية الفضيلة, ومكارم الاخلاق وتسري في عروقه عرى المودة والمحبة والوفاق, كل ذلك في اطار من تشريع محكم تنتظم في ثناياه كل ما تنشده الانسانية من آمال طيبة وامان عذاب, ويكفل لها حاضرا عزيزا منيعا, ومستقبلا مشرقا بكل ما تزهو به الحياة, زاخرا بكل اسباب الفوز والنجاح, وله من القوة ما يدحر العدو ويسر الصديق. ولقد كانت الدعوة الى الاسلام في (مكة) ومنهجها غرس العقيدة السليمة اولا, ونقض العقيد الفاسدة, والعادات المغرقة في جاهليتها حتى نهاية هذه الفترة حيث اضيف الى العقيدة سلوك عملي واحد هو الصلاة, اما في المدينة فقد ارتبطت العقيدة بالتشريع الاخلاقي المتمثل في الفرائض التي فرضها الاسلام من صيام وزكاة وحج, وفي الاخلاقيات السلوكية التي يجب على المسلم الالتزام بها والتي تضمنتها توجيهات وكلمات سيد الرسل. ولقد كان هذا المجتمع الذي تربى في احضان النبوة الاساس الذي قامت على اكتافه الدولة الاسلامية والجند الذي يحميها ويذود عنها وينشر مبادئها وكانت المدينة والارض التي فتحها الله على المسلمين هي تلك التي اختارها الله حصنا يؤوي هذا المجتمع وينعم بالعيش في ربوعه ويقيم فيه شرع الله ويطبق في انحائه منهجه, ذلك المنهج الالهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي استوفى كل حاجيات الانسان قاطبة, وكفل له كل اسباب الامن والعدل والسعادة والرخاء واهتدى به الى الصراط السوي المستقيم, وكانت به امة الاسلام خير امة اخرجت للناس. ومما لا شك فيه ان للقيادة الحكيمة الاثر الكبير في قيام الدولة التي يعيش في كنفها ابناؤها سعداء كرماء, فما بالكم اذا كان القائد سيد الخلق الذي ادبه ربه فأحسن تأديبه, وعلمه ما لم يكن يعلم وفضله, وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره, انه خير من يقوم بالاعداد لهذا العمل الكبير ويرسم لكل من وسد اليه الامر في اي موقع, ان يبذل من نفسه وجميع مقدرته لكي يبلغ بما كلف به الهدف المرجو ويحقق الامل المنشود فماذا صنع صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبني خير امة؟ لقد كان نعم القائد والمثل بسيرته وقدوته اولا فليس اخطر على الامم والشعوب من اناس يقولون ما لا يفعلون ويأمرون الناس بالبر ولا يأتمرون. وختم علي الهاشمي كلمته قائلا: لقد اكتملت في الهجرة النبوية كل القيم والفضائل التي كفلت عزة المسلم ورفعة الاسلام فهل آن الآوان لان نعيها ونحاول احياءها في طقوسنا حتى نعود ويعود معنا الاسلام كما بدأ اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين نجاهد في سبيل الله ولا نخاف لومة لائم. ثم تحدث الداعية الاسلامي الكبير الدكتور احمد خليل عن مراحل تكون المجتمع المسلم الذي قاد العالم في اقل من ربع قرن من الزمان فالمرحلة الاولى في مكة المكرمة كانت مركزة على بناء الشخصية المسلمة وفي المرحلة الثانية في المدينة المنورة تركزت على بناء المجتمع المسلم مع الاستمرار في بناء الشخصية المسلمة وبهذا البناء تمكن الاسلام من نقل المجتمع من البداوة المطلقة الى قيادة العالم وكان السر في كل هذا المنهج القرآني وحسن الاقتداء المتمثل في فطرية البدوي وعقله المنظم ونجاحه في حسن تدبر القرآن الكريم حيث تتسرب اسرار القرآن الى القلوب فيتشكل بها المسلم قرآنا يتحرك. ثم تلاه فضيلة الدكتور الشيخ محمد سليمان فرج الواعظ الاول بوزارة العدل والشئون الاسلامية والاوقاف بكلمة موجزة ومركزة فلسف فيها معنى الهجرة بعد اغلاق بابها بالفتح بأنها جهاد ونية وان نهجر ما نهى الله عنه. وقد اجتمع العلماء الثلاثة على ان الجهاد هو الخلاص الوحيد لهذه الأمة مما هي فيه الآن فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وان على علماء الامة ان يعملوا جاهدين على علاج القلوب المريضة من المسلمين حتى تتهيأ لحمل راية الجهاد في سبيل الله. ثم ختم الامسية عبيدة راشد العقروبي وكيل وزارة العدل والشئون الاسلامية والاوقاف المساعد بكلمة اشاد فيها بهذه الامسية وما تضمنته من معان روحية سيكون لها الاثر البالغ في احياء هذه الذكرى الغالية وصقل النفس المسلمة واحياء القلوب التي ران عليها ما كسبت. وقد حضر الامسية عبيد العقروبي وعدد كبير من رجال السلك الدبلوماسي ومن رجال الاعمال المصريين وغيرهم.