بقلم: عبدالقادر جاد الله عندما نتحدث عن تطور التعليم في وطننا العربي, فإن حديثنا يمس بالدرجة الاولى, التوسع الكمي والتطور النوعي وحينما نتأمل ما بلغناه في كل منهما, فإنه لن يكون من الصعب علينا, ان نصل من خلال مقدمات بسيطة الى القول بأننا قد بلغنا في مجال التوسع الكمي ما لم نبلغه في مجال التطور النوعي وان الهوة بينهما شاسعة جدا والفجوة كبيرة. لقد افرز لنا هذا الوضع قضية على جانب كبير من الاهمية يجب ان تحظى باهتمامنا وتدعونا لان نوجه جهودنا وخططنا ـ بالدرجة الاولى ـ نحو تضييق هذه الهوة وتجسيرها الى اقصى حد ممكن, ذلك اذا كانت لدينا الارادة المخلصة الواعية الرامية الى توفير اكبر قدر ممكن من فرص النجاح في تحقيق اهدافنا التربوية المرجوة. والمؤسف حقا ان هذا التوسع الكمي الذي بلغناه في التعليم لم يكن نتيجة دراسات علمية عملية وخطط مدروسة وموجهة, بل كان نتيجة دوافع خارجة عن هذا الاطار, ولعل اهمها تقليد الآخرين والتفاخر بكثرة اعداد المتعلمين لدينا. فقد فاقت نسبة التوسع الكمي التي حدثت اضعاف اضعاف نسبة التطور النوعي فجاءت الاولى على حساب الثانية, الامر الذي جعل التوازن بينهما مختلا وبدرجة حادة جدا جعلت مهمة اعادة التوازن بينهما الى الوضع الطبيعي امرا ليس سهل المنال. ومما زاد الطين بلة ان الاحكام التي تطرق اسماعنا هذه الايام وتدور حول التطور النوعي للتعليم, لم تكن هي الاخرى ثمرة دراسات علمية قد تم استقراؤها من خلال ملاحظاتنا المتأملة لسلوك المتعلمين, ومدى قدرتهم على توظيف ما يتعلموه في حياتهم العملية, ومدى صلاحيته للوفاء بمتطلبات حياتهم وبالذات لتحقيق التكيف الملائم والمطلوب الذي ينسجم مع معطيات الحضارة المعاصرة الاخذة مظاهرها في الانتشار سريعا على مسرح حياتنا. اغلب الظن ان هذا الوضع يرجع الى عدم تبلور مفهوم النوعية ومتطلباتها لدينا, او لنقل لان مفهومها ليس واضحا لدى الجميع وضوحا كافيا, وهو الامر الذي يضعنا امام العديد من التساؤلات, فهل تعني النوعية كم المعلومات التي نحصل عليها ويتم تخزينها في الذاكرة؟ ام انها تعني قدرة المتعلم على توظيف المعلومات التي يكتسبها في حياته لتكون عونا له, تساعده في التغلب على ما يقابله من مشكلات, وتعينه على اختيار السلوك المناسب لذلك؟ هل يمكن النظر الى المعلومات المكتسبة على انها الادوات التي يختار المناسب منها في الوقت المناسب, فيخرجها من حيز الفكر والقول الى حيز العمل والتنفيذ؟ اما اذا كنا نعني بتطور النوعية تبني طرائق واساليب تعليمية جديدة ومتطورة الى جانب تدريس مواد دراسية قادرة على صياغة مواطن صالح يتسلح بعقيدة قيم امته ومثلها, ويمارس عاداتها الاصيلة, فإن المتأمل لواقع ما يجري في الميدان التربوي لن يصعب عليه ادراك البون الشاسع بين ما نطلقه من شعارات وبين انماط السلوك التي يمارسها المتعلمون على ارضية الواقع. والحقيقة التي لا يمكننا غض الطرف عنها, ان كثرة المتعلمين لم تعد معيارا صالحا للحكم على رقي اي مجتمع من المجتمعات, حيث اصبح هذا الرقي يقاس بأثر المتعلمين على مجتمعهم وبمقدار مساهمتهم في تغيير وتطوير المجتمع. من هنا فإن النقلة التي نتطلع اليها يجب ألا تتمحور حول احد ابعاد العملية التربوية وعلى حساب بعد او ابعاد اخري, بل يجب ان تتسم بالشمولية والتكاملية التي تصل الى كل الابعاد وكل العناصر المكونة لمجمل هذه العملية فتشمل ـ على سبيل المثال ـ المعلم والمتعلم والمنهاج وولي الامر وكل ما له صلة بالبيئة التربوية, فشخصية المتعلم التي تنصب عليها مجمل فعاليات العملية التربوية ماهي الا حصيله تفاعل هذا الكل من العناصر والابعاد بعضها مع بعض. هكذا يمكن القول ان اي تعلم او تحصيل دراسي لايقود الى تغيير في سلوك المتعلم نحو الافضل, ووفقا لما يسود المجتمع من قيم, لافائدة ترتجى منه, لانه عندها يكون خاليا من المضمون, واسما بلا مسمى, ويلحق الضرر لصاحبه, لان المعارف والمعلومات التي نحصلها ليست هدفا بحد ذاتها, بقدر ماهي وسيلة لاكتساب مفاهيم ومهارات عقلية وعملية ومثل وقيم وعادات تتفق كلها مع مانؤمن به, ونسر باكتسابه لتوظيفه في حياتنا العملية. وتأسيسا على ذلك فانه يمكن القول بان التوسع الكمي الذي بلغناه قد جاء على حساب التوسع النوعي, وادى بالتالي الى التساهل في النوع, الذي انعكست اثاره السلبية على مختلف جوانب وابعاد العملية التربوية, فأصبحنا نجد من تسرب الى العمل في الميدان التربوي دون ان يتلقى الاعداد والتأهيل الكافيين لمزاولة المهنة, واصبحت عملية التقويم في مدارسنا هي الاخرى مطبوعة بطابع التساهل واصبح الاتجاه السائد عند المعلمين والطلاب واولياء الامور هو النجاح في الامتحان وتحقيق افضل النتائج الممكنة, وصار طلابنا يدرسون للامتحان فقط, وهكذا نوجه اهتمامنا الى الحفظ بعيدا عن التفكير والاستيعاب, والى التذكر دون الفهم والتعمق فيه, وازداد اهتمامنا بالجوانب النظرية على حساب اهتمامنا بالجوانب العملية والتطبيقية. والاكثر من هذا وذاك, فقد انطبعت مظاهر حياتنا وانماط سلوكنا بظاهرة التوسع الكمي, فاصبح الواحد منا يميل الى المبالغة ويستغرق في التفاؤل والتشاؤم, وفي كل ما يصدر عنه من تصرفات وافعال, فترانا نغالي ونفاخر بكم الملابس التي نقتنيها, وبعدد السيارات التي نمتلكها, وبالاثاث الفاخر الذي نملأ به بيوتنا ونجد المتعة في البذخ والترف, يشهد على ذلك ما ننفقه في افراحنا واتراحا.. الخ. واخذت في الوقت نفسه اتجاهاتنا تنجذب بشدة نحو التطرف بعيدا عن الاعتدال, وغدونا نولي اهتمامنا الزائد بالقشور دون الجوهر وبالاقوال دون الافعال, وقد ادى بنا هذا الى هجر اهدافنا الاساسية التي تسعى اليها فلسفتنا التربوية, فها نحن نتفاخر بتعلم لغات وغدا اهتمامنا بها يفوق اهتمامنا بلغتنا العربية, واصبح حديثنا ممزوجا او لنقل مجملا بمصطلحات اجنبية, وامتلأت اسواقنا بلوحات الاعلان المكتوبة بغير لغتنا, وبالاسماء الاجنبية المكتوبة بحروف عربية. كل هذا نتيحة اهتمامنا بالكم على حساب النوع, وبمعنى آخر لعجزنا عن تحقيق التوازن المعقول بين التوسع الكمي والتطور النوعي في التعليم.