ان الروح في الانسان تفيض بالمشاعر والاحاسيس, وهي تتطلع في مقام الذكريات, الى قصص الماضين, او بقايا معالم السالفين, لحضارات خلت, او عصور مرت, او فترات في حياة الانسان تحولت وتبدلت في اركان مشيدة قائمة او آثار واضحة او مندثرة مر عليها الدهر غاب عنها الساكنون او هجرها القاطنون, فأضحت بعدهم معالم يلفها الصمت, تبكي بدمع لا تراه الاعين على قوم نأوا عنها وفارقوها, واهل فضل عمروها ثم غادروها.. انه احساس الروح وهي تتطلع في آثار الماضين وشعورها وهي تحلق فوق رحاب كانت يوما من الايام مجمع القوم وناديهم ومحل انسهم ولعبهم ومكان سوقهم وتجارتهم. ولتجسيد هذا التواصل الروحاني عبر علاقة تجعل الفؤاد يتطلع الى المكان لا على انه معلم تراثي وحسب, بل على انه جزء من كيانه المعنوي ومشاعره الانسانية الداخلية, تلك المشاعر التي تهيم في جوانبه روحا ترفرف بوجدانها, وفؤادا يخفق بنبض حبه له, فيرتبط بالماضي العريق ارتباطا وثيقا لا انفصام له, فيأتيه اذ يأتيه لا ليستمتع بجماله ويملأ العين بألقه واشراقه وحسب, بل كذلك لكي يعبر عن مكنون ما يعتمل من حب في الضمائر, ويهظر ما خفي من اشواق القلوب والسرائر, قامت بلدية دبي بالتنسيق مع دائرة الصحة والخدمات الطبية بتنظيم زيارات ميدانية لنزلاء استراحة الشواب من كبار السن والعجائز الى بعض المواقع التراثية ضمن برنامج اسبوعي استمر طيلة ايام مهرجان دبي للتسوق 2000 وشملت منطقة الشندغة والاحمدية وسوق بر دبي ومنطقة البستكية تدعيما لاهداف امارة دبي في توفير الرعاية الكاملة لكبار السن وبهدف الترويح عنهم وربطهم مع ذكريات المواقع التي عاشوا فيها والاستزادة من معلوماتهم وانطباعاتهم حول الاماكن والمعالم التي يزورونها. كانت لهذه المعالم الحضارية في النفوس مكانة وأي مكانة, لان البيت العربي الذي يمثل الاصالة في المجتمع البشري كما يوحي بالتفرد والتميز في طابعه المعماري والهندسي فلقد اصبح من المآثر الحضارية الفريدة التي يعتز بها الفرد على هذه الارض باعتباره يجسد تاريخا زاخرا بالعطاء.. تحيكه شواهده, وتبرز معالمه في مقر مسجد عمره الراكعون والساجدون وحصن اقام فيه ولاة الامر وساسته, وقلعة تجسدت البطولة على شرفاتها وابراجها, ومدرسة امها طلاب العلم والمعرفة صباح مساء وبيت قطنه اهل الفضل والشرف والكرم والمروءة وسوق كانت مجمع الناس من مشرق الارض ومغربها فيها يعقدون صفقات تجارتهم ويروجون بضائعهم. واذا كان المبنى القديم يمثل لشباب اليوم شاخصا تراثيا, يحكي سيرة اجداد يفاخرون بهم بين الناس, فإنه لكبار السن ممن عاشوا في اكنافه ودرجت خطواتهم على ارضه, يمثل مع هذا الاحساس احساسا آخر في الاذهان ويوجد شعورا آخر في الانفس, انهم هنا نشأوا صغارا, وتربوا وتعلموا كبارا, تنسموا عبير هوائه النقي من تحت ملاقط هوائه ورأت اعينهم شعاع الشمس من فتحاته وفسحة فنائه, واستمتعوا بزرقة السماء في ضحوة النهار ولمعان النجوم في حلكة المساء في محيطه وبين احيائه, انها ذكريات غالية عزيزة في النفوس تحن اليها ارواحهم وتهوي اليها افئدتهم. انه يحدثهم بصوت لاتسمعه إلا قلوب امثالهم ممن عاشوا التجربة وخاضوا غمار الحياة فيه فبينهم وبينه عشق المحبين وشوق الوالهين, وحنين المغتربين الى الاوطان, والاهل والاولاد والخلان, كيف لا وهم كانوا هنا امس يسمرون ويمرحون, ويجتمعون مع اقرانهم ممن ودعوا الدنيا وغادروا الى رب رحيم. ان في كل ركن لهم ذكرى وفي كل زاوية لهم هوى تتشوق اليه النفوس, وترتع فيه الارواح, فعبر تلك الازقة الضيقة بين الابنية المتراصة, درجت خطواتهم وفي ساحات الاحياء التي شهدت سمر السامرين ولعب المتبارين كان قضاء ساعة راحتهم وفي البيوت التي تنشقوا فيها عبير الصباح ونسيم المساء كان اجتماعهم وانسهم, وفي دور العبادة والعلم التي آوتهم وربتهم كانت زاد عقولهم وأرواحهم, وفي الاسواق التي كان التعامل فيها فيما بينهم قائما على النصيحة والصدق والامان. ان علاقتهم بهذه الامكنة علاقة فيها من الخصوصية ما يجعلها فيض مشاعرهم, وحديث وجدانهم لا يحس به إلا هم انفسهم لا يشاركهم فيها احد من الناس. لقد كان هذا الايحاء يدور في الذهن وقد رأت العين مجموعة من الآباء الكرام من كبار السن ممن جاءوا الى زيارة منطقة الشندغة والاحمدية يوم الاربعاء بتاريخ 8/3/2000, وسوق بر دبي 13/3/2000م من يوم الاربعاء, ومنطقة البستكية في الاسبوع التالي في ذات اليوم بتاريخ 22/3/2000م برغبة من بلدية دبي التي تسعى الى اقامة جسور التواصل بين الماضي العريق والحاضر الزاهر ولقد جاء هؤلاء الكرام.. جاءوا ومشاعر الحنين الى الماضي تتملكهم والشوق الى رحابه يدفعهم.. ان الاقدام لم تكن تسعفهم فتحملهم ليأتوا زائرين فجاءوا على كراسيهم المتحركة ليشبعوا نهمهم من عبق الماضي العريق, ويحلقوا بأرواحهم في فضاء تلك المعالم الاثرية يدفعهم شوق غامر ومشاعر فياضة, لتنعم اعينهم بمنظرها ويطفى لهيب اشواق قلوبهم رؤيتها, بعد ان حنت الافئدة الى تلك المعالم القديمة الشامخة بإباء فوق هذه الارض الغالية. لقد كانت المشاعر فياضة والاحاسيس دافقة, وقد شدها الحنين الى الماضي فأشجاها وهيج فيها رؤى الذكريات القديمة, وهي تعود بذاكرتها الى ذلك الحي القديم الذي كان يضج بالحركة وينبض بالحياة هنا وهناك حيث كان الصحب والاحباب. لقد كانت الزيارة لهؤلاء الزائرين رحلة روحية وسياحية فكرية, حلقت بهم في سماء الماضي ونقلتهم بين عبقه واريجه وبلغتهم غاية كانت ارواحهم تهفو اليها, وحققت املا كانت انفسهم تتطلع اليه فردوا كلمات العرفان والامتنان شكرانا للحكومة الرشيدة التي اهتمت بتراث الآباء وصانته وحفظته من ان تناله يد النسيان. كتب خالد درويش